آثار الأردن: حوار التاريخ والجغرافيا وبينهما سياحة مدهشة

سحر الصحاري وأسرار البحرين الأحمر والميت

وديع عواودة

Aug 12, 2017

لا آبار نفط في الأردن ولا غاز (حتى الآن) لكنه غني بطيبة وشهامة وكرم أهله، بإرث حضاري عريق وبطبيعة متنوعة تشمل اثنتين من عجائب الدنيا وتشهد مسيرة تطور لافت في مرافقها السياحية. عدت من هناك مؤخرا ربما للمرة العشرين واستمتعت مجددا بما تقدمه هذه الواحة الآمنة المستقرة رغم القلاقل المحيطة بها من كافة الجهات. وأرى أن استمرار تطوير المرافق السياحية ومواكبتها بحملة علاقات عامة في العالم سيجعل الأردن واحدا من أهم نقاط الجذب السياحي في العالم عندما تهدأ الأوضاع السياسية في المنطقة، ذلك لأنه يتمتع فعلا بالكثير مما يقدمه وقلما نجده في أماكن أخرى. في العاصمة عمان تظهر مسيرة التغيير بوضوح، فقد تضاعف عدد سكانها في العقدين الأخيرين نتيجة هجرة من العراق تلتها هجرة من سوريا. هذه الحاضرة العريقة المسماة ربة عمان مدينة جميلة تجمع الشرق والغرب، فنادقها ومطاعمها ومواقعها السياحية تستحق الزيارة. من أبرز معالمها الأثرية المدرج الروماني العملاق المتسع لنحو ستة آلاف مقعد حجري وهو كمهرجان جرش يستغل لإحياء حفلات فنية في الهواء الطلق. ضمن هذا الصرح المعماري الضخم أقامت دائرة الآثار الأردنية متحفين متجاورين متناقضين، واحد خاص بالطبقة الارستقراطية وآخر يروي الحياة الشعبية في البلاد وهو يرمز إلى التراث العربي المحلي بشقيه الحضري والبدوي ويجمعهما كل ما يرمز للقهوة العربية بأوانيها التقليدية وفناجينها وبتمثال لـ «صباب القهوة السادة» معتمرا الكوفية الحمراء، فما أن تراه حتى تستذكر الأغنية التراثية الخالدة لفنانة البادية سميرة توفيق «بالله تصبو هالقهوة» وتستنشق رائحة الهيل. وفي موقع قريب تمثال جميل لبائع العرقسوس، وهو يحمل ابريقا معدنيا كبيرا على ظهره معتمرا طربوشا أحمر. وفي مجال الطعام والشراب هناك تمثال لسيدة أردنية وهي تطحن القمح بالطريقة الفولكلورية بـ «الجاروشة» في ساحة البيت ومن خلفها تتقد «صوبة الحطب» للتدفئة على الطريقة التراثية. وفي اللباس تم تخليد حرفة الغزل الرجولية من خلال تمثال لرجل يعمل في النول لصناعة البسط التي انتشرت بالذات في مدن الحصن، والسلط ومأدبا. كذلك يستخدم النول من نوع آخر لحياكة بيوت الشعر وهي حرفة تمتاز بها مدينة الزرقا وكانت تمتاز بها قرية العباسية المهجرة بجوار اللد في فلسطين. كيف لا، هناك جناح خاص بثياب المرأة وحليها على الطريقة التراثية إلى جانبها أدوات زينة وعمل وأدوات منزلية تكاد تكون غير موجودة في منازل الأردنيين اليوم عدا الزي الذي يرتديه الشراكسة في الأردن حتى اليوم. لكن ليس في عمان وحدها يحيى الأردن، فمواقعه المنتشرة بطول البلاد وعرضها تحتاج لعدة زيارات من أجل التمتع بها.

قلعة الربض في عجلون

في الشمال تنتشر مجموعة من مواقع الجذب الطبيعية والتاريخية من أبرزها قلعة عجلون المعروفة بقلعة الربض، المبنية في العصر الأيوبي لحماية طرق القوافل ومواجهة الصليبيين، وهي محاطة بغابات تغطي سلسلة جبلية تبدو معا كاللوحة الخضراء في عز الصيف. القلعة القائمة على قمة جبل ومنها تشاهد أحيانا جبل الشيخ السوري مبنية على الطراز المعماري الإسلامي وتشمل الكثير من مباني العقد والأنبوب. وقريبا منها يقع موقع عنجرة للحج المسيحي وفيه كنيسة سيدة الجبل وهي تذكّر أن الأردن أيضا كان مهدا للمسيحية وقد وردت عنجرة القديمة في الإنجيل حيث مر السيد المسيح ووالدته العذراء من هناك.

