الانقلابات: منها الصالح وأكثرها طالح ـ نماذج ونتائج

د. عبد الحميد صيام

Aug 23, 2013

تباينت مواقف الدول والقـــوى السياسية والكتاب والصحافيين حول ما جرى في مصر يوم الثالث من تموز/يوليو 2013، في ما إذا كان انقلابا عسكريا أو استكمالا لثورة 25 يناير 2011. هل هو عمل شرعي أم انقلاب على الشرعية؟ هل هناك مبرر أخلاقي وإنساني وقانوني يتيح للعسكر الإطاحة بحكم وصل إلى الرئاسة عن طريق الانتخابات، أم أن الجماعة المنتخبة تجاوزت صلاحياتها وانتهكت الدستور والثقة الشعبية التي منحت لها واتجهت بالبلاد إلى الهاوية، ولم يكن بد من وقف الانزلاق نحو تحويل مصر إلى إيران أخرى يحكمها المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين؟
هذه أسئلة من الصعب أن تجد إجماعا حول الإجابة عليها على الأقل الآن. وربما يخبئ المستقبل العديد من الممارسات والإجراءات التي ترجح وجهة نظر على الأخرى. وسأحاول في هذا المقال أن أستعرض نماذج لنوعين من الانقلابات، الذميم والحميد، وأترك القارئ ليصل إلى الاستنتاج الذي يريده. فأمور الانقلابات ليس بالأبيض والأسود دائما، فهناك انقلابات كانت ضرورية ومهمة ونقلت البلاد إلى عهد جديد من الاستقرار والتقدم والتنمية الرشيدة، ومنها ما قاد البلاد إلى خراب ومذابح وتفريط في الأرض والسيادة والحرية والمواطنة المتساوية.
يصنف المتخصصون الانقلابات إلى نوع مقبول وجيد وضروري، ونوع آخر مرفوض ومثير للفوضى وغير مقبول وغير شرعي. لقد وضعت تحت الخانة الأولى أربعة انقلابات أفريقية، من بينها انقلاب سيراليون عام 1968 على سياكا ستيفنز الذي فاز في الانتخابات لكنه أودع السجن قبل تسلمه الرئاسة، فقام ضباط بالانقلاب على الانقلابيين وأعادوا ستيفنز إلى السلطة. وانقلاب الجنرال راولنغ في غانا عام 1978 على الرئيس المنتخب أكوفو الذي أوصل البلاد إلى حافة الانهيار الاقتصادي. وانقلاب السودان على جعفر النميري عام 1985 الذي قاده المشير سوار الذهب وبقي في السلطة إلى قيام انتخابات حرة عام 1986، فاز فيها حزب الأمة بقيادة الصادق المهدي. وانقلاب النيجر على محمدو تانجا عام 1999 الذي حاول تمديد رئاسته ثلاث سنوات إضافية بعد انتهاء دورته الثانية، لكن الجيش أطاح به فهلل له الناس وساروا في شوارع نيامي مهللين فرحين.

الانقلابات ظاهرة كونية
حسب تعريف مركز ‘السلام المنتظم أو المستقر’ بجامعة جورج ميسون والمعني بجمع كل المعلومات حول الانقلابات في العالم، فالانقلاب يعني’الاستيلاء بالقوة على السلطة التنفيذية عن طريق مجموعة مناوئة أو معارضة من داخل المنظومة الداخلية للبلاد وقواها المتنفذة، ينتج عنها تغيير جذري في تركيبة السلطة التنفيذية وسياسات السلطة المطاح بها’. وإذا ما طبقنا هذا التعريف على عدد المرات التي أطيح بقوة تنفيذية بالقوة، نجد أن عدد الانقلابات في العالم منذ بدأ التأريخ لها في هذا المركز عام 1944، ولغاية 2011 يصل إلى 726 انقلابا، من بينها 363 انقلابا في القارة الأفريقية أدى 88 منها إلى انتقال ناجح للسلطة، أي بنسبة 24′. فمن بين كل خمسة انقلابات واحد فقط أدى إلى نتائج إيجابية بتعزيز الانتقال السلمي للسلطة. معظم الانقلابات جرت في القارة الأفريقية، خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة، حيث شهدت 82 انقلابا أو تمردا مسلحا أدى إلى انهيار السلطة القائمة، كما استمرت الانقلابات في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، حيث وقع 50 انقلابا بين عامي 2000 و2008، مما يعني أن الديمقراطية في الدول الأفريقية خاصة ما زالت غير مستقرة، وقيام انقلاب بعد الانتخابات أمر عادي ومتوقع، خاصة أن الانتقال إلى الديمقراطية سيطيح بمراكز نفوذ وأصحاب مصالح تجذرت أثناء فترة الديكتاتورية وليس من السهل أن تتخلى عن مصالحها، خاصة القوات المسلحة.

