وحدكم يا وحدنا

الياس خوري

Jul 18, 2017

الحملة الإعلامية على السوريين في لبنان، تأتي في ظل الدم المراق في أقبية التحقيق اللبنانية. واللافت أن القوى السياسية اللبنانية المهيمنة تعيش حالة من الغيبوبة التوافقية، التي تجعل من أي نقد خيانة، بل تصل الأمور إلى مصادرة عينات من جثث الضحايا السوريين كي لا يجري تشريحها في مستشفى اوتيل ديو، تنفيذا لقرار قضائي!
أين نحن ومن نحن؟
هل صحيح أن معتقلي مخيمات اللجوء في عرسال، كانوا يستمعون إلى نسخة مطابقة للكلام الذي سمعه مئات آلاف المعتقلين في سوريا؟ هل صارت «بدكم حرية» تهمة في لبنان مثلما هي تهمة في سوريا؟
المنطق يقول إن علينا انتظار نتائج التحقيق، لكن عن أي تحقيق نتكلم وسط هستيريا الكراهية والقمع، وفي ظل هذا الخراب الوحشي؟
واللافت أن الحملة يشترك فيها طرفان:
طرف لبنانوي، يجد في الضحية السورية متنفسا لكبته السياسي، فبقايا جنون العظمة التي تتحكم بأداء رئيس التيار الوطني الحر السيد جبران باسيل، يرفدها تصريح لرئيس حزب القوات اللبنانية السيد سمير جعجع مهددا الأمم المتحدة بشحن مليون ونصف مليون لاجئ سوري بالبواخر إلى مقرها في نيويورك! هذا الطرف الذي يمثل بقايا المارونية السياسية بكراهيتها للعرب والسوريين والفلسطينيين بشكل خاص، يعبر عن عجزه عن التعامل مع الواقع السياسي اللبناني الذي يهيمن عليه حزب الله، عبر اللجوء إلى لغة العنتريات الفارغة والحرص على الجيش اللبناني، علها تسمح له باستعادة شيء من النفوذ في واقع المحاصصة التي حلبت البقرة اللبنانية حتى القطرة الأخيرة.
وطرف عقائدي ايديولوجي لا يعترف بالحدود الوطنية أصلا، يرسل جيشه إلى سوريا كي يهجّر أهل القصير والقلمون إلى عرسال، ويساهم في حرب التطهير الطائفي التي يقودها قاسم سليماني في العراق، ويلعب في كل مكان متاح، كأن لبنان دولة عظمى، تمتلك القدرة على إرسال جحافلها إلى خارج الحدود!
ما العلاقة بين الكيانين المغلقين على ذاتياتهم اللبنانية، والعقائديين الذين لا يعني لهم لبنان شيئا، وكيف تم إنتاج هذا التحالف الغريب على دماء السوريات والسوريين وآلامهم؟
لا تقولوا لنا إنها المعركة ضد الإرهاب. لم يذهب الجنرال عون إلى ضريح مار مارون في براد، في محافظة حلب عام 2008، خوفا من الإرهاب، يومها لم يكن هناك إرهاب ولا من يرهبون، بل كان هناك مشروع تحالف الأقليات ضد الأكثرية، وهي نغمة ما كان لها أن تستشري ثم تتوحش في حربها ضد الشعب السوري إلا من ضمن هذا السياق الجنوني الذي اسمه الحرب على الإرهاب عبر تسليم الموصل إلى تنظيم «الدولة» (داعش) وتشجيع القاعدة والإسلاميين التكفيريين في سوريا تمهيدا لتدمير البلاد وطرد الشعب إلى خارج الحدود وإذلاله.
أنظمة الاستبداد «تتدعوش» الآن بممارساتها الوحشية، مثلما سبق لـ «داعش» أن استبدت فصارت الوجه الآخر النظام الاستبدادي وصيغته النيئة.
