نماء الورد: احتلال العراق أشد ألما من سرطان الثدي

ممثلة عراقية جسدت حالة واقعية في عرض «وصفولي الصبر»

زهرة مرعي

Aug 12, 2017

بيروت ـ «القدس العربي»: رحلة الممثلة المسرحية العراقية نماء الورد بدأت من بغداد في سبعينيات القرن الماضي، وتوالت فصولاً بشقاء وشوق وصولاً إلى بيروت. تشتتها الإنساني والفني نتج عن مسبب سياسي، أصابها كما الآلاف من العراقيين الباحثين عن الحرية والأمان. استقبلتها النرويج وصارت وطناً ومساحة تعبير مسرحي وغنائي. في بيروت التي قصدتها بحثاً عن مناخ مناسب لركبتيها المتعبتين من البرد أثرت مسرح المخرجة لينا أبيض بتجربتها الحية. فكانت نماء الورد حكاية من لحم ودم في عرض «وصفولي الصبر».
معها كان هذا الحوار التعارفي والاستكشافي:
○ لماذا أنت في مسرح بيروتي؟
• منذ سبع سنوات أعيش القسط الأكبر من السنة في بيروت. جئتها لاجئة صحية، بعد برد لسنوات أضنى مفاصلي في النرويج. بعد قرار طبي باستئصال ركبتي واستبدالها بأخرى صناعية، نصحني معالجي الفيزيائي بالمراهنة على الأجواء الدافئة، العلاج الفيزيائي والتمارين، وإن لم تكن النتيجة مرضية فإلى الجراحة. صدفة زرت بيروت لأول مرة سنة 2011 في الأسبوع الثقافي النرويجي اللبناني، وغنيت في مسرح المدينة، أحببت بيروت. وجدتها مدينة «مقدور عليها» بعكس القاهرة التي كانت خياري الأول بسبب الأصدقاء والزملاء الكثر هناك، والتي مثلت فيها سنة 1974 على مسرح جورج أبيض.
غادرت مع الوفد النرويجي وواعدت بيروت بالعودة والعيش فيها. وهذا ما حدث في أيلول/سبتمبر من العام نفسه، عدت بحقيبة ولم أكن أعرف أحداً. دخلت السنة السابعة من الإقامة هنا. أزور النرويج ثلاث مرات سنوياً، فلي فيها أبنائي الاثنين وحفيدتي، وعائلتي النرويجية الحقيقية فقد عشت فيها 35 سنة.
○ قدم لك مناخ بيروت الشفاء وماذا بعد؟
• نعم ونادراً ما أمرض. كما أعادتني بيروت إلى الدراسة، وأنا أحضر لشهادتي ماجستير، الأولى في التواصل اللاعنفي من خلال المسرح في جامعة حقوق الإنسان. دراسة في غاية الأهمية بالنسبة لي، كوني ناشطة في قضايا حقوق الإنسان منذ بداياتي، الأمر الذي تسبب لي في ترك العراق. والماجستير الثانية تختص بصناعة اللاعنف.
○ اختيار بيروت للسكن انعكس على نشاطك الفني سلباً. كيف تقبلت الأمر؟
• لست مستقيلة كلياً من النشاط الفني في بيروت، فقد نظمت العديد من الأمسيات الشعرية، وأخرى حوارية وغنائية. لن يكون حضوري في المسرح نشطاً فلهجتي العراقية واضحة جداً.
○ كيف وصلت إلى مسرحية «وصفولي الصبر»؟
• سمعت المخرجة لينا أبيض عن نشاطي المسرحي من خلال زملاء التقت بهم في مهرجانات المسرح العربية، وعندما احتاج عرضها لسيدة عراقية تواصلنا من خلال الممثلة الفلسطينية والصديقة المشتركة سامية كزموز بكري، وكان ما كان.
○ وهل كنت قبلها منقطعة عن المسرح؟
• أبداً، ففي شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي قدمت عرضاً باللغة الإنكليزية في ميونيخ مع فريق ألماني، وبمشاركة ممثل وراقص أمريكي، وآخر نرويجي. والعرض استمر حوالي شهر وهو كان حضوري الأول على المسرح بعد سنة 2002 لأن المرض داهمني. فاحتلال الأمريكيين للعراق لي في مشاكل صحية، ومن ثم كان سرطان الثدي في سنة 2004 واستمرت رحلتي معه حتى 2010.