مأدبا والبتراء: جمال الحوار بين الإنسان والطبيعة

في جنوب الأردن تروي الطبيعة عظمتها، هيبتها وقسوتها بصحارى وجبال عملاقة موحية ومناخ متطرف متقلب بين ليل ونهار لا بين فصلين فحسب. لكن الإنسان بإرادته الصخرية، عقله، وصبره وأنامله عرف كيف يطوع عنادها ويحول قسوتها إلى تحف فنية أجملها أو أعظمها البتراء عاصمة الأنباط. هناك تتجلى عظمة الطبيعة وعظمة الإنسان الذي عرف كيف يحفر آبار الماء وقنواته ليؤمن الحياة في وجه الجفاف وتمكن من تحويل الجبل الأصم إلى سلسلة منحوتات تتكلم دون لسان تبلغ ذروة الدهشة قبالتها في الخزنة الوردية اللون.
كذلك لوحات فسيفسائية نادرة بجمالها وإتقانها. درة تاج هذه اللوحات المدهشة لوحة عملاقة تغطي أرضية كنيسة القديس جورج في مأدبا من العهد البيزنطي تعود للقرن السادس وهي خريطة في غاية الأهمية للمواقع الجغرافية في المنطقة من إلى الفرات فيها كتابات باللغة اليونانية القديمة (الهيلينية) ومكونة من مليوني حجر صغير متعددة الألوان والأشكال، وهي حتى اليوم وثيقة ومصدر تاريخي يستعين به الباحثون والمؤرخون والجغرافيون. بل أنها ساعدت المصريين في كسب القضية ضد إسرائيل في لاهاي بعد خلاف على طابا بعد كامب ديفيد، فالخريطة تظهر أن طابا تقع في القسم المصري من خليج العقبة. رحل البيزنطيون بعد الفتوحات العربية/الإسلامية في مطلع القرن السابع لكن أهالي مأدبا توارثوا حرفة بناء اللوحات الفسيفسائية (الموزاييك). اليوم في مأدبا يدرس مئات الطلاب من ايطاليا والعالم هذه الحرفة الفنية النادرة على يد حرفيين أردنيين محليين. وفي مأدبا هناك كنائس بيزنطية كثيرة جدا وكلها تزدان بلوحات الموزاييك التي تترك أثرا لا يمحى في ذاكرة الزائرين. وداخل متحف مأدبا ومتنزهها الأثري تجد آثار هذه الكنائس. وفي الطريق إلى هناك تمر عبر شوارع مليئة بالأسواق التراثية التي تقدم ملابس، وأدوات فنية ومنزلية وحليا واكسسوارات تراثية نادرة. وقريبا من مأدبا وفي الطريق إلى العقبة داخل كنيسة في جبل نيبو المطل على فلسطين، رفعت مؤخرا الستارة عن لوحات موزاييك يتفوق فيها الواقع على الخيال، فمشاهدها الطبيعية تبدو تصوير كاميرا أكثر مما هي نتاج عمل الإنسان. حجارة ملونة بحجم حبة الحمص تكون معا لوحات كبيرة مذهلة. أجمل ما في الفسيفساء هي التعددية والتكامل. والنبي موسى بعد رحلة تيه استغرقت 40 عاما في سيناء أطل على البلاد من هناك وحرم منها. من هذا المطل الجميل ترى أريحا والقدس وهو موقع زاره بابا الفاتيكان قبل سنوات ويعتبر واحدا من مواقع الحج المسيحي، فالكنيسة المذكورة بنيت في بدايات العهد المسيحي ولذا فقد اعترف الفاتيكان بالمكان عام 2000 باعتباره واحدا من الأماكن المسيحية الرسمية.

