ثقافة المقاومة والتمرد في منطقة الريف أفرزتها عزلة سياسية واقتصادية واجتماعية

الطاهر الطويل

Aug 12, 2017

الرباط ـ «القدس العربي»: سطر سكان منطقة الريف المغربية ملاحم بطولية خالدة في سجل التاريخ، واتسمت الشخصية الريفية بمميزات خاصة من ضمنها التضامن والتآزر والمحافظة على القيم. ولئن كانت وعورة التضاريس قد تضافرت مع سياسة التهميش التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة في المغرب لعدة عقود، فإن ذلك لم يحط من عزيمة الريفيين المعروفين بحس التمرد والمقاومة، إذ راحوا يرسمون مسارات نضالية بهدف إقرار أسس الديمقراطية والتنمية المتوازنة وتكافؤ الفرص في منطقتهم وفي المغرب ككل، كما أن آخرين اختطوا لأنفسهم مسارات حياتية ومهنية وسياسية خارج البلاد، ما مكنهم من تبوء مراكز مهمة في بلدان الهجرة. الريف في المعجم المغربي مصطلح جغرافي ولغوي وإثني، فمن الناحية الجغرافية كلمة الريف تعني المنطقة الممتدة من مدينة طنجة غربا إلى نهر ملوية شرقا، ومن البحر الأبيض المتوسط شمالا إلى منطقة ورغة جنوبا. والريف إقليم من أقاليم المغرب التاريخية، فحسن الوزان ـ مثلا ـ صاحب كتاب «وصف افريقيا» يعدّ الريف الإقليم السادس من مملكة فاس.
وفي توضيح أورده الباحث والدبلوماسي المغربي علي الإدريسي، مردفًا ـ في حديث سبق أدلى به لمجلة عربية ـ أن مساحة الريف من الناحية اللغوية أقل من المساحة الجغرافية، أي أن الذين يتحدثون باللغة الريفية ينتشرون بين منطقة تارجيست غربا ووادي ملوية شرقا. أما من الناحية الإثنية فسكان الريف أمازيغ، تشترك ثقافتهم مع ثقافة المناطق الأمازيغية الأخرى في المغرب والجزائر وتونس وليبيا والنيجر. وهم السكان المعروفون في الكتب العربية باسم البربر، وحدد ابن خلدون ـ في القرن الرابع عشر الميلادي ـ بعض خصائص البربر قائلا: «هم الذين يأكلون الكسكس ويلبسون البرنس، ويحلقون الرؤوس، وتقع بلادهم بين السلوم شرقا وطنجة غربا، وهم مشهورون بشجاعتهم وحبهم للحرية والمروءة» ويتحدثون باللغة الأمازيغية مع اختلاف في النطق أوجدته البيئة الطبيعية والاجتماعية، ولسان الريفيين يسمى «تريفيت» وهم قوم محافظون في الأغلب.
الريف منطقة جبلية في أغلبها، صعبة المسالك، قليلة الموارد. إلا أنها عُرفت كمراكز تجارية منذ عهد القرطاجيين (الذين استمر حكمهم إلى القرن الأول قبل الميلاد) ويعتقد أنهم هم الذين أسسوا مدينتي مليلية وطنجة بوصفهما موانئ تجارية. وليس بعيدا ـ يقول الإدريسي ـ أن يكون غزو القرطاجيين لاسبانيا انطلق من هذين المركزين. ومن ناحية أخرى، اشتهرت مدينة سبتة الموجودة في غرب الريف بدورها في العهد الروماني والبيزنطي بصفتها همزة وصل بين ضفتي المتوسط في عهد القوط الإيبيريين.
وخلال العهد الإسلامي تميزت المنطقة بتأسيس أول إمارة إسلامية في المغرب، هي «إمارة النكور» التي عاشت نحو أربعة قرون، وكانت لها علاقات قوية ومتميزة مع الأندلس وخاصة في عهد الخلافة الأموية. وكان للمنطقة دور أساس في فتح الأندلس، فحاكم سبتة الذي ساعد المسلمين على العبور إلى الأندلس اسمه يوليان الغماري، وهو ينحدر من قبيلة غمارة الريفية. وما زالت المنطقة التي عبر منها طارق بن زياد النفزاوي وجيشه تحمل اسم جبل موسى، نسبة إلى موسى بن نصير الوالي، وهو الجبال المقابل لجبل طارق في الجهة الشمالية للمتوسط.
واستخلص علي الإدريسي من تاريخ المنطقة أن الريفيين اشتهروا بـ«ثقافة المقاومة» فهم قاوموا القرطاجيين، وحاربوا الرومان والقوطيين، ثم أصبحوا خلال ثمانية قرون من الوجود الإسلامي في الأندلس بمثابة خط الدفاع الثاني المتحفز دوما لإمداد الأندلس بعناصر المقاومة. وبعد طرد المسلمين من الأندلس، أصبحت منطقة الريف في مواجهة المد الإسباني فوق الشواطئ المغربية. وفي العصر الحديث تعد حركة محمد بن عبد الكريم الخطابي من أكبر مظاهر المقاومة حين وقف والريف معه ضد الاحتلال الإسباني.
وذكر الإعلامي والباحث مصطفى حيران في أحد أبحاثه أن جزءا من التهميش الذي شهدته المنطقة يعود إلى نحو قرن، حين خضعت للاستعمار الإسباني، بموجب اتفاق إسباني ـ فرنسي، بعدما تراكمت الديون على السلطان العلوي عبد العزيز لفائدة بلدان أوروبية، لاسيما فرنسا واسبانيا، ما اضطر السلطان الذي عجز عن دفع الديون ورفض ـ في الوقت نفسه ـ التدخل الأجنبي، إلى التخلي عن الحكم، ليتولى بعده أخوه عبد الحفيظ. غير أن هذا الأخير اضطر للتوقيع على عقد الحماية سنة 1912، وتنحى بدوره عن الحكم نتيجة غضب العلماء والأعيان.
وبدخول الاستعماريّن الاسباني (شمال المغرب) والفرنسي (الوسط والجنوب)، بدأت واحدة من المراحل العصيبة في تاريخ البلاد. غير أن منطقة الريف أفرزت إبان هذه المرحلة الاستعمارية واحدة من أبرز حركات التحرر في العالم، إذ تشكلت في سنوات العشرينيات مقاومة محلية للاستعمار الاسباني بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي المعروف محليا بلقب الأمير «مولاي موحند» وانتشرت ثقافة مناهضة الاستعمار بما توافر للمحاربين الريفيين من وسائل دفاع بسيطة: بنادق، أسلحة بيضاء، ووظف القائد محمد بن عبد الكريم الخطابي بسالة أولئك المحاربين الأشداء لمنازلة آلاف الجنود الاسبان المدججين بأحدث الأسلحة حينئذ. وظلت واحدة من المعارك التي دارت في جبال منطقة الريف وأحراشها خالدة ضمن تراث المقاومة محليا وعالميا، وأطلق عليها اسم معركة أنوال (1921) وتكبد فيها الجيش الاسباني خسائر فادحة، وأسر المقاومون الآلاف من الجنود الإسبان، ما تسبب في أزمة سياسية خطيرة عصفت بالحكومة الاسبانية آنئذ.
