حوّل رواية غسان كنفاني الى مأثرة سينمائية: الموت يغيب توفيق صالح مخرج فيلم ‘المخدوعون’

على مدى 40 عاما من العمل الفني قدم المخرج توفيق صالح الذي ولد في 27- أكتوبر 1926في الإسكندرية حوالي سبعة أفلام روائية طويلة ، كان آخرها فيلم ‘الأيام الطويلة’ الذي انتهى تصويره بين سوريا والعراق في العام 1980 ولم يعرض في مصر حتى الآن .
وكان قد استهل حياته الفنية بإخراج مسرحية توفيق الحكيم ‘رصاصة في القلب’ التي عرضت على مسرح جمعية الصداقة الفرنسية . أما أول أفلامه السينمائية فهو فيلم ‘ درب المهابيل’ 1954 الذي تعاون فيه مع الكاتب الراحل نجيب محفوظ بصفته مؤلفا لقصة الفيلم، وتوقف توفيق صالح عن العمل لمدة سبع سنوات تقريبا، أخرج بعدها فيلم ‘صراع الأبطال’ 1962تلته ثلاثة أفلام، هي: ‘ المتمردون’ عن قصة للصحفي صلاح حافظ، و’ يوميات نائب في الأرياف’ 1968 عن رواية الكاتب توفيق الحكيم المشهورة، وفيلم ‘ السيد البلطي ‘ 1969 عن قصة لصالح مرسي. وعلاوة على هاتيك الأفلام لتوفيق صالح ستة أفلام قصيرة هي: كورنيش النيل 1956 فن العرائس 1957 نهضتنا الصناعية 1959 وفيلم من نحن؟ 1960.. وهو فيلم باللغة الإنجليزية عن اللاجئين الفلسطينيين و فيلم نحو المجهول 1961وفيلم( فجر الحضارة 1977 ( من إنتاج العراق وهو عن الحضارة السومرية القديمة.
أما فيلمه المخدوعون فقد سافر من أجل تصويره إلى سوريا وبعد عرضه الأول في القاهرة 1972رفض السماح باستمرار العرض، وما يزال الرفض حتى بعد مرور أربعين عاما ونيف على عرضه التجريبي ذاك. وعلى الرغم من أن الفيلم عرض في أكثر من مهرجان وفاز بعدد من الجوائز أولاها جائزة مهرجان كان 1972 وجائزة مهرجان قرطاج 1972 وجائزة مهرجان ستراستبورغ لأفلام حقوق الإنسان، 1973، وجائزة المركز الكاثوليكي الدولي ببلجيكيا 1973 وجائزة لينين للسلام في مهرجان موسكو1973.
هذا الفيلم ‘ المخدوعون ‘ يقوم على رواية للكاتب الفلسطيني الكبير غسان كنفاني، عنوانها ‘ رجال في الشمس ‘ صدرت هذه الرواية للمرة الأولى في بيروت سنة 1963 وهي تقوم على حبكة سردية بسيطة يؤدي الأدوار الرئيسة فيها أربعة اشخاص هم مروان وأبو قيس وأبو الخيزران وسعد . فقد حاول هؤلاء الأشخاص الذهاب إلى دولة الكويت إبان عهد الاستعمار دون أن تتوافر لديهم تأشيرات فاتخذوا من صهريج لنقل المياه يقوده سائق(أبو الخيزران) وسيلة نقل تمكنهم من الدخول للكويت دون أن تعيدهم سلطات أمن الحدود وقد اسهمت ظروف لم يتوقعها السائق ولا الشبان الثلاثة في تأخير الصهريج عند نقطة التفتيش ولأن درجة الحرارة داخل الصهريج المغلق مرتفعة ، وبازدياد ارتفاعها نتيجة الانتظار قبل أن يستأنف السائق قيادة الصهريج، توفي الرجال الثلاثة ولاقوا حتفهم ولم يقم أي منهم بقرع جدران الصهريج لإنقاذهم من الموت المحقق داخل الخزان. وهذا هو السؤال الذي انتهت به الرواية عندما تساءل أبو الخيزران بعد أن رمى بجثثهم واستولى على ساعاتهم وعلى ما في جيوبهم من أوراق نقدية قليلة وعلى ما بحوزتهم من ممتلكات قائلا لماذا لم يدقوا جدران الخزان لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟
