الاحتلال مسؤول عن تراجع الحريات العامة في فلسطين 

بسبب ملاحقة نشطاء مواقع التواصل وقانون الجرائم الالكترونية

فادي أبو سعدى

Aug 12, 2017

رام الله ـ «القدس العربي»: منذ بدء الهبة الشعبية الفلسطينية في أوائل تشرين الثاني/اكتوبر من العام 2015 بدأت إسرائيل حربا جديدة على حرية الرأي والتعبير والحريات العامة في فلسطين عندما شرعت اعتقال وحبس الفلسطينيين على خلفية ما يتم نشره على وسائل التواصل الاجتماعي وتحديدا فيسبوك وتويتر، وبالفعل اعتقلت إسرائيل المئات من الفلسطينيين على الخلفية ذاتها.
وبعد فترة ليست بالطويلة صادقت الحكومة الفلسطينية وبعدها الرئيس الفلسطيني محمود عباس على قانون الجرائم الالكترونية، والذي رغم أهميته في حماية الأحداث ووقف الكثير من عمليات الابتزاز المالي والأخلاقي، إلا أن نصوصه الفضفاضة حسب الكثير من الإعلاميين حدت هي الأخرى من الحريات التي تعاني أصلاً من التضييق في الأراضي الفلسطينية.
هذان السببان قادا الفلسطينيين وتحديداً العاملين قطاع الإعلام ونشطاء مواقع التواصل الاجتماعي إلى الكثير من الرقابة الذاتية، أضف إلى ذلك انتشار العديد من المواقع الالكترونية الإخبارية غير المهنية، والتي تثير عادة الكثير من البلبلة في الأوساط المحلية مع كل حدث داخلي يستجد، سواء كان حادث سير، أو حتى هبة فلسطينية، مثل ما جرى في المسجد الأقصى، إذ تقوم هذه المواقع بنشر الكثير من الشائعات والأخبار المغلوطة، بسبب عدم المهنية التي يمارسها غير الإعلاميين من الذين يعملون فيها.
ويضاف إلى ذلك كله الانقسام الفلسطيني الحاصل منذ عشر سنوات بين شقي الوطن، قطاع غزة والضفة الغربية، أو بين حركتي حماس وفتح، وبالتالي محاربة كل طرف لأنصار الطرف الآخر في الضفة والقطاع بسبب ما يتم نشره على المواقع الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي.
ويعتقد الصحافي خالد سليم ان أحد انعكاسات الانقسام السياسي بين فتح وحماس على المجتمع الفلسطيني، هو ضيق السلطات الحاكمة في الضفة وغزة من أي انتقاد، لأن كل طرف سيرى انتقاده اصطفافًا مع الطرف الآخر. وهذا يقلم أظافر النقد الحقيقي الهادف إلى الإصلاح وبناء مؤسسات الدولة، لصالح مناكفات ضيقة.
ومن أكثر ما يثير البؤس في هذا الواقع حسب سليم هو «الخشية من أن يضرب سقف الحرية رأسك قبل أن ترفعه حتى ومن ذوي القربى، لا من الاحتلال، في ممارسات قمعية عفا عليها الزمن في ظل هذا الانفجار المعرفي والاتصالي، الذي أصبح معه تكميم الأفواه كمن يغطي الشمس بغربال».