الانقلابات في العالم العربي
لم تنج البلاد العربية من الانقلابات بشكلها العنيف، كالانقلابات السورية والعراقية واليمنية، وبشكلها الهادئ كما حدث في بعض دول الخليج، بحيث يتم عزل أو الإطاحة بالحاكم من دون إراقة دماء أو استخدام فظ للقوة. وبناء على المعطيات والنتائج التي نجمت عن الانقلابات نستطيع أن نصنف عددا من الانقلابات بأنها حميدة، والأكثرية الساحقة بأنها سلبية وجرت على البلاد الكثير من الويلات والخراب.
ومن الانقلابات الحميدة التي أتاحت فرصة ولو قصيرة للديمقراطية كآلية للوصول إلى الحكم، انقلاب السودان الذي قاده المشير عبد الرحمن سوار الذهب عام 1985 على جعفر النميري وأوصل أول حكومة منتخبة بقيادة الصادق المهدي إلى الرئاسة، إلى أن أطاح به انقلاب عمر حسن البشير/حسن الترابي عام 1989. ونفس الشيء ينطبق على انقلاب موريتانيا الذي قاده العقيد علي ولد محمد فال عام 2005 ضد الطاغية معاوية ولد طايع الذي، كما وعد، بقي في السلطة إلى أن يسلمها لقائد منتخب. وبالفعل تنازل عن السلطة في نيسان/أبريل 2007 لصالح الرئيس المنتخب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، الذي أطيح به في انقلاب آخر في آب /أغسطس 2008 قاده العقيد محمد ولد عبد العزيز.
إذن الانقلابان الحميدان اللذان شهدتهما المنطقة العربية وضع حد لهما عن طريق انقلابين عسكريين لاحقين.
أما الانقلابان الحميدان اللذان عززا وحدة البلاد واستقلالها الاقتصادي والسياسي وأدخلا البلاد مرحلة أرقى من بناء الدولة المستقرة والتنمية والنهضة التعليمية والعمرانية، هما انقلاب الضباط الأحرار في مصر على الملكية في 23 تموز/يوليو 1952 وانقلاب هواري بومدين على الرئيس أحمد بن بلة بتاريخ 19 حزيران/يونيو 1965. وسنسلط الضوء على انقلاب الضباط الأحرار في مصر عام 1952.

