انتشار الإهمال والتسيب و«الفهلوة» في مواقع العمل الإنتاجي والخدمي وقيادة تفكر بعقلية مكتبية

حسنين كروم

Jul 18, 2017

القاهرة ـ «القدس العربي»: عكست الصحف المصرية الصادرة أمس الاثنين 17 يوليو/تموز توزع اهتمامات الأغلبية على أكثر من موضوع، الأول الارتفاعات في أسعار السلع والخدمات، بمعدلات أكبر من قدرات المواطنين على تحملها، مع استمرار صبرها عليها، إما تصديقا لوعود الحكومة المتوالية بأن التحسن سيبدأ في الظهور العام المقبل، بعد انخفاض العجز في الميزانية، وتوجيه قدر أكبر من الأموال للفئات الضعيفة وزيادة الاحتياطي الأجنبي في البنك المركزي، ما يعزز ثقة المستثمرين في كفاءة خطط الإصلاح.
والموضوع الثاني بعد الأسعار كان استمرار القلق من زيادة وتيرة العمليات الإرهابية في الأيام الماضية رغم النجاحات التي حققها الأمن والجيش، واحدثها مهاجمة وكر للتكفيريين في سيناء، وقتل ستة منهم واعتقال السابع، وقيام سلاح الطيران باكتشاف دخول خمس عشرة سيارة دفع رباعي للحدود من جانب ليبيا، كانت محملة بالأسلحة، ومهاجمتها وتدميرها كلها. والموضوع الثالث هو مباراة فريقي الأهلي والزمالك في الدوري العام، رغم أن البطولة حققها الأهلي من مدة بتقدمه على الزمالك، الذي يحتل المركز الثالث، ولكن الأهمية هي اللقاء ذاته. أما الموضوع الرابع فهو فتح باب تظلمات طلاب الثانوية العامة من التقديرات ومن الرسوب. كما استمرت الشكوى من موجة الحر رغم أنها بدأت في التراجع قليلا، ما أجبر كثيرين على البقاء داخل منازلهم، بل وصل الأمر إلى حد تأثر المصيفين بها. وهو ما أخبرنا به أمس الرسام محمد عبد اللطيف في «اليوم السابع» بأنه كان في زيارة قريب له يجلس بالمايوه وأمامه جهاز الراديو يذيع أغنية المطرب والفنان الراحل عبد الحليم حافظ «ماسك الهوي «بأيديا ماسك الهوي» فصرخ فيه يا عم سيبه هي نقصاك.
ولوحظ أيضا استمرار الاهتمام بالأوضاع في العراق بعد هزيمة «داعش» في الموصل واستمرار المقالات التي تتهم أمريكا بأنها وراء كل المصائب في العالم العربي. وكذلك استمرار الكتابات عن الأزمة مع قطر. وإلى ما عندنا من أخبار أخرى..

الإرهاب وقوة المعرفة

ونبدأ بأبرز ما نشر عن الإرهاب وعملياته، واتهام الأمن بالتقصير بالتقصير وعدم أخذ الاحتياطات الكافية، مثلما قال في «الوفد» علاء عريبي في عموده «رؤى»: «أخف وصف للحوادث الإرهابية التي وقعت في سيناء والجيزة مؤخرا يمكن اختزاله في كلمة واحدة وهي الجهل أو قلة المعرفة، ونظن أن الوضع الأمني لو استمر على هذا النهج فسوف تكون الغلبة للسفلة، الذين يكمنون ويتربصون ويقتلون أولادنا. لم يعد أحد منا يتحمل سماع أخبار استشهاد أولادنا بهذا الشكل، بعضهم غافل وبعضهم لا يمتلك خبرة وبعضهم غير مقدر لخطورة موقعه وبعضهم تم اقتياده وبعضهم غير مؤهل فنيا ولا نفسيا. خطط أقرب للعشوائية وقيادات تفكر بعقلية مكتبية، يعتقدون أن القوة في الحشد وفي العتاد وفي البنية الجسدية. قد تصلح هذه القوة في بعض الوظائف، لكن القوة التي يحتاجها الإرهاب هي القوة المعرفية. نحن لسنا خبراء في الأمن ولا نمتلك إحساس الضابط أو الجندي أو الأمين أو صف الضابط الذي يقف مترقبا الموت بين لحظة وأخرى، فقط نحن نجلس ونراقب من خارج المشهد، ومن مقعدنا نرى أن هناك خللا بعضه في القيادات التي تدير القوات وبعضه في التدريبات، وأن الخلل الأساسي في تعريف وتوظيف القوة نحن نمتلك قوة حشد وقوة عتاد وقوة لياقة لكننا لن نمتلك قوة المعرفة».