ودفعت هذه المقاومة التي أبهرت العالم بأسره، القائد الخطابي إلى تنظيم شؤون الحياة المحلية في منطقة الريف سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، جاعلا من الخصوصيات المحلية أساسا لهذا التنظيم، وهو ما أثار مخاوف الكثيرين، سواء على مستوى السلطة المركزية التي كانت ما تزال تحتفظ بموقعها الرمزي في الفترة الاستعمارية، أو من طرف الاستعمارين الاسباني والفرنسي، لاسيما أن الانتصارات المذكورة كانت تجد صداها القوي في بقية مناطق المغرب، وعبر أنحاء العالم، الأمر الذي كان بصدد منحها مشروعية سياسية متعاظمة. وعندئذ، تضافرت جهود القوتين الاستعماريتين، الفرنسية والاسبانية، بكل ما امتلكتا من عشرات الآلاف من الجنود والأسلحة المتطورة المختلفة، للقضاء على المحاربين غير النظاميين، وهو ما تحقق للجيشين المتحالفين في نهاية المطاف، وأُسر الأمير الخطابي، ونفي إلى جزيرة «لارينيون» حيث استمرت مرحلة النفي طويلا حتى وفاة هذا القائد العسكري والسياسي سنة 1963 في القاهرة التي دفن بها، بعيدا عن موطنه، وألهم الخطابي ـ في ما بعد ـ العديد من حركات التحرر في العالم كالثورة الكوبية والتمرد الفيتنامي ضد الاستعمار الأمريكي.
وشهدت المنطقة نوعا من التمرد خلال سنتي 1958 ـ 1959 عقب استقلال المغرب عن فرنسا (1956)، عندما تضافرت حينها عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية لحدوث تمرد بقيادة أحد أبناء المنطقة، هو محمد سلام أمزيان، ما أسفر عن مواجهات دامية مع السلطات العسكرية والأمنية، خلفت مئات القتلى والجرحى، بعدما أطلقت على المتمردين المعتصمين في الجبال أعيرة نارية وقنابل.
ومنذ ذلك الحين، ظلت المنطقة موشومة بالتمرد في عرف السلطات المركزية في الرباط العاصمة، وبقيت في عزلة شبه تامة، بل أصبحت معقلا لتجارة التهريب والمخدرات (القنب الهندي الزراعة الوحيدة التي تدر عائدات مهمة) ولم يتم بذل جهود بنيوية على المستويات الاقتصادية والزراعية طيلة ما يقارب من نصف قرن لفض العزلة المذكورة، وبالتالي استمرار ذلك الحذر والحيطة المتبادلين بين الحكم المركزي وسكان المنطقة.
وكان ضروريا انتظار سنة 1999 مع موت العاهل الراحل الحسن الثاني لتحظى المنطقة بزيارة خلفه الملك محمد السادس، وانطلاق التفكير في تنمية ممكنة ما زالت لم تبرح هذا المستوى.
وفي 24 شباط/ فبراير 2004، اهتز بقوة جزء من منطقة شمال المغرب وتحديدا مدينة الحسيمة، إثر زلزال عنيف بلغ 6،3 درجة على سلم ريختر، مخلفا أكثر من 600 قتيل ونحو 200 جريح حسب الإحصاءات الرسمية، في حين ذهبت إحصاءات المنظمات المدنية المحلية إلى أكثر من ذلك، وأدى وقوع الزلزال ليلا إلى أن يلقى الكثيرون حتفهم محاصرين تحت الأنقاض أو اختناقا بالغبار الكثيف الذي خلفه انهيار المنازل.
وحطت طائرة العاهل المغربي في مطار الحسيمة في اليوم الرابع الذي أعقب الزلزال، وإذاك فقط بدأت عمليات إغاثة المنكوبين تأخذ وتيرة متسارعة، إن من حيث إسعاف الجرحى والمعطوبين أو إيواء المنكوبين. إلا أن عمليات تسلم وتوزيع المساعدات المختلفة الواردة من داخل البلاد وخارجها (من خيام وأغطية وأدوية ومواد غذائية وملابس وغيرها) وكذا عمليات حصر أعداد المتضررين شابتها عدة تعقيدات، الأمر الذي خلف حالات فوضى كادت تتحول إلى احتجاجات ومظاهرات عارمة، بل والأسوأ مواجهات بين قوات الأمن والمدنيين المحتجين.
ويسجل مصطفى حيران في دراسته، أن منطقة الريف المغربي تعتبر بمثابة قلعة جغرافية محاصرة بجبال وأودية وعرة، كانت شاهدة على حدة البتر القاري، كما تقول واحدة من الفرضيات الجيولوجية، أن الأصل كان كتلة قارية واحدة كبيرة منذ ملايين السنين في هذه المنطقة من العالم، قبل أن تنفصل إلى قارتين (الأوروبية والافريقية) وإن ما يساعد مثل هذا الطرح ـ نظريا على الأقل ـ هو القرب الحثيث بين الضفتين الشمالية والجنوبية في هذه المنطقة، إذ إن المسافة بينهما لا تتجاوز في بعض المواقع أربعة عشر كيلومترا.
وأدت الوعورة الجغرافية للمنطقة وعزلتها الطبيعية إلى جعلها تفتقر إلى اكتفاء ذاتي من المنتج الزراعي. غير أن «ازدهار» زراعة القنب الهندي (الحشيش) نتيجة توافر التربة والمناخ المناسبين والطلب العالمي المتزايد، حوّل المنطقة إلى واحدة من أهم أوكار إنتاج المخدرات، وأدى بالتالي إلى ظهور مافيا تسويق لها شبكات توزيع معقدة في الداخل والخارج.
ولعل التهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي مورس على المنطقة بعد استقلال المغرب جعلها على رأس قائمة المناطق المغاربية التي تستنزفها الهجرة إلى الخارج، وبخاصة إلى أوروبا. والملاحظ أن المهاجرين الريفيين ـ بخاصة الجيل الثاني منهم ـ لم يكتفوا بطلب الرزق، فاليوم سواء في فرنسا أو في بلجيكا أو هولندا، هناك زعامات سياسية ونقابية وشبابية تعود أصولها إلى منطقة الريف المغربي، وهناك من وصل إلى منصب الوزارة، وهناك من وصل إلى البرلمان، سواء على صعيد البرلمان المحلي أو الأوربي، وهناك من وصل إلى مراكز قيادية حزبية.

