عشرون لونا للحنين

Jul 22, 2017

ليون – حلا رجب: هناك نوع غريب من «النوستالجيا» يصيبك في بلدان اللجوء، حنين إلى الشوارع، القهوة الصباحية، الأصدقاء، المقاهي، القذائف، المجانين والمتسولين على أرصفة البلاد، تتابع الأخبار من خلف الشاشة باهتمام وحزن كبيرين وكأنك لم تعتد على الموت بعد، كأنه لم يوخز قلبك.
كفيلم من إنتاج الأربعينيات، تمر الأخبار، بطيئة، يصيبها الجفاف، بيضاء سوداء، ذباب في جنوب إفريقيا يتحلّقُ حول أطفال سيموتون بعد قليل، رجال يتحلقون حول ركام، نسمع صراخاً بعيداً من تحت الركام «أنا حي» وتبدأ الأيدي برفع الحجارة المتراكمة قبل أن يختنق الصوت ويرحل بعيداً، أصدقاء أقعدتهم الحرب دون أطراف يشربون البيرة في كواليس الكاميرا، ويختنقون بالصوت أمامها، جدتي في آخر بيت ريفي في الجبال تقفل باب بيتها مرتين، عقوبات بشأن اللباس الشرعي أو ما عداه، اعتقال معارض سياسي في دمشق ولجان حقوق إنسان قلقة على مصيره، ناشطون ينددون عبر مواقع التواصل الاجتماعي حول اعتقاله وحول حصار حي الوعر في حمص.
على كرسي خشبي قرب النافذة الوحيدة، يحيط بي الهدوء وأنا أراقب المشهد الخارجي «خمسة شبابيك، اثنان إلى اليسار، ثلاثة إلى اليمين، لا تتسرب الأخبار من شقوقها الصغيرة، يتوارد الضوء منها شفيفاً في اتجاه العتمة، ضحكات طويلة في سهرة البارحة لدى جارتنا، احتفال بعرض باليه راقص في دار الأوبرا قدمته ابنة جارنا مع مجموعة من أصدقائها في النادي، حتى أن أمسية سورية تقام على بعد مترات من هنا مع عازفين ووجبات ساخنة، أزواج أرستقراطيون يتمشون بروية فوق الأرصفة في صلاة الأحد، أجراس كنيسة، احتفالات اليورو.
أتذكر «اسطنبول رحلتي التي امتدت ساعتين أمام مطار صبيحة بحثاً عن أحد يتكلم الانكليزية أو العربية دون جدوى، التقيت بشاب من ادلب كان جالساً يدخن بحنق، سألته عن أوتيل رخيص قريب من هنا، نظر إلي وقال: وصلت للتو، جواز سفري ضائع، وأنا محتجز في المطار، لا أعرف شيئاً».
لم تبد اسطنبول منذ البداية وجهاً مضيافاً لي على الأقل وربما كان هذا حال الكثير من السوريين، ممن يصبح السفر بالنسبة لهم مشكلة عنوانها «جواز السفر» حامل الجنسية السورية، كفيروس يجب عزله.
كانت المدينة هي الخيار الأمثل، ختم المنع من قبل الأمن العام اللبناني مازال يلمع فوق الصفحة النظيفة جداً، أسود غامقاً، منع سنة من دخول الأراضي اللبنانية، والسبب تجاوز المدة المسموحة للبقاء بأسبوع.
عندما هبطت الطائرة هناك شعرت ببرد شديد وأنا أنزل الدرجات باتجاه الحافلة المركونة بانتظار الراكبين في الساحة الخلفية، كان الجو ضبابياً ولم تكن لترى شيئاً مما يحيط بك، أصوات وأصوات فقط، أشعل السائق المحرك وعلا صوته تدريجيا ثم أقلع مجتازاً الساحة باتجاه مدخل المطار.
كنت أفكر بطريقة ما لحل هذه المشكلة، معظم أحلامي وتطلعاتي كانت ترمي إلى سرير صغير في أي مكان أنام فيه بعد هذه الرحلة الخائبة، كان يمشي باتجاهي الرجل الذي ينظم الدور لسيارات الأجرة ومعه شاب صغير السن: هذا الشاب يتكلم العربية والتركية، نظر إلي وابتسم قائلاً: مساء الخير. عفاريت من السعادة التبست وجهي: سوري، أجابني: نعم من حلب.
عندما تقفز قفزتك الكبيرة مجتازاً حدود بلدك إلى البلدان الأوروبية، أثناء القفزة تعتريك مشاعر الفرح الجارف، لقد نجحت في هذا «أنا الآن حي»، ثم تنتبه بعد فترة أنك ربما «لم تكن حياً»، كيف جئت إلى هنا، لم تعد لي لغة ولا هوية، كيف أبدأ ومن أين ؟! ليس لي أصدقاء ولا وجوه تباغتني بالألفة، أفقد الألفة من كل شيء.. ثم نتساءل : ماذا لو بقينا هناك ! ماذا لو لم نغادر !
رغم كل الأحاديث التي يخبرك بها الباقون، عن صعوبة العيش وخطورته، ورغم كل ما تراه في الأخبار، ورغم كل ما تعرفه عن أن الأخبار لا تنقل كل شيء، ورغم أنك عضضت على أسنانك بقوة ككلب غاضب حتى تجيء إلى هنا، يعيدك الحنين إلى النسيان، تلك النعمة المخبولة الحمقاء.
تمطر السماء فجأة فوق النهر، حبات مطر خفيفة وجثة من النايلون تسقط من فوق الجسر باتجاه القاع اثر رياح تهب فجأة في المكان، سأعود الآن إلى البيت، لن أفكر بالطريق الذي سأقضيه تحت الأرض في احدى محطات المترو.
القطط تغادر الحاويات بحثاً عن علب غير مكشوفة للرصاص والانفجارات، وبائع الفطائر على الزاوية يضع العجين ببطء فوق الصاج الحامي! وحده يُقاوم المنعكسات اللاإرادية لصوت الانفجار، وأنا أيضاً.
عشرون حاجزاً قبل الحدود السورية- اللبنانية، عشرون قلقاً من الشبابيك المفتوحة بجانبنا، عشرون ألماً ونخرج من قوقعة الصدأ، عشرون دمعة وستغلق على قلبك ستارة المسرحية منحنياً لجمهورك، و تبدأ بحياكة كنزة صوفية تليق بالبرد الأوروبي.
كل المدن والقرى على الطريق تمر بي بعد أن مررت بها، لم يبتسم لي أحد سوى سائق التكسي، أزاح مرآته إلى اليمين قليلاً ثم إلى أسفل مراقباً ما يبدو من ساقي من تحت التنورة، مبتسماً، أيضاً مبتسماً حين استلم مئتي دولار، لم أبتسم لأحد.

عشرون لونا للحنين

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left