الفنانون وحراك الريف المغربي

Jul 22, 2017

وجدة – «القدس العربي» – من سفيان البالي: في حركة أثارت عديد من ردود الفعل، قامت مجموعة من الفنانين المغاربة مطلع الأسبوع الماضي بزيارة مدينة الحسيمة، تلبية لمبادرة نظمها ومولها المكتب الوطني للسياحة، بدعوى «إنقاذ الموسم السياحي» في المدينة المتوسطية التي تعيش على صفيح ساخن بعد اندلاع احتجاجات شعبية ذات مطالب تنموية اجتماعية واقتصادية قبل ثمانية أشهر.
المثير في الأمر هو التوقيت الذي جاءت فيه هذه الزيارة بعد التطورات الخطيرة التي تعرفها قضية الحركة الاحتجاجية التي باتت تعرف باسم الحراك الشعبي. فبعد يوم العيد الأسود، و حملة الاعتقالات في صفوف المحتجين، التي استهدفت خيرة الشباب الفاعل في منطقة الريف، تأتي هذه الزيارة المبطنة بإرادة أمنية سياسية لامتصاص الغضب الشعبي وتقديم صورة إعلامية مفادها أن الأمور على الأرض مستقرة والهدوء عاد إلى المدينة.
الجماهير الريفية، قابلت هذه الزيارة العبثية بالسخط والاستياء الشديدين، واعتبرتها دليلا على تعنت الدولة وتشبثها بالمقاربة الأمنية في إدارة الأزمة القائمة في هذه المنطقة من شمال البلد .
وبينما تنعم مجموعة من الفنانين بجولات سياحية فاخرة بين شطآن الحسيمة ومواقعها السياحية ممولة بأموال دافعي الضرائب من عموم الشعب، مرت قرابة شهر ونصف على اعتقال «سيليا» الصوت الغنائي الصادح من بين جبال الريف الشامخة.
وسيليا، أو سليمة الزياني، لمن لا يعرفها هي فنانة شابة ريفية لم تتعد 23 ربيعا، عشقت الحرية عشقها لأرضها وفنها، وهويتها الأمازيغية التي جعلت منها مبحثا أكاديمية أجيزت من خلاله في جامعة محمد الأول بوجدة شعبة دراسات أمازيغية.
انخرطت سيليا منذ أول يوم من اندلاع الحراك الشعبي في صفوف الجماهير المحتجة بفنها وتواجدها في كل المظاهرات وكافة الأشكال النضالية بجانب رفاقها. لم يعز صوتها الشجي الطالع من شجن عريق متوارث دما وذاكرة هي ذاكرة الريف التي لم تنسى إلى اليوم ما تعرضت له شعوب المنطقة على مر تاريخها. تارة تنشد الحرية بوسع المدى بين الجبل والبحر والتاريخ، وبين أشبال أسد الريف سيدي محند بن عبد الكريم الخطابي، وتارة أخرى تنعي دماء الشهداء التي راحت فداء للعيش الكريم بهذه الرقعة من الوطن، وعلى رأسهم شهيد لقمة العيش محسن فكري .
هكذا كانت سيليا الفنانة والإنسانة المحبة للحياة والحرية والفن، كما صرح أحد أفراد فرقتها الموسيقية لـ»القدس العربي»، ليضيف أن «سيليا هي بنت الشعب التي كرست فنها لشعب، لهمومه ومطامحه في هذا الوطن الذي نعيش فيه وله».
اختلفت مواقف المجتمع الفني في المغرب حول الأحداث التي يعرفها الريف، فبينما اختار البعض الصمت، والبعض الآخر المشاركة في مبادرات الدولة لاحتواء الوضع، انخرطت مجموعة أخرى في التنديد بما آلت اليه الأمور، ودعم المطالب الشعبية البسيطة والضرورية.
طارق فاريح المغني الشاب المعروف في الوسط المغربي، ابدى تفهمه لصمت بعض الوجوه الفنية والتزامهم الحياد، أو حتى مشاركاتهم في مبادرات كتلك التي عرفتها الحسيمة مؤخرا.
وأرجع ذلك، خلال لقاء مع «القدس العربي» إلى «غياب صناعة فنية مهيكلة في المغرب ما يجعل الدولة هي المتدخل الوحيد والمتحكم في المجال والداعم لفنانين ما يحول دون استقلالية الفن والفنانين،».
وأضاف: «صحيح أن دور الفنان ترفيهي لكن له دورا آخر، والمهم أن يكون ناطقا باسم الشعب والجمهور الذي اختاره وأحبه، المعبر عن واقعه ومعيشه اليومي والمتكلم بلسان حاله، كاسرا لأي علاقة نفعية زبونية معه».
ويتابع: «هذا ما يؤطرني شخصياً في مسيرتي الفنية، وهذا ما يحدد مواقفي الداعمة للحراك».
وعن قضية سيليا تحديداً تواترت ردات الفعل، خصوصا بين الشباب في الوسط الفني المغربي. فبعد نشره لصورة تطالب بالإطلاق الفوري لسراح سيليا، عبر رضى علالي مغني فرقة الروك المغربية الشابة «هوبا هوبا سبيريت» لـ «القدس العربي» عن تضامنه التام واللامشروط مع هذه الفنانة، وأكد على «حرية الفن وحرية للتعبير».
مع تعدد وتباين وجهات النظر يبقى أن الحل الوحيد لقطع مع هذه الأزمة وتراكماتها، هو إبراز نية جادة من طرف الدولة لإرساء مصالحة تاريخية والقطع الحقيقي مع التهميش التاريخي الذي عانت منه المنطقة و مناطق اخرى من المغرب، لتفادي اندلاع أزمات كتلك التي تعرفة الحسيمة الآن .
فلا مفر من الاستجابة الفورية لمطالب الحراك وعلى رأسها تحرير كل المعتقلين بدون قيد أو شرط .

الفنانون وحراك الريف المغربي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left