وقبل أن يعطونا دروسا عن ضرورة عدم توجيه النقد إلى الجيش لأنه خط أحمر، عليهم أن يحددوا لنا هل المقصود بهذا الكلام الجيش النظامي اللبناني الذي يتبع سياسة لبنانية معلنة هي النأي بالنفس عن الأزمة السورية، أم المقصود جيش لبناني آخر يقاتل في سوريا ويحتل أراضي فيها؟ ونسأل أين يتعايش جيشان، أحدهما للداخل والآخر للداخل والخارج؟ وما هي قواعد هذه اللعبة الجهنمية الفالتة من أي نصاب سياسي، لأن هم الطبقة السياسية ينحصر في النهب والبلع؟
لم تعد هذه الأسئلة مجدية في هذه البلاد التي انحصر طموح أبنائها في هدفين: السترة والهجرة لمن استطاع إليها سبيلا.
هكذا ضمنت الطائفيات العنصرية اللبنانية موقعها في خريطة الخراب والدم، وصار اللاجئ السوري، الذي طردته وحشية النظام والميليشيات من وطنه، عرضة للإذلال اليومي والقمع والتخويف.
ونسى هؤلاء أن العمال السوريين، قبل موجة اللجوء، هم من عمر الباطون اللبناني بتعبهم وعرقهم، وأن الزراعة اللبنانية قائمة على العمال الزراعيين الموسميين السوريين، كما يتناسون أن لبنانهم كان جزءا من سوريا بمدنه الساحلية وأقضيته الأربعة، وأن لعبة العنصرية الحمقاء ضد اللاجئ الفقير والمشرد والمطرود من بلاده لا تدل سوى على الدناءة والضِعة والاستقواء على الضعفاء.
لن نقول لهم استفيقوا من هذه الغيبوبة، فمسألة اللاجئين السوريين ما كان لها أن تتخذ هذا المنحى الوحشي لو جرى التعامل معها بعقلانية مؤسسات حكومية تتصرف كمؤسسات مسؤولة عن أرضها وشعبها واللاجئين اليها.
فهم لن يستفيقوا.
لا أحد في هذا العالم العربي يريد أن يستفيق، بل لا أحد في هذا العالم معني بأكبر مأساة في القرن الجديد الذي أطل علينا مغمسا بدماء العرب.
لا أحد، فالسوريات والسوريون اليوم هم ضمير عالم فقد ضميره، إنهم عار الجميع، كيف يجري كل هذا ولا يحرك أحد ساكنا إلا حين يعتقد أنه يستطيع الاستيلاء على جزء من أشلاء الأرض السورية؟
صارت سوريا بلا سوريين، هذا هو الحلم الحقيقي لآل الاسد ومن لف لفهم من القوى الطائفية في المنطقة، وصارت حرية الشعب السوري مكسر عصا ودرسا في الموت لشعوب العالم بفضل عرب البنزين الذين أغرقوا سوريا بالايديولوجية الأصولية المغطاة بمال الكاز والغاز.
إنهم يقتلون سوريا أمام أعيننا التي لم تعد تستطيع أن ترى.
هل تذكر أيها القارئ ذلك الإنسان السوري الذي صرخ مرة «أنا انسان مش حيوان»، يريدون لهذا الإنسان أن يتجرد من إنسانيته ويرتضي بأن يكون حيوانا. وحين فر اللاجئون إلى البلاد المجاورة: لبنان وتركيا والأردن، اكتشفوا أن بلاد اللجوء هذه تريدهم حيوانات، وأن لا خيار لهم، سوى التمسك بانسانيتهم.
يا وحدكم.
أيها السوريات والسوريون أنتم وحدكم، وحدكم أي وحدكم، لا تصدقوا أحدا. وحدكم في العزلة ووحدكم في الألم. وحدكم تدفعون ثمن انهيار العرب وموت أرواحهم وذلهم أمام القوى الكبرى وانحناء أنظمتهم لإسرائيل.
وحدكم يا وحدكم.
وحدكم يا وحدنا.