ثقافة المقاومة والتمرد في منطقة الريف أفرزتها عزلة سياسية واقتصادية واجتماعية

الطاهر الطويل

- -

1 COMMENT

  1. ماذكرته يا استاذ الطويل مشمول بالتعميم البعيد عن الدقة العلمية والموضوعية المطلوبة في تناول مثل هذه المواضيع وخاصة في استمداد بعض الأحكام والاستنتاجات من المراجع والنصوص التي ذكرتها دون الأخذ بعين الاعتبار العأمل التاريخي والسياسي والقبلي المؤطر لها.وهو ماأدى الخلط في مجال تحديد المكونات البشرية لشمال المغرب.فقباءل جبآلة ومنها غمارة تشكل الثقل البشري والجغرافي لهذه المنطقة بمدنها وقراها كطنجة وتطوان والعرائش والقصر الكبير والشاون….الخ وهي غير ناطقة بالأمازيغية ولهجاتها تنهل من العربية بشكل ملموس وبارز .وعرف عنها تاريخيا شدة الباس في مواجهة الاستعمار الخارجي والابتعاد عن كل النعرات الانفصالية مهما كان مصدرها ودوافعها .إضافة إلى كونها كانت تضم أهم مراكز تدريس العلوم الإسلامية. ويتبع أن شاء الله.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left