○ شكلت إذاً حالة واقعية للمرض في عرض «وصفولي الصبر»؟
• نعم. السيدة «إلهام» الشخصية التي كتبتها عبير همدر امرأة حقيقية من لحم ودم، كما كافة حكايات النساء في المسرحية. شخصياً أضفت بعضاً من ذاتي إلى الحوار ونال موافقة الكاتبة.
○ وهل تضمن دور «إلهام» إضافات تجميلية؟
• كل ما قالته «إلهام» حقيقي، ولم يحتج الدور إلى تجميل خاص بالمسرح.
○ أنت الممثلة الوحيدة التي عاشت التجربة واقعياً فماذا قال لك ذلك؟
• في عرض يتناول مرض السرطان ومعاناة النساء معه قدمت تجربة عايشتها لسنوات، فكنت إلهام التي شاهدتموها على المسرح.
○ إلهام شخصية ذات ثلاثة اتجاهات، المرض والأنوثة المحطمة بسببه والخوف السياسي. كيف تواصلت معاً؟
• إنها حياتنا، إن لم تكن ذات خطوط ثلاثة لا شك ستكون ذات أربعة أو حتى خمسة أو يزيد. الإنسان ليس فقط بشراً يتحرك ويأكل، بل له علاقة بجسده، فقد يحبه أو يكرهه. ولنا صلة بواقعنا بدءاً من السياسة، ومن ثم المرض كوننا نملك جسداً هشاً لا سلطة لنا عليه. نعرف أن الإنسان أضعف حيوان على الكرة الأرضية، يتمايز عنه بامتلاكه للعقل الذي يساعده في التغلب على الصعاب.
○ مجابهة المرأة مع السرطان تبدأ من شعرها. فهل تتخذ قرار حلقه بسهولة؟
• قرار صعب ولا بد منه. في العرض الأول لـ»وصفولي الصبر» حلقت شعري مباشرة أمام الجمهور، وفي العروض التالية تمّ ذلك عبر الفيديو. لأكون صادقة في ما أفعله، ومؤمنة أن السرطان كما بقية الأمراض، فلست أهتم بتساقط شعري. مع العلم أني لم أعش هذه الحالة، فلم أحتج للعلاج الكيميائي، كان الورم في مرحلة البداية.
○ هل يتداخل لدى المرأة هم السرطان مع الألم والجمال المصاب والحالة الإيروتيكية المتداعية؟
• هي خلطة غريبة عجيبة. في الواقع تفقد المرأة مع السرطان جزءاً من جسدها. لنقل انه الإصبع وليس الثدي، لكنه جزء من الجسد. هي حكاية محيرة ومن الصعب تقبلها والتعايش معها. عندما زرعت الثدي اختلف الوضع نسبياً، إنما الكثير من النساء لا يرضين بالعملية التجميلية. نساء يواجهن الطلاق بعد السرطان، وأخريات يتابعن العلاقة على جمالها السابق. فلم يطلب زوج صديقتي أن تزرع ثدياً بديلاً وهما على أحسن حال. من جهتي زرعت الثدي إرضاء للأنا الخاصة التي أعتبرها أهم من الآخر.
○ وصلنا منك الضرر الذي ألحقه الحصار بالمرأة العراقية لسنوات طويلة؟
• نعم. فقد منع العلاج عن الشعب العراقي. ولهذا هربت إلهام، الممرضة في صندوق سيارة حلاقها، فهو كان مستغلاً من قبل النظام في كتابة تقارير عن الناس كونه مثلي. إلهام الممرضة التقت بها كاتبة المسرحية وكان السرطان قد وصل أنفها.
○ كيف تنظرين كممثلة مخضرمة إلى «للصبر حدود» كمحطة من حياتك؟
• يتميز العرض بنص متين حمّسني للوقوف على مسرح لبناني للمرة الأولى في حياتي. نص خاطبني شخصياً. وأعرف أن المخرجة لينا أبيض مهمة، وهي رقم واحد في جيلها. عملت على مستويات متعددة، المستوى الداخلي بين الممثلين والجمهور، والمستوى الخارجي بيننا وبين الكاتبة وبين «فضيلة» أي مي أوغدن سميث التي عبّرت عن مشاعرنا وأوجاعنا غير المسموعة بحركة جسدها. كما دأبت الكاتبة على التنبيه إلى ضرورة العناية بالجسد. وقلت على المسرح «قاف سين» أي سلام قبل السرطان، و»باء سين» سلام بعد السرطان. بعد السرطان يعيد الإنسان تقييم علاقاته، وجوده وكل ما له صلة بحياته. من هنا كان الإخراج في غاية الأهمية.