تصريحات وردية

والمهاجم الثاني كان عماد الدين حسين رئيس تحرير «الشروق» الذي قال في عموده «ربما» يوم الأحد: «السؤال البديهى، إذا كان البرلمان قد أعطى للحكومة ما طلبت فماذا فعلت هي؟ لا تدرك الحكومة أن أجهزة الإعلام الحديثة خصوصا وسائل التواصل الاجتماعي صارت تلعب دورا مهما وخطيرا في تشكيل وعي الناس، وأن الحظر والحجب والفلترة والمنع والإغلاق لم تعد تجدي كثيرا. يكفي أن يقوم شخص عابر بوضع وبث مقطع من فيديو لمدة دقيقة على اليوتيوب لكي يؤثر في تشكيل الرأي العام. المواطنون يحكمون على جدية الحكومة في محاربة الإرهاب من رؤيتهم للأداء على أرض الواقع، وليس من التصريحات الوردية أو البيانات الجافة والباردة التي تصدر، وكأن الناس لم يشاهدوا هذه الفيديوهات المرئية أو المسموعة».

الاستنفار والجاهزية

وفي اليوم التالي الاثنين أمس واصل عماد انتقاداته قائلا: «وزارة الداخلية هي أول من يدرك أن البدرشين وجنوب الجيزة إلى حد ما تمثل أحد معاقل التطرف، مثلها مثل مراكز ومدن وقرى الفيوم وبنى سويف. ووزارة الداخلية تدرك أيضا أننا في حالة طوارئ منذ العاشر من إبريل/نيسان الماضي، ورئيس الجمهورية أيضا طالب بالاستنفار والجاهزية في الأسابيع الأخيرة، كما طلب أكثر من مرة من رجال الشرطة وسائر الأجهزة الأمنية اليقظة والانتباه، خصوصا بعد العملية الإرهابية ضد جنود وضباط كمين البرث في رفح يوم الجمعة قبل الماضي. سيارة الشرطة كانت تسير وتم استهدافها حينما هدأت في مطب صناعي. السؤال: إذا كانت دورية الشرطة تدرك أنها تسير في «وسط بيئة غير صديقة أو معادية» ألم يكن الأصح أن يكون الجنود مستعدين ويدهم على الزناد، بحيث يشتبكون فورا مع المهاجمين؟ نقول هذا الكلام ليس تقليلا من جهد ودور الشرطة التي تقدم كل يوم شهداء دفاعا عن استقرار الوطن مع القوات المسلحة، بل نقوله حتى نطمئن إلى أن العمل يتم في أفضل بيئة ملائمة تضمن إنجازه بسرعة، وأن كل العناصر والأجواء مهيأة وجاهزة. نقوله أيضا حتى نحافظ على أبناء الشرطة أنفسهم من أفراد وأمناء ومساعدين وضبـــاط، وحتى نضمن أنه سيتم القضاء على الإرهاب والإرهابيين، لا نقلل إطلاقا أو نشكك في الرغبة في الانتصار لدى جنود الشرطة ولا نشكك في إخلاصهم، خصوصا أنهم يضحون بأرواحهم لكن فقط نريد أن نطمئن إلى أن ذلك يتم بالطرق الصحيحة والسليمة، حتى لا يملك الإرهابيون المبادرة ويصيبوا المجتمع باليأس. وهنا فإن المسؤولية تقع على عاتق المستويات الأعلى في أمور التدريب والتأهيل والجاهزية. رحم الله شهداء الشرطة والجيش وكل شهداء الوطن الذين يضحون بأرواحهم من أجل أن نعيش في أمان وسلام، ولا سامح الله القتلة الإرهابيين والفاسدين وكل من يتسبب في تعويق هذا المجتمع وتعطيله».