الحاجة إلى ضوابط قانونية

واعتبر انه في ظل اضطراب وسائل الإعلام والسعي وراء السبق و«اللايكات» فإن الحاجة ملحة أكثر إلى ضوابط قانونية عصرية ومدروسة جيدا، بحيث تأخذ في الاعتبار حاجة البلاد وظروفها، بدلاً من ملاحقة أصحاب الرأي الموضوعي الناقد بوعي. لكنه يرى أن سماء الحريات تبدو ملبدة بغيوم سوداء مع إقرار قانون الجرائم الإلكترونية الذي يحوي نصوصًا فضفاضة، يمكن تكييفها بناء على حاجة السلطة، وقد أقر دون التشاور مع أصحاب الشأن من المؤسسات الإعلامية التي يفترض أن تكون المستفيد الأول من هذا القانون، لا أن يشكل سيفًا مسنونًا على رأس القلم الحر.
كما أكد الإعلامي الفلسطيني وليد بطراوي أن الحريات العامة في تراجع لأسباب مختلفة، منها الظروف السياسية وحساسية قرارات السلطة الفلسطينية التي لا ترضي في الغالب الشعب ولا الصحافيين، وهو ما يؤدي إلى بعض الانتقادات هنا وهناك.
ويعتقد انه في بعض الأحيان يكون رد الفعل على الانتقاد مبالغا فيه وهذا يمس في الغالب الأفراد خاصة من أصحاب الانتماء السياسي أو الصحافيين كذلك بحجة أن لهم انتماء سياسيا وبالتالي يتم قمع حريتهم. ورأى أنه في بعض الأحيان عدم وجود قانون هو أمر جيد، وفي أحيان أخرى وجود القانون هو أمر جيد لكن بضمان عدم المس بالحريات، ومن هنا فقانون الجرائم الالكترونية جيد لكن يجب ان لا يستغل من أجل قمع الحريات. ورغم العديد من النصوص الفضفاضة في القانون الفلسطيني الجديد إلا أن بطراوي أقر بوجوب دراسته بشكل جيد والبحث عن إمكانية استغلال الجوانب الايجابية فيه.
وعن الوضع الإعلامي الداخلي قال أن المشكلة تكمن في اندفاع البعض، وعدم المهنية واستخدام المعلومة دون التأكد منها خاصة في ظل وجود العشرات من المواقع الالكترونية أضف إليها مواقع التواصل الاجتماعي ما جعل العمل الصحافي مختلفا كما كان عليه في السابق.
وفي ظل انتشار وتنامي مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت المعلومة تصلك دون أن تذهب إليها، وطبيعة التغطية باتت سطحية والكتابة تتم دون تمعن، فيما لم نعد نرى تغطيات ميدانية عميقة إلا في ما ندر. وما لم يكن هناك عملية ضبط للجودة في الإعلام المحلي فإن حالة الحريات ستواصل التراجع بسببنا نحن بعيداً عن القانون الفلسطيني الجديد وملاحقة سلطات الاحتلال لنا.
ويرى الصحافي ايهاب الجريري أن الإعلام يصبح هشاً وضعيفاً، عندما يمارسه من لا يفقهون شيئاً عن دوره، وهؤلاء يستسهلون النشر ويخطئون، ويكررون الفعل مراراً، فلعلها تصيب معهم في إحدى المرات، وهكذا تضعف مصداقية الإعلام ويتراجع تأثيره.

مواقع إخبارية وهمية

لكن هناك من يقتنص هذه الحالة وينشئ عشرات المواقع الإخبارية الوهمية ويزيد من عدد الأخبار الكاذبة والشائعات والتشهير بالآخرين، حتى يصبح الإعلام محل تشكيك دائم، يساهم في ذلك بقصد أو بدون قصد، صحافيون وصحافيات ومؤسسات لا تعي خطورة المرحلة، بنقلهم أخبارا كاذبة وغير دقيقة وبتهورهم وتسرعهم في نشر تفاصيل غير دقيقة، وهكذا يؤسسون لمرحلة يصبح فيها الإعلام أقرب إلى الفوضى. وهنا ينتهز الكثير الفرصة للنيل من الإعلام، إما بقوانين جائرة أو بإضعاف الإعلام أكثر فأكثر، حتى يصبح المجتمع طرفاً مطالباً بكبح جماح هذه الفوضى، وهكذا يكبل الإعلام الجيد منه والرديء ويطالب من لم يمــــارسون هذه المهنة، بتطبيق قوانين أبعد ما تكون عن احترام حرية النشر والتعبير.
وقال موسى الريماوي مدير المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية «مدى» ان الحريات الإعلامية في البلاد تمر بظروف صعبة، نظرا لتصاعد معدلات الانتهاكات الإسرائيلية خلال الشهر الماضي خاصة خلال أثناء مجريات هبة الأقصى، حيث ارتكبت عشرات الانتهاكات، بالإضافة إلى اقرار قانون الفيسبوك الذي يعرض الصحافيين والنشطاء إلى المزيد من الملاحقة بحجة التحريض، كما ارتفعت معدلات الانتهاكات الفلسطينية خلال حزيران/يونيو خاصة حجب 29 موقعا اخباريا، حيث فاقت الانتهاكات التي قامت بها المؤسسات الفلسطينية تلك التي قامت بممارستها الجهات الإسرائيلية. والذي زاد الطين بلة اقرار قانون الجرائم الالكترونية الذي تمس العديد من مواده حرية التعبير والخصوصية.
وأكد أن مركز «مدى» يقوم منذ عشر سنوات بتوثيق الانتهاكات والكشف عنها من خلال البيانات والتقارير الشهرية والسنوية ونصف السنوية، وتصل تلك التقارير إلى كافة الجهات المعنية محليا ودوليا بما فيها مؤسسات الأمم المتحدة المختصة.
كما تم تأسيس وحدة قانونية تقوم بتقديم الاستشارات القانونية للصحافيين وتتابع قضاياهم إذا تعرضوا للاعتقال أو قدموا للمحاكمة، بالإضافة إلى العمل في مجال التوعية القانونية. كما يتابع المركز قضايا حرية الإعلام في اجتماعات مع المســـؤولين ومن خلال المؤتمرات وورشات العمل المتخصصة، عدا عن اصدار 13 دراسة متعلقة بالإعلام وحرية التعبير.
وخلال الشهر الماضي جرى اعتقال وتوقيف عدد من الصحافيين الفلسطينيين من قبل الأمن الفلسطيني، ما دفع نقابة الصحافيين الفلسطينيين إلى التحرك في اتجاه النائب العام الذي أصدر قرارات بالافراج عن الموقوفين، كما أكد على الالتزام باتفاقات سابقة ومنها ان لا يتم اعتقال أو استدعاء أي من الصحافيين إلا عن طريق النقابة كونها الجسم الذي يحويهم ويحميهم.