هذه الحكاية هي المادة التي حولها توفيق صايغ لسيناريو جرى تصويره في مواقع قريبة من فضاء الحدث. وعلى الرغم من أن الفيلم مر على إنجازه أربعون عاما وما زالت الجهات ذات العلاقة ترفض عرضه في مصر ولم يكتب عن هذا الفيلم ولو مقالة واحدة تقريظا أو نقدا. وتقتصر مشاهدته على تجمعات خاصة وعلى سينمائيين مهتمين وعلى أفراد من هذا القبيل أو ذاك، أما شعبيا فإن الفيلم لم يعط فرصته للعرض حتى هذه اللحظة، والأمر لا يقتصر على هذا فقد حظي هذا الفيلم الذي حصل على الجائزة الأولى في مهرجان قرطاج بالظلال، فلم يذكر في مصر مثلا أن الفيلم نال مثل هذه الجائزة أوتلك. قصة هذا الفيلم وحكايته مع الرقابة وتجاذب الممانعين بين العرض والحَجْب كانت مدار حوار مع المخرج توفيق صالح أجراه الدكتور محمد شاهين الناقد المعروف ورئيس تحرير ‘المجلة الثقافية’ التي تصدر عن الجامعة الاردنية. وتوفي المخرج قبل أن يرى حواره منشورا.
فجوابا عن سؤال: ما الذي تعرض له فيلم المخدوعون؟ ولماذا لا يجري عرضه؟ ما هي المشكلة ؟
يجيب المخرج الراحل(توفي يوم 18 الجاري) حتى هذا اليوم، أي ما يقارب الأربعين عاماً، لم يعرض الفيلم في مصر، فهم يرفضونه. أنا لم أقرأ، لأكون صادقاً، أي نقد للفيلم. لم ينقده أحدٌ، كما لم يقبل أحدٌ أن يشاهده إلا في التجمعات الخاصة، في الجامعة، السينمائيين، شي من هذا القبيل، أما شعبيًا فلا. أنا أخذت الجائزة الأولى عن هذا الفيلم في مهرجان قرطاج في تونس مع ذلك لم يذكر هذا في مصر.
‘ ما السبب؟ هل هو ضمني أم معروف؟
‘ السبب أنني مرفوض كسينمائي.
‘ هل هي الغيرة من الموهبة؟
‘ أدبيًا أقول هي الغيرة، لكنّ الحقيقة ليست كذلك. إنما هي رجل خارج الفريق (خارج السرب). يقال: ما هي عيوب توفيق صالح؟ فيقولون: متمسك بأفكاره (شيء بهذا المعنى) وأنَّ افكاري لا تعْجبُ المُنتجين، ولكنّها المِهْنة.
أنا أعتقد أن التاريخ الفني سينصفك، وهذا ليس اعتقادي وحدي، ولكنّه اعتقاد العديد من أصدقائي النقاد والأدباء، ويبدو أن هنالك مواهب كثيرة لا تظفر بحقها من التقدير في الوقت المناسب، وأنّ الناس- فيما بعد- سيدركون أن موهبة كبيرة كانت وراء هذا العمل الفريد ويقدرونها حق التقدير. كيف فكرت في إخراج رواية رجال في الشمس التي ما زال الناس يتحدثون عنها؟
كانت الرواية في السوق فاشتريتها، وقرأتها، وأعجبتني جداً. كان ذلك في الستينات بُعيْد ظهورها بثلاثة أو أربعة أشهر. أعجبتُ بها جداً، ولم أكن أعرف غسان كنفاني حينئذٍ. كنت أعرف أخوه مروان الذي انضم لفريق النادي الأهلي لكرة القدم. ولكني كنت أعرف أحمد بها الدين- الصحفي المعروف- الذي كان يشارك شلتي في الحفلات، وفي السفر، والرحلات. قلت لبهاء إني قرأت القصة، وأريد أن أحولها إلى فيلم. فأجاب إنّ غسان سيحْضر بعد أسبوع، أو نحوهُ، لاجتماع فلسطيني في القاهرة، وعندما يأتي سأعرّفك به. بعد أيام دعاني وزوجتي إلى العشاء في منزله، وكان غسان حاضراً، فانفردت به جانبًا، وأخبرته أني أريد أن أحول قصة (رجال في الشمس) إلى فيلم فوافق، وسألته بعض الأسئلة عن تفاصيل تتصل بموضوع الرواية، وأجابني عنها، وهذا ما كان.