رسائل «داعش»

ومن عماد في «الشروق» إلى عماد آخر ولكن في «الوطن» وهو عماد الدين أديب في عموده «بهدووووء» الذي قال إن «داعش» أراد إرسال عدة رسائل إلى مصر منها: «باختصار الرسالة التي يريد «داعش» أن يبعثها إلى الرأي العام في مصر هي: «إننا على الرغم من محاولة الالتفاف علينا ومحاصرتنا أمريكياً من قِبل الرئيس الأمريكي والكونغرس. وأمنياً من خلال التنسيق الأمني القوي مع استخبارات المنطقة والعالم. ومادياً من خلال محاولة تجفيف منابع التمويل، فإننا سوف نستمر في تحويل حياتكم إلى جحيم». أما الرسالة السياسية الثانية فهي إلى الحكم في مصر وهي تقول: «إنك مهما حاولت أن تسوّق للرأي العام بأنك مسيطر على الأمن فنحن سوف نستمر في إعطاء الانطباع الدائم بأن هذه المقولة خاطئة وإننا قادرون على تحقيق اختراقات أمنية».

قتلوا وسرقوا

ولو نحن اتجهنا إلى «الأخبار» حيث عمود محمد الهواري «قضايا وأفكار»، سنجد أن ما غاظه أكثر من الإرهابيين الذين قتلوا جنود الشرطة الخمسة إنهم حرامية أيضا قال: «الإرهابيون القتلة الذين اغتالوا خمسة من رجال الشرطة في البدرشين ليسوا إرهابيين فقط، بل لصوص استولوا على متعلقات الشهداء بكل نذالة وخسة في يوم الجمعة، هذا اليوم المبارك وقبل أداء صلاة الجمعة. إنهم ليسوا مسلمين ولن يقبلهم الله إلا في نار جهنم، بينما الشهداء سوف يدخلون الجنة بإذن الله. أعتقد أنه من الضروري ألا تكشف الشرطة عن أسماء الهاربين في قضايا الإرهاب حتى يتم القبـــــض عليهم، فالأسماء يمكن تغييرها بالتزوير، أما الصور فيتم توزيعها على رجال الأمن للتعرف على هؤلاء الهاربين وإلقاء القبض عليهم وملاحقتهم، خاصة أن رجال الأمن الوطني يبذلون جهودا فوق العادة لملاحقة الخلايا النائمة من الإرهابيين في جميع أنحاء مصر».

جماعة شرف البوليس

وما دام الأمر قد وصل بهم إلى اللصوصية بجانب الإرهاب، فقد نادى رشدي الدقن في جريدة «روز اليوسف» اليومية أمس الاثنين في عموده «هوا مصر» باقتراح الحل الآتي تحت عنوان «نطبطب وندلع»: «وآخرتها؟ بالقانون كل القتلة والإرهاببين ينعمون في السجون من سنوات، بالقانون عبدالله الذي حاول ذبح زخارى، أمامه سنوات طوال ينعم فيها بالهدوء وممكن يطلع براءة ما الحل؟ هل ينشئ رجال الشرطة المصرية «جماعة شرف البوليس» على غرار ما فعله رجال الشرطة الفرنسية في الثلاثينيات «جماعة شرف البوليس»، كتب عنها الراحل علي سالم في 2014 وهاجت الدنيا. دعوني هنا أقتبس لكم جزءًا مما كتب علي سالم في جريدة «الشرق الأوسط» 4 يونيو/حزيران 2014 العدد 12972 «هي مرحلة في تاريخ فرنسا عصابات المافيا كانت تمارس عمليات القتل ضد خصومها في الشارع، ومنهم رجال البوليس. وعندما تتابع الشرطة الواقعة وتقدم مرتكبيها للقضاء كانت هذه العصابات تقتل الشهود، عندها بالطبع كان القضاء يحكم ببراءة القتلة. هنا يبدأ رجال الشرطة في الإحساس بأنهم لم يدافعوا عن شرفهم كما يجب، فاتخذوا القرار بإنشاء جماعة شرف البوليس. الهدف هو إيصال رسالة مؤكدة إلى القتلة بأن لحظة قتلهم قد حانت». انتهى الاقتباس إذن جماعة شرف البوليس في فرنسا أخذت حقها بيديها، قتلت كل من قتل ضابط شرطة، بدون روتين ودهاليز ومحاكم وتحقيقات، تستمر لسنوات. فهل هذا ما تريدون الآن؟ هل الدولة تريد أن نصل لمرحلة كل جماعة أو كيان عليه أن يحمى نفسه ويأخذ حقه بيديه، كفانا مماطلة نريد محاكمات سريعة وأحكامًا تنفذ. نريد أن يعلم الجميع أننا في دولة قانون دولة قوية ضاربة في جذور العالم والتاريخ. البديل مؤسف وقاسٍ ومرعب أيضا. البديل سيكون على غرار «جماعة شرف البوليس» وكل واحد يحمى نفسه ويأخذ حقه بيديه».