تظاهرة في رام الله ضد اعتقال صحافيين فلسطينيين

تظاهر صحافيون وحقوقيون فلسطينيون أمس السبت في ارم الله احتجاجا على قيام أجهزة الأمن باعتقال ستة صحافيين، وضد قانون الجرائم الالكترونية الذي بدأ تطبيقه مطلع اب/اغسطس الجاري.
وحمل المشاركون في التظاهرة التي حضرها بعض أهالي المعتقلين لافتات تندد بملاحقة الصحافيين كتب عليها «الصحافة ليست جريمة».
واعتقلت أجهزة الأمن في الضفة الغربية قبل أيام ستة صحافيين، بينهم اثنان يعملان مع قناة «القدس» الفضائية وواحد مع قناة «الأقصى» التابعة لحركة حماس.
كما تعتقل حماس في غزة أحد الصحافيين من تلفزيون «فلسطين».
ونقل عن مصدر أمني فلسطيني ان الصحافيين اعتقلوا بتهمة «تهريب معلومات حساسة لجهات معادية».
وقال علاء الريماوي، مدير قناة «القدس» الفضائية الذي شارك في التظاهرة، للصحافيين «من أقر قانون الجرائم الالكترونية، يريد ان يصل إلى غسل الجسم الصحافي، ونحن الآن نواجه داخليا من قبل السلطة».
واستندت النيابة العامة في اعتقال الصحافيين إلى قانون الجرائم الالكترونية الذي يلاحق من ينشئ موقعا الكترونيا «يروج لأخبار تهدد السلم الأهلي».
وذكر مركز «مدى» المهتم بمتابعة أوضاع الصحافيين، ان 26 صحافيا اعتقلوا في قطاع غزة والضفة الغربية في النصف الأول من العام 2017.
واحتجاجا على الاعتقالات، طلبت نقابة الصحافيين من المؤسسات الإعلامية مقاطعة أخبار الأجهزة الأمنية والنيابة العامة.
وكانت الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية شنت في الضفة الغربية الأسبوع المنصرم حملة اعتقالات منظمة استهدفت خلالها العديد من الصحافيين الفلسطينيين، حيث وصل عدد المعتقلين إلى خمسة صحافيين، وتم تمديد اعتقالهم جميعاً بعد عرضهم على النيابة بالاستناد إلى قانون «الجرائم الالكترونية» مع تزايد المخاوف من استخدام هذا القانون لاستهداف المزيد من الصحافيين.
والصحافيون الخمسة المعتقلين هم طارق أبو زيد مراسل قناة «الأقصى» الفضائية أحمد حلايقة وممدوح حمامرة من قناة «القدس» وعامر أبو عرفة وقتيبة سالم مراسلي وكالة «شهاب» الإخبارية، وتم تمديد اعتقالهم لفترات مختلفة من 5 إلى 10 أيام. وأعلن الصحافيان طارق أبو زيد وممدوح حمامرة إضرابهما عن الطعام.
واستندت النيابة إلى المادة 20 من قانون «الجرائم الالكترونية» والتي تتعلق بـ«نشر أخبار من شأنها تعريض سلامة الدولة أو نظامها العام أو أمنها الداخلي أو الخارجي للخطر والترويج بأي وسيلة لتلك الاخبار بالقصد ذاته أو بثها أو نشرها».
وصادق رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في وقت سابق من هذا العام على هذا القانون، الذي يهدف إلى تنظيم المواقع الالكترونية الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي، وفرض عقوبات على من يخل بالسلوك العام أو يحرض من خلال المواقع. وتصل عقوبة الاخلال بالقانون الحبس لمدة لا تزيد على سنة أو غرامة مالية لا تزيد عن 1500 دولار أمريكي بالعملة المحلية.
ودعت نقابة الصحافيين الفلسطينيين عقب إصدار قانون الجرائم الإلكترونية إلى عدم إنفاذه وتجميد إجراءات نشره والعمل به، إلى حين الاطلاع عليه ودراسته من قبلها ومن قبل الجهات ذات العلاقة في مؤسسات المجتمع المدني، وعبرت عن قلقها إزاء طريقة إقراره من دون إخضاعه للنقاش والملاحظات من الجهات المعنية بما فيها النقابة، بل حتى من دون إطلاع النقابة عليه.
كما أدانت في بيان سابق أصدرته على أثر اعتقال الصحافيين الحملة الأمنية ورأت فيها هجمة مبرمجة على حرية العمل الصحافي، ومساً خطيراً بحرية الرأي والتعبير والحريات العامة عموماً. ودعت إلى الافراج الفوري عن الصحافيين المعتقلين الخمسة داعية إلى تجنيب وسائل الإعلام تداعيات الانقسام وتجاذباته والخطوات التصعيدية التي يتخذها طرفا الانقسام في الضفة وغزة.