‘ هل تتذكـّـر بعض تلك الأسئلة؟
‘ أجل، أذكر أنني سألته: لماذا لم يدقوا – أي أبطال الرواية- جدران الخزان؟ فأجابني، وقبلت إجابته كرؤية معينة منه، وخلال ثلاثة أيام تمَّ توقيع العقد، وتسلمَ النقود، وكنا سنقوم بتصوير الفيلم. ولكن حدث شيء غريب جداً. تغيرت قيادة مؤسسة السينما، وقالت الإدارة الجديدة: ‘ما لنا ومالفلسطين؟ ‘ قلت لهم: إن الدولة تساعد الفلسطينيين (كان ذلك أيام عبد الناصر) فكيف تقولون ‘ما لنا ومالهم؟’ فكان منطقهم غريبًا. وأجَّلوا العملية سنتين، أو ثلاثة.
‘ ولكن الفيلم ، على الرغم من ذلك ، جرى إنجازه. كيف حدث هذا مع معارضة هيئة السينما الشديدة؟
‘ سافرت في نهاية الستينات إلى سوريا لأني لم أجد عملاً في مصر. وهناك تعرفت إلى سعد الله ونوس الذي أخذني إلى عزبة والده، وجلسنا هناك عدة أيام.. وكتبنا فكرة الفيلم. وكان يجب أن تعرض الفكرة على لجنة لتقرؤها (كان هذا شغل الحكومة) المهم سلمنا الفكرة للمؤسسة في سوريا. فكتب أحدهم تقريراً ولكن ليس عما كتبناه، وإنما عن وجود مُخرج مصري في سوريا، وأننا (أنا وسعد الله) شتمنا النظام السوري، وفي اليوم التالي أقصيَ سعد الله ونوس من عمله، وكان مديرا للهيئة العامة للمسرح، وَطُلِبَ مني المغادرة في غضون 48 ساعة. وطالبوني بالنقود التي كنت قد قبضتها عند توقيع العقد، ولكني لم أكن أملكها فقد دفعتها أجرة للبيت الذي سكنته وأبنائي الذين اصطحبتهم معي. فقالوا لي: قدم رواية جديدة، فقدمت ما يقرب من 12 رواية من الأدب السوري رُفضت جميعها. وكانت تحت عيني ‘ رجال في الشمس ‘ فقلت: أعمل هذه الرواية، وكانوا قد أحضروا شخصا لا يفهم في السينما كتب السيناريو للفيلم، فقالوا لي خذ هذا السيناريو.. ها هو جاهز، فقرأته، وقلت: عيب، أنا لا أعمل هذا. فقالوا اكتبه أنت، فكتبته بسرعة، وتم عمل الفيلم في ظروف، الحقيقة أنّ ربَّنا أعان، على الرغم من أن الظروف لا تشجع على إخراج أيّ فيلم. بعد ذلك منعوا عرضه على أساس أن مستواه الفني لا يرقى إلى مستوى الفيلم السوري بناء على تقارير المخرجين التابعين للمؤسسة. وقد جرت العادة أن يُجمع جلّ المخرجين في البلد، وموظفي المؤسسة كلهم لمشاهدة الفيلم في عرضه الأول. وأنا رأيت تأثير الفيلم على الحاضرين في ذلك العرض، كان مذهلاً، ففرحت. فعندما ترى رجلًا كبيرًا ومحترمًا يبكي في نهاية الفيلم من شدة التأثر، تحمد الله على الكثير الذي حققته. واعتقدت- بسبب ذلك – أن الفيلم سيعرض قريباً ولكن ذلك لم يتم، لا بل تمّ منعه من العرض.