العراق

واستمر اهتمام البعض بالعراق بعد انتصار جيشه على «داعش» حيث عبر في «الأخبار» نبيل زكي عن أمله في القضاء أيضا على فكره، بأن قال في الصفحة الأخيرة في بابه «كلمة السر»:
«إننا إزاء فكر يخاصم الحياة ويحتفل بالموت، ويربي النفس على الكراهية. المحنة التي يعيشها العالم العربي سوف تطول ما لم نتجرأ على طرح السؤال، من أين جاءت هذه الأفكار التي لا علاقة لها بالدين؟ ومن أين جاءت الانقسامات الطائفية والمذهبية؟ وكيف نتخلص من هذا الوباء أو هذا الأخطبوط؟ وما الكتب التي تروج للتعصب والغلو والتطرف والخرافة والقتل، التي ظل البعض يتداولها منذ ألف سنة حتى اليوم؟ إننا في حاجة إلى النقد الذاتي ومراجعة المواقف، طالما أننا نحرص على أن نظل بشراً ونشارك في عالم البشر، ولا تهدف دعوات تجديد الفكر الديني إلى تجاوز النص الديني، أو إلى فرض مرجعيات فكرية تزاحم الحقيقة الدينية، وإنما تستهدف هذه الدعوات قراءة فاعلة وأدوات تحليل توسع القدرة على اكتشاف المعنى أو ابتكاره وتطوير ذهنية قادرة على الارتقاء إلى حقائق الدين الكبرى. التجديد لا يعني إزاحة الغطاء الديني، ولكنه محاولة لتحريك نبض الحياة في حقائق الدين، وتوسيع دوائر التفكير الديني وفتح مجالات تفكير خصبة لتفسيرات وتأويلات تطل على الجوانب غير الظاهرة من الحقيقة وتبحث عما يوفره الدين من سلام مع النفس. يحرر من قلق الحياة المعاصرة ويحطم الحواجز والمسافات ويتخطى تداخل الثقافات. وهذا التجديد ينهي حالة الخمول العقلي والركود الذهني كما سيكون بداية النهاية للتطرف الذي يقود إلى الإرهاب».

أمريكا صانعة الإرهاب

وفي «المصري اليوم» انتهى صاحبها صلاح دياب من نشر رسالة مطولة على عدة أيام من شخص لم يذكر له اسمه اتهم فيه أمريكا بأنها وراء نشأة «داعش» وقال معلقا في عموده «وجدتها « الذي يوقعه باسم نيوتن: «وجهة نظر لا تخلو من وجاهة في ما يتعلق بالتأصيل التاريخي للفكرة والفهم المغلوط لدولة الخلافة، وما أدى إليه ذلك من ظهور الجماعات الإرهابية والكيانات المتطرفة، لكنني أرى أن الهدف الأمريكي من «داعش» وأخواته ليس تجميعهم في منطقة، وليس تخصيص دولة أو مكان لهم، أرى أن الهدف نشرهم في المنطقة العربية لتفتيتها تماما. الأمريكان لم يتورعوا من قبل عن صناعة أسامة بن لادن و«القاعدة» وطالبان. سخّروهم لخدمة أهدافهم في البداية لمحاربة السوفييت لمنع الروس من التوغل جنوبا، وبعد انتهاء الغرض منهم وسقوط الاتحاد السوفييتي، أصبح هدف تلك الجماعة الإرهابية محاربة الغرب فكانت 11 سبتمبر/أيلول مثالاً مؤلماً على ما يمكن أن تؤول إليه صناعة الإرهاب، هذه طريقة لتفتيت الدول كما يمكن أن تكون هناك طريقة أخرى لتفتيت الدول بالدستور. في العراق مثلاً الدستور يكرس للطائفية والتفرقة بين السنّي والشيعي والكردي هذا له رئاسة الجمهورية وذاك رئاسة الوزراء والثالث له البرلمان، تقسيم الملعب السياسي بين الطوائف يؤدي لعواقب وخيمة على الأقل هو لا يقيم دولة».