انقلاب الضباط الأحرار عام 1952
قد يكون الانقلاب الذي نفذه تنظيم الضباط الأحرار بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر من أنجح الانقلابات في التاريخ المعاصر، حيث لم تسقط نقطة دم واحدة، بل تعامل زعماء الانقلاب مع الملك فاروق بطريقة حضارية لم تحط من قدره، وتم توديعه في الميناء بطريقة رسمية وحضارية بمشاركة ثلة من ضباط التشريفات، وأطلقت المدفعية 21 ‘طلقة في وداع الملك وعزف النشيد الوطني، وسمح للملك فاروق بأن يصطحب معه ما يريد من اللوحات الفنية والجواهر والخدم والمرافقين، ثم انتقل بعدها قادة الانقلاب لطرح مشروعهم الحضاري النهضوي القائم على تحديث الدولة وتعزيز استقلالها وتأميم مصادرها المالية، خاصة قناة السويس والنهوض بمصر صناعيا وتجاريا وزراعيا وسياسيا، وبناء جيش حديث حسب المواصفات العصرية وفتح الابواب أمام كافة أبناء الطبقات الشعبية للمشاركة في نهضة البلاد. كما قامت الدولة بمساعدة كافة حركات التحرر في أفريقيا وآسيا وأنشأت منظمة التحرير الفلسطينية وطورت وسائل الإعلام وقضت على الإقطاع والرأسمالية المتوحشة، ووزعت الأراضي على الفلاحين وبنت السد العالي وأنشأت حركة عدم الانحياز. لقد أصبحت مصر قائدة لدول العالم النامي بلا منازع. لقد شكل هذا النموذج خطرا على إسرائيل ودول الاستعمار ووكلائهما المحليين، فتصدوا لمشروع عبد الناصر بالمواجهات المسلحة والمؤامرات والتوريط وتشجيع التنظيمات الإسلامية المرتبطة بأموال النفط وخلق بؤر توتر، إلى أن تم الانقلاب التام على التجربة الناصرية يوم 15 أيار/مايو 1971 الذي قاده أنور السادات ضد ما سماها بمراكز القوى، ليعلن بعدها الالتحاق بالمعسكر الأمريكي الذي أوصل البلاد إلى اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، التي أدت إلى تهميش مصر ودورها وسيادتها وكرامتها.
نماذج من الانقلاب الذميم’
الأمثلة عن الانقلابات الذميمة كثيرة يضيق المجال هنا عن تعدادها. إن من أعظم الأمثلة في العالم على الانقلاب الذميم الدموي الكارثي، هو انقلاب أوغستو بينوشيه في تشيلي في 11 أيلول/سبتمبر 1973 على سلفادور ألليندي اليساري المعروف بميوله الاشتراكية، أول رئيس منتخب بغالبية ساحقة وصلت إلى 73′ في تشرين الثاني/نوفمبر عام 1970.
ذلك الانقلاب الذي أدخل البلاد في دوامة الموت والقتل والسجن. ظل بينوشيه في الح222كم سبع عشرة سنة شرد فيها أكثر من ثلاثمئة ألف، وسجن عشرات الألوف وقتل ألوفا أخرى، خاصة من المثقفين والكتاب والشعراء، ومن بينهم أعظم شاعر في أمريكا اللاتينية بابلو نيرودا، الذي قضى بعد اثني عشر يوما من شدة الإحباط والقهر، والمغني العظيم فيكتور هارا الذي كان يشدو بأشعار نيرودا على طريقة مارسيل خليفة ومحمود درويش. كذلك من الحكمة أن نتذكر انقلاب برويز مشرف عام 1999 على الرئيس المنتخب نواز شريف، وما جره ذلك الانقلاب من ويلات على باكستان والمنطقة. وها هو يقبع الآن في السجن ذليلا بانتظار كلمة العدالة.
أما في منطقتنا العربية فالانقلابات الكارثية عديدة ولا تحصى، ويمكن لنا أن نضع انقلاب عمر حسن البشير في السودان على رأس القائمة، لما جره على البلاد من مصائب وكوارث أدت إلى تفتيتها وإشعال أكثر من حرب أهلية أدين بسببها بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.
وانظروا ما يعاني منه اليمن بسبب انقــــلاب علي عبدالله صالح عام 1978، وما جـــــره انقــــلاب الملازم ثاني معمر القذافي في ما سماه ثورة الفاتح من سبتمبر عام 1969 على بلد مثل ليبيا، وكم جر انقلاب صــــدام حســـين على رفاقــــه في حــــزب البعث يوم 16 يوليو 1979 بعد كل ما شـــهده العراق من نهـــضة شــــاملة بعد الانقلاب الأصـــلي عام 1968 بقيادة احــــمد حسن البكر، وكم جر انقلاب حافظ الأسد في نوفمبر 1970 على سورية من مصائب، خاصة بعد قراره الغريب توريــث ابنه باسل ثم بشار بعد مقتل الأول في حادث سير توج بعدها بالشـــهيد الفارس.
لكن يبقى انقلاب الجيش الجزائري على انتخابات 1991، التي كادت أن توصل جبهة الإنقاذ الإسلامية إلى السلطة مع بداية عام 1992 علامة مميزة للنتائج الكارثية للانقلابات الدموية التي أدخلت البلاد أتون الصراعات الداخلية لأكثر من عشر سنوات، أدت إلى قتل مئات الألوف وتدمير بنية البلاد الاقتصادية والتنموية، تحاول الجزائر الآن تجاوزها بصعوبة بالغة.

