حراك الريف: أبعد من طحن الأجساد

صبحي حديدي

Aug 12, 2017

ليس من صواب التحليل، الاجتماعي أولاً، ثمّ السياسي والحقوقي، أن يفصل المرء الحراك الشعبي في منطقة الريف المغربية عن شبكة المؤثرات المترابطة التي كانت وراء انطلاقته، واستمراره في زخم عريض وحيوي؛ سواء على الصعيد المحلي، في مدينة الحسيمة وجوارها، وأرجاء الريف الأمازيغي عموماً؛ أو على الصعيد الوطني المغربي، الذي شهد تضامناً شعبياً واسعاً مع الحراك، في معظم المدن الرئيسية؛ أو، أخيراً، على الصعيد العربي، وضمن سياق التطورات التي أعقبت موجات ما يُسمّى بـ»الربيع العربي».
ولعلها ليست محض مفارقة مأساوية، ودامية، أن يتشابه احتراق جسد محمد البوعزيزي، بائع الخضار والفواكه الفقير، في سيدي بوزيد التونسية؛ مع طحن جسد محسن فكري، الصياد الفقير في ميناء الحسيمة المغربي. ذلك لأنّ الفقر، مقترناً بانتهاك الكرامة على يد ممثلي السلطة في تونس والمغرب، كان المحرّك الأوّل خلف المشهدين؛ ومن هنا كانت الشرارة التي ستتكفل باندلاع اللهيب الشعبي.
صحيح، في المقابل، أنّ مطالب الحراك الشعبي في الريف المغربي لم تتبلور حول أيّ من شعارات تغيير النظام جوهرياً، وبدأت وما تزال تتواصل حول مطالب «جامعة، ومستشفى، وشغل»، فضلاً عن إحقاق حقوق شتى اقتصادية واجتماعية ومعيشية وخدمية؛ إلا أنّ أيّ عاقل لا يتجاسر على فصل ما شهدته مناطق الريف، بعد طحن جسد الصياد الفقير، عن الحراك الجنيني الذي اجتاح المغرب في 20 شباط (فبراير) 2011، وكانت مطالبه أوسع نطاقاً من كلّ مطلب محلي ضيّق، لأنها في الجوهر تناغمت مع ما كانت الشوارع الشعبية العربية تشهده في تونس وليبيا ومصر واليمن والبحرين وسوريا.
في المستوى الثاني من شبكة المؤثرات المترابطة، كانت الحسيمة تردد أصداء حاجات شعبية عابرة لمنطقة الريف، لأنها ببساطة كانت تشمل المغرب بأسره، وتخصّ سياسات اقتصادية واجتماعية وطنية الإطار، جامعة للبلد بأسره، في المدن كما في الأرياف، ومن بطاح الصحراء إلى ذرى الأطلس. ولم يكن غريباً، في هذا، أن تتضمن وثيقة مطالب الحراك الشعبي، التي قُدّمت إلى سكان الريف والسلطات في 5 آذار (مارس) الماضي، جملة مطالب لا تقتصر على الريف وحده، وتشير مباشرة إلى حركة 20 فبراير 2011.
وحتى حين تطالب الوثيقة برفع الملاحقات عن مزارعي القنب الهندي، بوصفه نشاطاً زراعياً رئيسياً يكفل لقمة العيش الوحيدة للآلاف، أو معاقبة كل مجموعات الضغط المتورطة في الاختلالات التي يعرفها قطاع الصيد البحري، أو استغلال مؤهلات المنطقة الفلاحية لتحقيق اكتفاء ذاتي غذائي»؛ فإنّ هذه المطالب كانت تحيل إلى معضلات وطنية مغربية أوسع، نجمت أساساً عن اشتراطات صندوق النقد الدولي واتفاقيات «سيرورة برشلونة» مع الاتحاد الأوروبي، مطلع التسعينيات، حيث فُرضت على المغرب سلّة إجراءات مجحفة في «لَبرلَة» الاقتصاد وخيارات الاستيراد والتصدير وتنظيم الاستثمار.
وفي المستوى الثالث من شبكة المؤثرات المترابطة، ثمة عجز القوى السياسية المحلية، والتنظيمات الحزبية ذات الحضور الجماهيري، عن استضافة هذه المطالب المحقة، أو احتضان الحراك الشعبي وتطوير شعاراته على نحو يكفل التضامن الشعبي الوطني الأوسع والأعلى فاعلية وجدوى. وكما جرى في مواقع أخرى لهذا «الربيع العربي»، اقتصر حضور تلك القوى على ملاقاة السطح وليس التوغل في الأعماق (وهذا ما يصحّ أن توصف به مواقف حزبَيْ «العدل والإحسان» و»الاصالة والمعاصرة» في المغرب)؛ إما لاعتبارات تتصل بواقع التحالفات مع «السلطة المخزنية»، وفق الاصطلاح المغربي العريق، أو لاعتبارات أخرى عقائدية وإقليمية قاصرة عن استيعاب دلالات الحراك الشعبي في الأصل.
هذه ثلاثة، فقط، من مستويات أخرى تحكم المشهد الراهن في الحسيمة وجوارها؛ إذا جاز للمرء أن يؤجل النظر في حقائق الريف التاريخية والاجتماعية والثقافية الأخرى، وأبرزها أنه موطن التمرد والاحتجاج والعصيان، ليس ضدّ السلطات المركزية وحدها، وليس لأنّ صياداً فقيراً طُحن جسده علانية، على مرأى ومسمع أبناء الريف.