معارك سياسية

وإلى المعارك والردود السياسية ولنبدأها مع عبد المحسن سلامة رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام ونقيب الصحافيين في مقاله بعنوان «مكافحة الفساد بوابة الإصلاح الاقتصادي» وقوله فيه: «صحيح أن الوضع المصري في مكافحة الفساد يتحسن بسرعة طبقا للتقارير الدولية في هذا المجال لكنَّ أمامنا طريقا طويلا حتى يتم وضع الخطط والقواعد التي تجعل من مكافحة الفساد عادة يومية للعاملين في جميع المجالات. وللفساد أوجه متعددة فهو غير مقصور على «الرشوة» أو السرقة المباشرة، ولكن هناك أساليب متعددة للفساد لا تقل خطورة عن الوجه المباشر للسرقة أو الرشوة، وأخطرها في تصوري، الفشل والإهمال والتسيب والفهلوة، وهي الأمراض المنتشرة الآن في كل مواقع العمل بلا استثناء. فالمدرس لا يعمل في المدرسة المعين فيها، لكنه يعمل بكل جد واهتمام في الدروس الخصوصية. والطبيب يذهب بسرعة البرق لتوقيع الحضور والانصراف في المستشفى المعين فيه، ليتفرغ بعد ذلك لعيادته الخاصة وللمستشفيات التي يعمل فيها، والحال نفسها تنطبق على مجالات كثيرة ومتنوعة، حتى لا يعتقد أحد أننا نتحدث على وجه الخصوص عن المدرسين والأطباء، فما يحدث في المدارس والمستشفيات هو صورة طبق الأصل لكل مواقع العمل الخدمي والإنتاجي بلا استثناء، ويظل الاستثناء فرديا ناتجا عن الضمير الشخصي للفرد نفسه، ودون ذلك فالكل يضع يده في جيب الآخر، ولا يريد أن يعمل وينتج ويرفض أن يكد ويتعب. الرئيس عبدالفتاح السيسي يرسل الكثير من الرسائل في كل المناسبات مؤكدا على أنه لن يقبل بالفاسدين أو الفاشلين، ويطبق ذلك على أرض الواقع، وآخر ما قام به ضد أباطرة الأراضي في طول مصر وعرضها، مصرًّا على أن يأخذ حق الدولة ورافضا كل أشكال النهب والفساد».

نفاق يستقبل بسعادة

وما أن قرأ عضو مجلس النواب الدكتور عماد جاد اسم الرئيس السيسي حتى سارع في اللحظة بشن هجوم ضده في عموده «درة الشرق» في «الوطن» وقال: «بدأ الرئيس الجديد مهامه والتفاؤل يحدو كافة مكونات تحالف 30 يونيو/حزيران بأن مصر المدنية قد عادت بقوة، وأن نمطاً جديداً من العلاقات سوف ينشأ، تكون الأولوية فيه لأهل الخبرة والكفاءة لا الثقة مثلما كان الحال من 1952 وحتى سقوط مبارك 2011 ثم كانت الصدمة شديدة، فقد بدا واضحاً أن هناك قراراً بهدم تحالف 30 يونيو وضرب رموزه وإبعادهم عن المشهد بالكامل، وهو ما بدأ يتحقق تدريجياً وسرعان ما عاد رجال كل نظام لتقدُّم المشهد، فما يمارسونه من أفعال وما يرددون من أقوال نفاق يُستقبل بسعادة من قبَل مَن بيدهم القرار، والغريب والعجيب أيضاً أن ذلك يجري دون خبرة كافية في العمل السياسي، ومن قبَل شخصيات لم تتلق في حياتها تدريباً سياسياً، ومن ثم تتصور أنها في اللحظة التي تحتاج فيها تجميع أطراف تحالف 30 يونيو سوف تنجح في ذلك، وهو تصور أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة، فهو تصور يعود إلى القصص الفرعونية القديمة كقصة إيزيس وأوزيريس، لا تمت إلى الواقع بصلة، فما أقدم عليه من بيدهم القرار من إساءة وإهانة وإقصاء لرموز تحالف 30 يونيو أكبر بكثير من أن يعالج».