على نار حطب

على متن سيارة جيب في وسع الزائر القيام بجولة قبيل الغروب والاستمتاع بشمس الأصيل في صحراء وادي رم، مثلما في وسعه التحليق من فوق الصحراء الحمراء ومشاهدة مفاتنها على متن منطاد طائر، ففي الأردن تنتشر سياحة المغامرات بأنواعها. لكن أجمل ما في الصحراء لياليها. فالسهرة استقرت بنا داخل منتجع الـ»الكابتن» (القبطان) المجهز بكل ما يحتاجه مرفق سياحي، حيث أعدت وجبة طعام على الطريقة الصحراوية «الزرب» أو المدفونة القائمة على فكرة طهو اللحم مع الخضراوات في باطن الأرض. هذا بالنسبة للطعام أما أجمل المشروبات هناك فهي القهوة.
«فوّت نصر ولا تفوّت قهوة العصر» يقول البعض. صحيح، لكن في الصحراء يصبح فنجان القهوة على الحطب من ذهب. يقول يوسف صديقي ورفيقي في هذه الرحلة المميزة للأردن مستذكرا ما قاله الشاعر محمود درويش عن سحر البنّ: القهوة لمن أدمنها مثلي هي مفتاحُ النهار… والقهوة لمن يعرفها مثلي هي أن تصنعها بيديك، لا أن تأتيك على طبق …لأن حامل الطبق هو حامل الكلام…». وهذا صحيح أيضا لكن القهوة هي الصديق الودود في الليل أيضا وتغدو أكثر وفاء وصدقا حينما تدللها على نار هادية، نار الحطب كما شهدنا في واحة القبطان في صحراء وادي رمّ.
محمود درويش وقع في حبها لأكثر من سبب فهي «هذا الصمت الصباح الباكر المتأني والوحيد الذي تقف فيه وحدك مع ماء تختاره بكسل وعزلة». لكن السهر والسمر بدونها كالطعام بلا ملح. وكم يصدق وصف محمود لفنجانه وهو يتغزل فيه وبإعداده من ماء يسكب «على مهل في إناء نحاسي صغير داكن وسري اللمعان أصفر مائل إلى البني ثم تضعه على نار خفيفة… آه لو كانت نار الحطب …». مذاق القهوة في الصباح والعصر والمساء… يرد الروح.

القهوة أربعة فناجين

لكن الشيخ العجرمي الكفيف هو زينة الواحة، إذ أثبت أن زاد الروح أهم من زوادة البطن… الواحة تراقصت على أنغام معزوفات عود رنان رافقه بصوت كله حنية. العجرمي يغني للكثيرين، لكن فيروز أقربهم إلى فؤاده ويتحدث عن الرحابنة بخشوع. يتمتع الزائرون لصحراء وادي رم بسماء صافية تشع منها النجوم فترى بوضوح أوضح من أي مكان آخر في العالم وسط عتمة الصحراء، لا يبددها سوى لهيب نار شعبان القهوجي وهو مصري يمكث بجوار موقدة يعد فيها الشاي والقهوة ومشروب الهيل. يسقيك البن على طريقته ويستذكر أن فناجين القهوة وفق تقاليد الصحراء والبداوة أربعة: فنجان للهيف، وفنجان للضيف، وفنجان للكيف وفنجان للسيف. أما الأول فيحتسيه من يقدم القهوة بنفسه كي يتأكد من درجة حرارة البن ويطمئن الزائر بأن المشروب خال من أي شائبة (أو سم). أما الثاني فهو من نصيب الضيف وعندما يطلب المزيد يكون ذلك فنجان الكيف. لكن الفنجان الأخير خطير… وهو لمن يختار من أفراد القبيلة أن يتولى عملية قتل أحد أعدائها بعد اجتماعها وقرارها بقتله (إن شاء الله تبقى القهوة المرّة ثلاثة فناجين فقط!) الراحل محمود درويش عشقها لأنها مفتاح النهار وفي «القبطان» أغلقنا فيها السهرة.

العقبة: عناق العظماء البحر والجبل
صدق من سماها لؤلؤة البحر الأحمر حتى لو ماتت غيرة ايلات الإسرائيلية المجاورة وطابا المصرية. المدينة عامرة بمرافقها الخدماتية والسياحية وأسواقها تكبر سنة بعد سنة. البحر الأحمر كصحراء وادي رم المجاورة المدهشة الملهمة. حكاياته لا تنتهي. يطفئ الحر والملل والزحمة، مطاعمها وفنادقها وفعالياتها المائية وأسواقها (لمحبي الشوبينغ) تجود بما لا تقدمه جاراتها وبأسعار معقولة. 