وحدكم يا وحدنا

الياس خوري

- -

13 تعليقات

  1. ويبقى شعار الثورة السورية خالداً للأبد : يا الله ما لنا غيرك يا الله
    والعار كل العار لكل لئيم تمرد على السوري الذي أكرمه وآواه في بيته خلال حرب تموز 2006
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. مثلما كان الفلسطينيين لوحدهم طيلة 60 عاما السوريين لوحدهم الآن وسيبقون لوحدهم 60 عاما أخرى مادام العفن العنصري القبلي موجود داخلنا

  3. ان ما جاء في مقال استاذنا الكبير الياس خوري لهو صرخة ألم تعبر عن صرخات السوريين جميعا الذين يكملون عامه السابع في في العزلة والقتل والتشريد والتجويع والتركيع والتعذيب واحراق الجثث في افران الموت الاسدي، ايها اللبنانيون الذين يهاجمون ويهجمون على اللاجئين السوريين نسيتم ان لبنان كان قضاء سوريا، وعميتم عن حقيقة ان جزءا منكم ممثلا بحزب يقوم بقتل السوريين في عقر دارهم ويحتل اراضيهم ارضاء لولاية الفقيه، ونسيتم انفسكم عندما كنتم لاجئين في سورية ابان حربكم الطائفية التي دامت خمس عشرة سنة، ان الحرب الدائرة اليوم بين من يقتل السوريين ويقول: بدكن حرية ” واعوانهم من القتلة من خارج الحدود وثوار الحرية والكرامة هي ثورة على الظلم والطائفية والديكتاتورية والمحسوبية والفساد واستعباد الناس قكان من الاولى بكم ان تدعموا هذه الثورة بالمال والسلاح، واذا لم تستطيعوا فبالكلمة، واذا لم تستطيعوا فبالصمت وذلك اضعف الايمان

    • الى سوري
      صحيح سوريا استقبلت اللبنانيين بحفاوة ولكن هؤلاء كانوا أثرياء ولم يشكلوا اي عبء على الاقتصاد السوري. كما انالعمال اللذين عمروا لبنان كانوا يتقادون أجورا لا يحلموا بها في سوريا ولا تنسى ما قاساه الناس في لبنان في زمن الاحتلال السوري ونسيت ان ألوف من اللبنانيين قتلوا في سجون سوريا او طرقات لبنان مثل كمال جنبلاط ورفيق الحريري وغيرهم

  4. ولهذا يا أخي الياس أنا دائما أقول لنا الله ومالنا غيرك الله ليس لأني مؤمناً إلى هذا الحد المغرق أو ربما الصوفي لكن لأني أدرك أن لا أحد على وجه الأرض يقف إلى جانبنا باستثناء “الأوادم” على حد تعبير الكاتبة السورية غادة السمان يا وحدنا أيها الأوادم و لنا الله ومالنا غيرك الله.

  5. عذراً نسيت أن أذكر أن الأصل هو نداء للشعب والثورة السورية “ياالله مالنا غيرك الله”.

  6. Shukran ustad Elias
    الرب يباركك يا استاذ الياس ويبارك قلمك يا كبير.
    Saleh Oweini
    Sweden

  7. الى السيد الياس
    هذا الكلام صحيح ولكنه ناقص لم تذكر ما قاساه الناس في لبنان في زمن الاحتلال السوري الاخوي (بالرغم ان وجودهم كان قانونيا) ونسيت ان ألوف من اللبنانيين قتلوا في سجون سوريا او طرقات لبنان مثل كمال جنبلاط ورفيق الحريري وغيرهم
    المهم بالموضوع ان العرب ما زالوا في العصر القبلي يتقاتلون فيما بينهم الولاء. للزعيم او للشيخ الكبير او للثري او للمذهب لا وجود للمواطن ولا ولاء الا للزعيم ولا يعرفون المساءلة. لان المساءلة عيب

    • سيد سنتيك من اليونان;انا متابع ومعجب بتعليقاتك .و امّا بخصوص اليوم كتبت وقلت الاحتلال السوري و هذا غيرصحيح. فالدخول السوري الى لبنان جاء بناء على طلب رسمي من رئيس الجمهورية اللبنانية سليمان فرنجية عام ١٩٧٦ ولم يكن غزوا للاراضي اللبنانية بالقوة.وقد تعززت شرعية هذا الوجود مع قرار جامعة الدول العربية انشاء قوات الردع العربية والتي كانت القوات السورية المشارك الاكبر فيها.