الإقناع لا التخويف

أما الخبير الإعلامي ياسر عبد العزيز فقال في مقال له في «المصري اليوم» عنوانه «الخوف ليس الحل»: «هناك أسباب أخرى لـ«خوف الخبراء» وصمتهم والتعتيم على آرائهم ومنها، أن قطاعاً في السلطة يعتقد أن الانفتاح الإعلامي الذي قلل المخاوف وفتح الصفحات والشاشات للانتقادات في عهد مبارك، أدى إلى إسقاط حكمه، وبالتالي فإن الجهود الكبيرة تُبذل لإسكات المنابر والأصوات. تلك السياسة خاطئة لأن هوامش مبارك غير المتسعة بما يكفي هي التي زودت حكمه بقدرة على البقاء لثلاثة عقود، وربما منحته عشر سنوات إضافية في السلطة، لم يكن يمتلك الأسباب الموضوعية الكافية للتمتع بها. كما أن البيئة الاتصالية الحالية لا تسمح بنجاح تلك السياسة على المديين المتوسط والبعيد، في ظل وجود «قناة ثانية» هي «السوشيال ميديا» يصعب جداً تحجيمها وإسكات الأصوات الزاعقة عبرها. ثمة إشكال أكبر من ذلك وقع فيه كل من استخدم طريقة التعتيم والتقييد، عبر التحكم في مصادر الرسائل الإعلامية (الخبير والصحيفة) إذ حرم نفسه من مراجعة سياساته واكتشاف أخطائه وتصويبها. الأخطر من ذلك يتجسد حين يتم ابتلاع الغضب والأفكار والآراء بدون قدرة على البوح بها وعرضها على المجال العام، إذ تتحول إلى ذرائع للانتفاض أو دوافع للانسحاب. والحل يكمن في تنظيم الإعلام وإتاحة الفرص لطرح الآراء وتوفير الكوادر السياسية والفنية الفاهمة الأكفاء من جانب الحكومة، لإدارة النقاش حول السياسات وإقناع الناس وليس تخويفهم».

حكومة ووزراء

وإلى الحكومة وسياساتها التي لاقت أمس تأييدا من الدكتور محمد عادل في مقال له في «الوفد»ويكتبه تحت عنوان «م الآخر» قال فيه: «وها هي كريستين لاغارد المديرة العامة لصندوق النقد الدولي ترسل رسالة تهنئة للشعب المصري للنجاح في تحقيق طموحاتهم الاقتصادية، من خلال بيان رسمي من الصندوق بعد قيام الصندوق بالمراجعة الأولى لتسهيلات صندوق النقد المقدمة لمصر، التي تسمح بتقديم ما يقرب من 125 مليار دولار، تمثل الشريحة الثانية من قرض الصندوق لمصر. وقالت لاغارد إن موافقة المجلس التنفيذي للصندوق على هذه المراجعة لبرنامج الإقراض يؤكد دعم الصندوق القوي لجهود مصر. مؤكدة أن الحكومة والبنك المركزي اتخذا الإجراءات المناسبة لكبح جماح التضخم وخفض عجز الموازنة، ووضع الاقتصاد المصري على طريق الاستقرار والنمو، معبرة عن سعادتها البالغة بالإجراءات التي اتخذتها الحكومة المصرية لحماية الفقراء والفئات الضعيفة، بزيادة المصروفات الاجتماعية، رغم الظروف التي نعيشها والارتفاع الجنوني في الأسعار الذي لا يجد أي رد فعل رقابي حقيقي من الحكومة، فنحن متفائلون بالاقتصاد، ويجب أن ننظر للأمام دائماً، فالتشاؤم ليس من الإسلام ويجب أن نحسن الظن بالله حتى نرى المستقبل أفضل».