‘ ولكن الفيلم أحرز جوائز عدة إحداها الجائزة الأولى في مهرجان قرطاج السينمائي؟ وجائزة من مهرجان كان؟
‘ كان هناك مهرجان سينمائي اسمه السينما البديلة يشارك فيه أشخاص وتعرض فيه أفلام من مختلف البلاد. ومن ضمن المشاركين صديق لي هو طارق شنيع وهو مؤسس مهرجان قرطاج في تونس، وكان أحضر معه ناقدين فرنسيين أحدهم يدعى مارسيل، وهو الذي ترجم كتاب اللغة السينمائية. طلبوا عرض الفيلم ثانية فعرضته لهم، وخرجوا مندهشين، ذاهلين، وتوجهوا لمدير المؤسسة وأخبروه أنهم لا يستطيعون إرسال الفيلم إلى كانْ لأن تاريخ قبول الأفلام قد انتهى، ولكنهم يستطيعون إرساله من خلال شيء جديد اسمه (15 يوم مخرجين) وكان قد تبقى يومان على الموعد النهائي لتسليم الأفلام. وجلس أحدهم في مكتب المدير معلناً أنه لن يغادر حتى يتم الأمر، وهكذا كان. وكان الوزير قد رفض إرسال الفيلم. وأرسلت في طلبِ تذكرتين واحدة لي والأخرى لمدير المؤسسة، ولأنني لم أكن موظفًا في المؤسسة وإنما متعاقدًا، فقد رفضوا إعطائي التذكرة وأعْطِيَتْ لموظف صديق للمدير، وذهب الاثنان إلى كانْ، وبقيت في سوريا أتلقى الأخبار من أصحابي الذين ذهبوا إليها.
‘ هل حقق المخدوعون ما توقعته من نجاح في مهرجان كان؟
‘ طبعًا، الفيلم أحدث ضجة في ذلك المهرجان، كانت الأفلام تعرض مرتين ولكن فيلمي عرض ثلاث مرات بناء على طلب الجمهور. وعندما عاد المدير من فرنسا أخبرنا أنه عندما دخل قاعة السينما كانت الناس تجلس على الأرض من شدة الازدحام، وأن الفيلم أحدث ضجة وكتبت عنه مقالات. ثم انتقل الفيلم إلى تونس وحصل على الجائزة الأولى، وبعد تونس وصل إلى ستراسبورغ ونال الجائزة الأولى في مهرجان لأفلام حقوق الإنسان، وفي بلجيكا في النظام الكاثوليكي للكنائس (للعالم كله) نال أيضاً الجائزة الأولى، ولم يذكره أحد في مصر.
‘ السؤال هو لماذا منعوا الفيلم؟
‘ أولاً لأنه عن الفلسطينيين، وكما أسلفت قال المدير فتحي إبراهيم (كان يعمل قبل ذلك في Twentieth Century Fox) قال: أيامها ‘مالنا ومالهم’. وعندما غيروا نظام المؤسسة، وأتوا بمديرين جددٍ طلبتُ من المدير الجديد أنْ يبعثوني إلى العراق، كنت أريد أن أستأجر سيارة، وأقطع المسافة من البصرة للحدود لأعرف جغرافية المكان (كم شجرة هناك، هل يوجد جبل…) فقالوا: اكتب السيناريو أولاً، وبعدها نبعثك للعراق. فقلت: كيف اكتب سيناريو وأنا لا أعرف طبيعة الأرض؟ أعرف أنها صحراء، لكنها قطعاً مختلفة عن صحراء مصر. هنا عندما رفضوا سفري نشروا الخبر في الجرائد ولكن كما لو أن مُخرجًا ‘يتدلع′ (والذي هو أنا) يريد أن يرى طبيعة الأرض التي سيصوّر فيلمه فيها. والذين كتبوا هم كتاب معروفون أمثال: صبري موسى (صاحب السادات).
‘ وماذا عن علاقتك بصالح مرسي؟
‘ عندما جاء مرسي تكررت الحكاية، واضح أن مرسي (مش دارس كويس) وأنّه كذاب. أنا سمعته يقول إنه كان يعمل في ناسا، وقلت هذا شخص يُحترم، ناسا مركز علوم فضائية، ومُستقبل. بعدها بعشرة أيام تقريبًا- وفي لقاء آخر – أنكر ذلك قائلاً: أنا لم أقلْ هذا الكلام.