كلمة أخيرة حول انقلاب عبد الفتاح السيسي في مصر
أولا أود أن أؤكد أنني لست مع الإخوان المسلمين لا حزبيا ولا أيديولوجيا ولا فكريا، ولم أخرج في يوم عن قناعاتي القومية الراسخة. من جهة أخرى فأنا ألتزم بالتحليل الموضوعي القائم على الحقائق، وأقول من المبكر أن نحكم على النتائج من خلال المقدمات فقط، فما جرى منذ 3 يوليو لا يبشر بالخير. فقد أطيح بحكومة منتخبة ديمقراطيا بغض النظر عن موقفنا منها، انتخبت هذه الحكومة لمدة أربع سنوات. الإطاحة بحكومة منتخبة جائز لكن بالطرق القانونية أي عن طريق البرلمان، كما حدث مع الرئيس الأمريكي نيكسون في آب/أغسطس 1974، الذي انتهك الدستور وكاد أن يدان في الكونغرس فسبق الإدانة بالاستقالة، أو خسارة الاستفتاء الشعبي العام كما حدث مع الرئيس الفرنسي ديغول عام 1969 عندما فشل مشروعه في الاستفتاء على اللامركزية، أو الاستقالة الطوعية نتيجة انخفاض شعبية الرئيس أو فضيحة مدوية أو تذمر قطاعات كبرى من الشعب.
الانقلاب الذي تم يوم الثالث من يوليو الماضي في مصر لم يلتزم بأي من الطرق الشرعية المعمول بها عالميــــا، ثم إن توجيه الرصاص لصدور المتظاهرين والمعتصـــمين السلميين يخرج الانقلاب عن سلميته ليدخله في صنف الانقلابات الدموية. تبع ذلك تضييق على الحريات وإغلاق فضــــائيات المعــارضة واعتقال الصحافيين واعتقال رموز المعارضة، بمن فيهم الرئيس المنتخب والمرشد العام محمد بديع وقتل عدد من السجناء، وهم تحت سيطرة أمن الدولة، بل وبلغ الأمر أن من اعترض على الأسلوب الدموي في التعامل مع المعتصمين واستقال من حكومة تسيير الأعمال، توجه له الآن تهمة الخيانة العظمى، كما هو الحال مع البرادعي.
أضف إلى ذلك الطريقة التي تم فيها تعيين 19 محافظا من دون انتخابات، والعديد منهم كانوا محافظين أيام المخلوع مبارك، كما أن محكمة جنايات القاهرة طالبت يوم الاثنين الفائت بالإفراج عن الرئيس السابق محمد حسني مبارك. إذا كانت هذه البداية فلا نتوقع لهذا الانقلاب أن يعزز الديمقراطية أو ينقل البلاد إلى مرحلة الاستقرار والتنمية الرشيدة والسيادة الكاملة والمواطنة المتساوية وحرية الرأي والتعبير كي نسميه انقلابا حميدا.
نتمنى أن نكون مخطئين ونتمنى أن تكون أخبار الصحف العبرية كاذبة وغير دقيقة، التي كشفت عن تعليمات نتنياهو لسفرائه في الدول الغربية بالقيام بحملة واسعة لشرح فوائد انقلاب الجيش المصري وآثاره الإيجابية على إسرائيل.

‘ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

- -

1 COMMENT

  1. ومن جاء بالإرادة الشعبية لن يذهب إلا بالإرادة الشعبية،،لا بانقلاب دموي تزهق فيه أرواح الناس

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left