المسؤولون يفعلون العكس

ولم يكد عادل ينتهي من مقاله حتى صرخ فيه رئيس التحرير التنفيذي لـ«الوفد» وجدي زين الدين بقوله في عموده «حكاوي» عن رسالة تلقاها من زوج وزوجته: «تقول الرسالة إن دخلهما المتواضع باعتبارهما موظفين أعادا عمليات ترتيب الإنفاق، من خلال الاستغناء عن بعض السلع، والاكتفاء فقط بالضروريات، ما يعني أن هذه الأسرة التزمت الترشيد في الإنفاق، لكن ما يحزنهما أن يجدا إسرافاً وتبذيراً من جانب الحكومة، وعددا الكثير من هذه المظاهر وهذا يدعونا إلى تسليط الضوء على تصرفات المسؤولين، الذين من المفترض فيهم أن يكونوا قدوة لباقى الشعب، فالحكومة التي تطالب الناس بشد الحزام على البطون وترشيد الإنفاق لا بد هي الأخرى أن تكون مثلاً يحتذى. يحزن الناس ويؤلمهم أن القرارات الصعبة والفاتورة يتحملها البسطاء فقط وعامة المواطنين، بعيداً عن الحكومة. والحقيقة المرة أن الحكومة وجهازها الإداري لا يعرف سياسة الترشيد، ولا يحمل القرارات الصعبة، فإذا كانت الحكومة تتصرف بهذا الشكل المستفز فماذا يفعل المواطنون إذن؟ وكيف تطالبهم الحكومة بأمور والمسؤولون يفعلون العكس؟ هذه الازدواجية في التعامل عواقبها شديدة ونتائجها وخيمة ومؤلمة. أمام هذه السياسة المتناقضة يصاب المواطن بالإحباط والقرف».

شواطئ مارينا

ومن عيشة القرف إلى حياة الفرفشة والمتعة التي قال عنها في العدد نفسه من «الوفد» محمد أمين في عموده «على فين» عن ليالي الأنس في مارينا في الساحل الشمالي: «وعلى شواطئ مارينا رقصت دينا وصافيناز حتى طلوع الشمس، وتم تصوير الحفلات ونقلها على مواقع التواصل الاجتماعي وشعر الناس أن مصر «شعبان» واحد هايص لا يشعر بأي شيء وآخر لايص لا يعرف تدبير أي شيء، وهذه المرة ذهبت بوسي تغني على الشاطئ نفسه، لكنهم انتبهوا ولم يسمحوا بالتصوير، فقد كان مخصصاً للحريم فقط لزوم «الخصوصية» والرقص والفرفشة وخلافه! ويقال إن الفنانين والفنانات يشعلون ليالي مارينا بالأغاني والرقص، ولم يكن سخط الجمهور بسبب الرقص، ولكنه كان بسبب البدل العارية، فمن المؤكد أنها ليست من الأوكازيون الذي يهتم به جمهور الأوكازيون. الانتقادات أيضاً ليست من استمتاع البعض بالشواطئ لكن من حالة السفه والبذخ في ظل ظروف صعبة تمر بها البلاد، وهؤلاء في الغالب من أثرياء العصر وتسقيع الأراضي والنهب المنظم. للأسف في مصر «شعبان» واحد مطحون تحت خط الفقر يأكل أرجل الفراخ أو من صناديق الزبالة وواحد لا يدري بأي شيء.