‘ وكيف كانت ردود الفعل بعد إخراجك ‘المخدوعون’؟
‘ عندما أخرجت الفيلم سألني أناس كثيرون: لماذا جعلتهم يدقون جدران على الخزان؟ وفي الرواية لم يفعلوا، وعلى العكس من ذلك يصرخ أبو الخيزران: لمَ لمْ يدقوا الجدران؟؟ وتردد صدى صرخته تلك في الصحراء؟ أجبت بأنني أنا منْ قرّر هذا. فقال لي ناقدُ يحب غسان جدّا: ما هذا الغرور؟! هو لم يقلها هكذا، وإنما بمعناها؟ أي كيف تغير نهاية الرواية هكذا؟ فأجبته: إن غسان أخبرني أنّ الفلسطينيّين وقبل أن يبدأوا المقاومة، أو الكفاح المسلح، كان الفلسطيني ‘ سايب نفسه يموت وسايب الغريب يتحكم فيه ‘ وهو لا يفعل شيئًا. كان هذا كلام غسان لي عندما قابلته أول مرة. وظل هذا الكلام يطن ّفي رأسي. ووجدت وأنا أكتب السيناريو أنه أكثر إنسانية، وأكثر بعدًا عن أيّ سياسة أنْ ‘ يُخَبّطَ ‘ الإنسان قبل أن يموت. سألت الناقد يومئذ، ولم يكن قد مضى على معرفتي به بضعة أيام، ما تفسيرك أنت للموضوع؟ أجاب بأن غسان كان ‘خجلاً ‘ من أن الفلسطيني يترك بلاده بحثًا عن عمل. تفسيرهُ هذا كان صدمة لي، فلو كنت أعرف هذا المغزى ‘ وأنه كان خجلاً ‘ والتزمت بهذا التفسير في الفيلم، لتغير كل شيء فيه، وأصبح ‘ المخدوعون ‘ كأيّ فلم من الأفلام المصرية في الثلاثينات. وهو ناقد كبير، وأقنعتُ نفسي أنه يمزحُ، ولا يمكنُ أنْ يكون جادًا.
‘ عندما تقرأ رواية هل ثمة شيء معين يحركك حتى تحولها إلى فيلم؟
‘ عيب أن أنتقد مؤلفاً، ولكني سأعطيك مثلاً، أنا قراتُ كذا قصة لمؤلف جديد اسمه عز الدين شكري فيشر، ثم قرأت له رواية مؤخراً اسمها ‘بابُ الخروج’ (2012) رفضتها، ولم أكملها بالرغم مما فيها من وعي سياسي وتاريخي يستحق أن يقرأه الناس، إنما أنا لم أطقه من الناحية الفنية.
‘ ما هي استراتيجية تحويل الرواية إلى فيلم؟
‘ ممكن أن تأتيك فكرة أثناء قراءة الرواية وقبل أن تأخذ قرارك بعمل الفيلم.
‘ وهذه الفكرة هل تستند في الدرجة الأولى إلى متطلبات الفن السينمائي؟
‘ ليتنا نجد رواية فيها هذه المتطلبات. دعني أخبرك. يحيى يخلف كتب رواية في أربعة كتب، أنا قرأت القصّة الرابعة. في الأول منها أعجبتني، وقلت تصلح أن تكون عملاً سينمائيًا. ثم راجعت نفسي وقلت يجب أن أقرأها من البداية. فقرأتها من سنة احتلال القدس حتى الآن. ومن إعجابي، ليس بالمكتوب في القصة، إنما إعجابي باختيار الأماكن، واختيار ما يسرده من تاريخ، رأيت أن من واجبي أن أخرج هذا الفيلم داخل فلسطين. فأنا أريد الطبيعة الفلسطينية، أريد الأثواب المشغولة الفلسطينية. لا أريد أشياء مصنوعة هنا في مصر. ثم توقفت عن الأمر بعد أن اشتغلت قليلاً في القصة، وأضفت إليها ما ينبغي، وقلت خسارة. فأنا عندما أعمل من تاريخ كذا إلى تاريخ كذا أروي قصة فلسطين كلها، قصة خيبة الأمل المستمرة مع كل حدث، ونحن دائماً نتكلم عن فلسطين كسلاح ولكننا لم نتكلم عن ثقافة فلسطين، أو الأكل الفلسطيني، أو الملابس الفلسطينية، أو طبيعة الأماكن. فأحداث القصة تدور أكثرها على شواطئ بحيرة* طبريا. فلو أخذنا الخلفية الاجتماعية والجغرافية فبالضرورة سيكون العمل الذي ننجزه جميلا، خالدًا.

Email this pageShare