      • الى الاخ احمد
        Ok (الوجود السوري ) وقد ذكرت ذالك في التعليق

  8. وكأني بك أيها الكاتب الملتزم بقضية العرب والانسان الحر النبيل تقول : ياويحي من وحدي وياويلي من وحدتي وسط عتمة هذا الكل-الكم السلبي السطاتيكي من العرب المتفرقعين ٬٬ حبات عقد تنفلت من خيطها وتتدحرج٬ كل واحدة٫ في اتجاه غير محدد لكنه مخطط لها سلفا بفعل آياد خفية وإرادات ماكرة٬
    اسمح لي أيها الحكيم الحزين بهذه التنويعات الآرابيسكية سيرا على إيقاع وحدة ماسينا :
    وحدكم ياوحدكم٫ آيها الجزء المفصول عن الكل٫ في جغرافية خرائط السلطة والسياسة اللعينة٫ سياسة الدم والجريمة والطائفية والنفط٬ سياسة الغباء والتبذير والاسراف والتعامل الأعمى مع “جزية التسلح”٬ سياسة التغول الآمني وتقويض آركان البيت الداخلي٬ سياسة الانتحار والارتماء في شدق السراب٬
    وحدكم ياوحدكم٫ يامن ذُبِح وسُحِل وفُتِقت بطنُه ثمنا مجانيا فقط لصيانة بريق الكراسي وعظمة العروش وتخمة الدولار والطلعة البهية واللغة المرصعة الرسمية٬
    وحدكم ياوحدكم٫ همشوكم وآقصوكم ومنعوكم وحللوا فيكم كل ما يربطكم بنا وبهم أي دمكم فآصبحتم حراما في الوجود بين الانسانية٫ وقد وهبكم الله الحياة داخل الأسرة البشرية٬
    ألأن لون دمكم من النفط ؟ أم العكس ؟ أم حلت به لعنة الانتماء القدري المزدوج بالسلب والايجاب جوابا على سؤال اللون الذهبي الأسود ؟
    وحدكم ياوحدنا إذ٫ ونحن معا شيء واحد٫ رمينا بآنفسنا في التيه والمتاهات٫ وقتلنا آنفسنا إذ سمحنا لآنفسنا بقتلكم بصمتنا وتواطؤ ساستنا العرب مع ابار البترول وقادة الأعداء ونجمة الاحتلال ٬
    نحن٫ ياوحدكم ياوحدنا٫ هؤلاء الذين من أجلهم وضدهم ما فتأ الأخ الأكبر ” البيك برادر ” يبني القلاع والاسوار والسجون ٬بل وملاجئ المجانين والاشباح البرتقالية ٬
    نحن٫ ياوحدكم ياوحدنا٫ هذا العربي الجيد أي العربي الميت { أنظر حكاية العربي الأخير لواسيني الأعرج } ماديا ومعنويا في حسابات مَن ” قلوبهم معنا و قنابلهم علينا” { أنظر الرواية الأخيرة لأحلام مستغانمي }٬
    شكري ومودتي لهذا القلم الذي مداده الألم والقلق آي استقلالية الصدق في الكتابة وشموخ الكلمة المسؤولة الصادعة بما يأمرها به وعي المثقف العربي المنتفض في وجوه العتمة والمتاهات والضياع وجغرافية الدم والتشرد والتفتيت٬
    ياوحدكم ياهابيل٫ وياوحدنا ياقابيل ٬٬ قابيل الذي أصبح هابيلا عندما قتل أخاه طمعا في التقرب من صنم السلطة والبترول والدولار٬
    والصنم البليد الآصم لا يسمع ولا يشبع ولا يرحم ٬٬

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left