الدواء المر

وفي الصفحة الأخيرة من جريدة «البوابة» قال محمود حامد مخاطبا الحكومة: «الوصفة الخاطئة تؤدي إلى الدمار والموت، والعياذ بالله، من قال لكم أن دواء الصندوق صحيح؟ «خلي بالك من نفسك أنت محاصر من كل جانب»، تصريحات وردية تزيف لك الواقع وتبشرك بوهم آتِ بعد سنوات، وأسعار فلكية تقضي بين غمضة عين وانتباهتها على «شوية» اللحاليح اللي تسلمتها أول الشهر، ليطيروا في اليوم الخامس منه، وإعلاميون ينافقون ويزينون الباطل وموجة حر لا مثيل لها تجعلك في حالة غليان يفوق غليان السوق، الذي يكاد يصل إلى حد الانفجار. تعلمنا منذ الصغر أن «واحد» زائد واحد يساوى «اثنين» لكن رئيس الوزراء ووزراءه وبعض الوجوه الإعلامية على شاشات الفضائيات وعلى صفحات الصحف يصرون على غير ذلك، ولا تدري من أين جاءت لهم الجرأة، ليعلن كثيرٌ منهم أن قرارات رفع الأسعار لصالح المواطن الفقير، ولأول مرة نسمع تفسيرات «مقلوبة» لأمور واضحة وضوح الشمس في عز الظهر. الناس لم تعد تحتمل هذه الضغوط غير المسبوقة، ولم تعد تطيق تحميل أعباء سد عجز الموازنة لجيوب الفقراء ومحدودي الدخل ومهدودي الحيل، حتى إنك تستطيع أن تقول بوضوح إن السياسة الاقتصادية تقوم على أن الفقراء يدعمون الأغنياء ويسددون الفاتورة كاملةً. ويتعمد مسؤولونا وبعض الإعلاميين رمي الكرة في ملعب التجار وسائقي الميكروباص. ونسمع عن «إرشادات» للمواطنين عما يجب فعله في مواجهة رفع تعريفة الميكروباص وغلاء السلع في الأسواق، لكننا لم نسمع أحدًا منهم يرشدنا عما يجب فعله لوقف سيل قرارات رفع الأسعار وتقليص الدعم، التي تتوالى على دماغ الناس بلا أي إحساس من أي مسؤول مهما تزينت كلماته التي تقترت من وضع السم في العسل، وكانت سببًا في موجة جديدة من الغلاء، قضت على الزيادات الأخيرة في المرتبات والمعاشات. نعم الدواء مر وفيه الشفاء عندما يكون موصوفًا بدقة وتكون عينا الطبيب فعلًا على الإنسان المصري البسيط اللي ظروفه صعبة» .

قرارات صعبة

وفي «المصري اليوم» حذر عبد الناصر سلامة في عموده «سلامات» الحكومة من اتخاذ ما تراه من قرارات صعبة اعتمادا على أن الشعب لن يثور وقال: «الصندوق يراقب حركة الناس في الشوارع والميادين، والحكومات تراقب أداء وسائل الإعلام التي تعمل من خلال سلطتها وقبضتها، الشارع هادئ ومستكين ووسائل الإعلام لا تعترض، بل الأكثر من ذلك أنها تُروج لتلك الأعباء والضغوط الواقعة على المواطن، على اعتبار أنها تصب في مصلحته بالدرجة الأولى. كيف يقضي الناس يومهم؟ ليس ذلك هو الموضوع، ما هو وقع تلك القرارات على الأسرة والفرد؟ ليس ذلك هو الموضوع، ما هو أثر ذلك على السلوك المجتمعي بصفة عامة؟ ليس ذلك هو الموضوع. ما هي التغيرات السيكولوجية ومعدلات الجريمة التي شهدها المجتمع جرّاء ذلك؟ ليست أيضاً من بين عوامل التقييم والتقويم، ما شهده المجتمع المصري في الآونة الأخيرة من إنفاق على مشروعات ما كان هذا أوانها بالتزامن مع تلك الإجراءات الاقتصادية القاسية، كان كفيلاً بردة فعل شعبية قاسية أيضاً، إلا أن ما لا يدركه البعض أيضاً هو أنها جاءت في أعقاب معاناة شعبية طويلة مع العنف والعنف المضاد، ومظاهرات الشوارع والانفلات الأمني والتخريب المتعمد للخدمات والمرافق، وهو أمر نأبى جميعاً العودة إليه، في أي شكل من الأشكال، إلا أنه في الوقت نفسه ما كان يجب أبداً استغلال مثل هذه الظروف لتكبيل المواطن بمزيد من الأزمات، خاصةً أن ما أفرزته هذه الإجراءات الاقتصادية من سلبيات على المدى البعيد سوف يصعب علاجها، مقارنةً بما أفرزته سلبيات العنف التي كان علاجها أسهل وأبسط بكثير، وهو ما لا تدركه الحكومة إلا أننا نثق في إدراك الصندوق لهذا الشأن تحديداً».

انتشار الإهمال والتسيب و«الفهلوة» في مواقع العمل الإنتاجي والخدمي وقيادة تفكر بعقلية مكتبية

حسنين كروم

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left