الاحتلال مسؤول عن تراجع الحريات العامة في فلسطين 
بسبب ملاحقة نشطاء مواقع التواصل وقانون الجرائم الالكترونية
فادي أبو سعدى
- -

1 COMMENT

  1. تتصرف السلطة الفلسطينية وكإن فلسطين بلد مُحرَرْ ولها سيادة واستقلال ، بل وتمارِس عملها الداخلي من خلال
    أجهزتها الأمنية وجهاز الشرطة ، كانه ليس لهذه البلد عدو خارجي او ما زالت محتلة ، محاصرة من قبل قوات الاحتلال
    فتذهب الى مطاردة واعتقال من يخالفها الرأي ، لتقمع هؤلاء الذين ما زالوا يعانون من قمع الاحتلال
    كيف لسلطة لا تملُك القرار بالتصرف بشبر واحد من الأرض التي تقوم عليها مكاتبهم ، بأن يكون لها معتقلات ، سجون
    محققين ، سجانين ومخابرات ، لماذا ؟ لترقب الناس ومطاردتهم ، الم يكن دور هذه الأجهزة مصمَم لمطاردة العملاء
    والمأجورين ومن يقيضون مشروع الشعب النضالي التحرري ! لماذا غيروا الطريق ، ومن اجل مَن
    الم يقم دور هذه الأجهزة لحماية الثورة ومنجزات الشعب النضالية ، من اجل تحرير الأرض والانسان من براثن الاحتلال البشع
    الم تكن وظيفة الفدائي الذي ناضل في المنافي ، وتعرض لكل أنواع التنكيل ، القمع والتصفية من قبل اعدائه ، واحياناً
    اخوانه العرب ، هو حماية المشروع التحرري الوطني ومنجزاته ، وحماية الشعب الفلسطيني من بطش الاحتلال ، ومن اجل
    هذا الشعب قامت الثورة منه ولأجله ، (فكيف تحوَل الفدائي الى موظف بلدية وجابي ضرائب وشرطي لقمع مظاهرة)
    ونسى ان البلاد ما زالت محتلة وعلم الاحتلال يخفق في كل ربوع سمائها
    عندما يكون لنا دولة اسمها (فلسطين) ومعتَرَف بهذه الدولة عالمياً وأممياً ، ولنا السيادة الكاملة على ارضها وسمائها
    ولنا جيش يحمي حدودنا ويردع من يعتدي عليه ! وقتها يحق للدولة بأن يكون لها أجهزة أمنية ، ومخابرات للحفاظ على
    الأمن الداخلي ، بعد ان حصنوا حدود البلاد ، ونامت اعين الناس بالأمن والأمان
    لا تفعلوها من اجل الأحياء منا ، بل اكراماً لأرواح الشهداء
    الحرية لفلسطين وأهلها
    شكراً

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left