○ هل شكل عرض «للصبر حدود» نوعاً من العلاج «الدراما ثيرابي» لك؟
• لا. عبرت تلك المرحلة منذ زمن. عند اكتشاف سرطان الثدي كنت في اكتئاب بسبب احتلال العراق. ألم الاحتلال تخطى بكثير ألم السرطان. قلت لنفسي وللطبيبة إنه مرض كسواه وقد أشفى منه.
○ رحيل من العراق ثم السرطان والاحتلال هل أنت في حلم مكسور؟
• حلمي تشظّى وذهب مع الريح على المستويين الفني والوطني. لا شيء يعوض العراق وبالتالي لا هم عندي أن أكون على المسرح أو لا أكون. لهذا ابتعدت وعدت في عرض ميونيخ ثمّ بيروت. قبلها تواصلت عروضي في النرويج سنوياً منذ أن وطئتها كوطن بديل. أحرص على اختيار المخرج والنص. لن أترك مسيرتي تتراجع بعد أن بدأت في حصد الجوائز منذ الحضور الأول على المسرح في العراق. كما مارست مهنة التعليم في النرويج، وتابعت النشاط مع فرقتي المسرحية «أور». هذه الفرقة أتاحت لي التعبير عن همي الخاص وهم المرأة لاسيما وأني أتكلم النرويجية بلكنة.
○ ما هي الاختلافات على صعيد المسرح بين لبنان، العراق والنرويج؟
• اختلافات في التقليد اليومي للعمل المسرحي، منها تقديس الوقت. الاختلاف الثاني يتمثل في الوقت الممنوح للعمل المسرحي. التمارين مع المخرجة لينا أبيض لم تستغرق الكثير من الوقت. اعتمدت أسلوب العمل على المشهد، والتقى الجميع في آخر أسبوع من التمارين. أفضل التمارين الطويلة الأمد التي تشعرني بالاندماج مع الآخرين، مما يتيح لي معرفة القمم في كل مشهد. مهمتي معرفة البناء المطلوب مني ليبقى العمل متماسكاً كوني حلقة فيه.
○ أين موقع الغناء في حياتك الفنية؟
• وإن لم تكن لدي حفلات أغني على الدوام. شيخ إمام لا يفارق حنجرتي لأنه الأهم في حياتي. تعارفنا شخصياً وكذلك مع الشاعر أحمد فؤاد نجم وزوجته أم نوّارة منذ سنة 1974 في القاهرة. أغني العراقي، وكذلك التراث العربي من مصري، وتونسي ومغربي. حضوري الفني الأول في بيروت تمّ في حفل غنائي حيث منحت قلادة العنقاء الذهبية الدولية. وهي جائزة أسسها شباب وشابات من العراق. وفي السنة العالمية للاجئين والمهاجرين رشحتني النرويج واختارتني الأمم المتحدة واحدة من المساهمين في تغيير البيئة المحيطة من خلال المساهمات الفنية في المكان الجديد الذي عاشوا فيه.
○ كيف استطعت إقناع النرويجيين بفنك المسرحي العراقي؟
• لأني أتيت بفني وتراثي المسرحي من العراق. ولا أنكر أنني تعلمت الكثير خلال ثلاثة عقود من الهجرة. كما درست في معاهد النرويج التي درس فيها كبار الفنانين في أوروبا خاصة معهد «لي ستراسبورغ». من الضروري أن يتابع الممثل دراسته بهدف التطور، ومن غير ذلك سيبقى في الماضي وأنا أريد الحاضر.

نماء الورد: احتلال العراق أشد ألما من سرطان الثدي
ممثلة عراقية جسدت حالة واقعية في عرض «وصفولي الصبر»
زهرة مرعي
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left