البحر الميت

البحر الميت المدلل في الأردن، كيف لا وهو من عجائب الدنيا، عرفت السلطات الأردنية استغلال هذه الثروة الطبيعية التي حباها الله بها، فالفنادق القائمة هناك قبالة أريحا في الجانب الفلسطيني المقابل عبارة عن حديقة غناء فعلا. تتجاور سلسلة فنادق ومنتجعات ومطاعم ومسابح وسواحل ومرافق العلاجات ومرافق التدليك (المساجات) تجعلك في زيارة لجنة عدن تتركها وفيك رغبة في المزيد.

لماذا هذا الاسم؟

يختلف المؤرخون حول سبب تسميته «الميت» فمنهم من ينسب ذلك لإنعدام أمواجه، ومنهم من يرى أنه بسبب موت الكائنات البحرية حيث لا تعيش فيه سوى الميكروبات والبكتيريا التي يمكنها تحمل نسبة الملوحة العالية، ولا تسقط الأمطار عليه إلا بنسبة قليلة جدًّا تصل إلى 90 مم سنويا فقط. لذا فهو يعتبر من المناطق القاحلة. وفي المصادر التاريخية العربية والأجنبية، وردت للبحر الميت أسماء كثيرة منها البحر المالح وبحر الصحراء والبحر الشرقي وبحر ســدوم وبحـــر الحمر والبحر الكافر والبحيرة المقلوبة وبحيرة لوط والبحيرة المنتنة وبحيرة سدوم وعمورة.

منتجع صحي

لأملاح البحر الميت تأثيرات علاجية وتجميلية عدة. حيث يأتي السياح من مختلف أنحاء العالم للاستشفاء في هذه المنطقة، فالعلماء والخبراء يقولون إن ماء وهواء وشمس البحر الميت هي العلاج الحقيقي والطبيعي للأمراض الجلدية، حيث تحمل خواص لا تتوافر في الكون إلا في أرض البحر الميت وفي الجانب الأردني تحديدا لارتفاع نسبة الأوكسجين بعكس الجانب المقابل للبحر المسدود بالجبال من خلفه. كما يعود ذلك لانخفاض مستوى سطحه عن سطح البحر (400 تحت سطح البحر) ما يوفر أعلى نسبة أوكسجين، والحرارة المرتفعة تزيد التبخر فيبقى الجو مشبعاً بأملاح الماغنسيوم والبروميد والكالسيوم وغيرها من العناصر؛ ما يؤدي إلى المساعدة في علاج الأمراض الجلدية والأوردة الدموية وغيرها من الأمراض مثل الصدفية، كما أن نسبة الرطوبة منخفضة حيث لا تتجاوز 5 في المئة وهي من الميزات التي تساعد في العلاج.

تشكيلة واسعة

مثلما لا تكفي زيارة ولا زيارتين للتعرف على الأردن فإن هذا التقرير لم يتسع إلا للقيل من مواقعه، فهناك عدد كبير من الأماكن الجديرة بالزيارة: حمامات معين الساخنة، ومغطس المسيح، والقصور الصحراوية، والكرك، وأم قيس، وجرش، ومحميات نادرة مثل محمية الموجب التي تشكل زيارتها في الصيف استحماما طبيعيا منعشا ومدهشا، ومحمية ضانا ومحمية الشومري وغيرها.

آثار الأردن: حوار التاريخ والجغرافيا وبينهما سياحة مدهشة
سحر الصحاري وأسرار البحرين الأحمر والميت
وديع عواودة
- -

1 COMMENT

  1. حلوه يا بلادي. صدقا الاْردن من اجمل دول العالم و انا شخصيا زرت كل قارات الارض و لم اجد اجمل من مناخ الاْردن فهو معتدل صيفا شتاء و قليل الرطوبة و متنوع ضمن مسافات قليله. و الناس بشكل عام رائعين و كريمين و مضيافين. و الأمن مستتب و الخدمات التعليمية و الصحيه ممتازة.
    و لكن الاْردن مظلوم بمن يديره من المسؤولين الاقتصاديين. فمعدل النمو منخفض و يقل كثيرا عن معدل النمو السكاني و البطاله عاليه لذلك و الانتاجيه منخفضة لان اكثر من نصف القوى البشرية العامله اما بالجيش او الشرطه او المخابرات او موظفين حكوميين و غير منتجين. و زي ما بقول المثل الفاضي بيشغل.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left