حراك الريف: أبعد من طحن الأجساد

صبحي حديدي

- -

14 تعليقات

  1. طغاة العرب لا ينفع معهم ربيع ولا خريف, فلا يفل الحديد إلا الحديد
    هذه أنظمة فاسدة للنخاع لا ينفع معها إصلاح
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. تصحيح: العدل والإحسان هي جماعة محظورة وليست حزبا، وأكيد أن الكاتب يقصد حزب العدالة والتنمية.

  3. ” (وهذا ما يصحّ أن توصف به مواقف حزبَيْ «العدل والإحسان» و»الاصالة والمعاصرة» في المغرب)”
    المقصود طبعا هو حزب العدالة و التنمية وليس العدل والإحسان.

  4. من الموضوعية أن نجزم أن تعثر المسار الديموقراطي والمجال الحقوقي في المغرب مرده لعوامل ذاتية ولا يمكن بأي حال أن ندعي أن المحيط الإقليمي أو عوامل “جيوسياسية” حرفت المسار عن منحاه المنشود، فالدولة العميقة ومن ورائها المؤسسة الملكية وبتواطؤ غير معلن مع نخب سياسية منبطحة كانت ولازالت السبب الرئيس والعامل الأهم في عدم تحقيق انتقال ديموقراطي وتنمية اقتصادية، متى تأملنا التجربة التركية خلال العقدين الفارطين تبين لنا أن الحكومات المنتخبة والتيالتي تمتلك شرعية إذا استندت لدعم وإرادة شعبية في التغيير الجاد تحقق المراد، تركيا لا تمتلك حقول غاز طبيعي ولا آبار نفط لكنها استطاعت بناء أقوى اقتصاد في المنطقة رغم إغلاق الإتحاد الأوروبي الباب في وجه طلبها للعضوية. تركيا أضحت اليوم تفرض احترامها حتى على القوى العظمى، تعامل روسيا والولايات المتحدة بندية. فبدل الإقتداء بالتجارب الناجحة، نجد الطابور الخامس في بلدي المغرب لا يفتئون يذكروننا في كل لحظة وحين بما آلت إليه الأوضاع في سوريا والعراق واليمن وليبيا ولسان حالهم يقول:” إن الأعور بين العمي سلطان!” مشكلتنا في المغرب كما في أوطان أخرى فاوض الشعب الحاكم على حقوقه وكأنه يرجو صدقة وقبلنا أنصاف الحلول، فبقينا كما يقول المثل المغربي الشائع:”كزوجة المنحوس لا هي طالق ولا هي عروس″. صرح منذ يومين وزير العدل السابق السيد مصطفى الرميد بقوله:” لسنا بلدا ديموقراطيا ولكن لسنا تحت حكم استبدادي” !!؟

  5. ” لا تسقني ماء الحياة بذلة بل بالعز اسقني كأس الحنظل ” .
    السيد مستَعبد لأطماعه ولجشعه وقد أحاط بنفسه كل مفاصل الإقتصاد التي تدر عليه الأموال الطائلة فالنقل والإعلام والإتصالات والتأمينات والمناجم والصحراء الغربية وما تدر ومزارع النعام وغيرها.
    هذا صنف من الإستعباد وقد استعبد واستعبد ثالوث ليس يسري عليه تطبيقه إنما على من هم دون فـ الله الملك الوطن بها يضرب كل قُن خرج عن طوع سيده.
    أما الله فكل حر في اعتقاده.
    وأما الملك فهو عبد مثل العباد.
    وأما الوطن فحبه تحصيل حاصل وليس للملك أو غير من تجار الوطنية أن يزايدوا على ذلك.
    أما الصنف الآخر من الإستعباد من أجل فُتات الذي به ، الفُتات، قد باع نفسه ليكرس استعباد سيده له ولبني جلدته.
    أما عن الحسيمة فهي لم تحسم أمرها واكتفت بأن تبعث برسالة إلى العقل الباطن الذي يريد التحرر ولم يجد بدا من ذلك لأن صاحبه سوف يثور يوما على نفسه أولا ثم من أجل الحرية.
    والطمع هو سبب كل بلاء.

  6. القوى السياسية والتنظيمات الحزبية لم تعجز فحسب عن احتضان الحراك الشعبي بالريف بل وشاركت في مؤامرة تخوين زعماء هذا الحراك حين أعلنت الأحزاب السياسية المشاركة في الحكومة في أول رد فعل لها أن الإنتفاضة لها نزعة انفصالية في محاولة لنزع أي مشروعية عن مطالب الحراك فيما التزمت أحزاب ما يسمى بالمعارضة بالصمت المريب، مواقف مخزية كان من الممكن أن تشعل فتنة نزاع إثني. خذلان القوى السياسية للإنتفاضة السلمية شجع الدولة العميقة على تبني المقاربة الأمنية والزج بعشرات الشباب ظلما في السجون، استراتيجية لم تهدف منها الدولة العميقة قمع الحراك فقط ولكن أيضا إرسال رسائل مشفرة لكل الشباب الرافض للخنوع أن يختار بين التهميش و”الحكرة” أو السجن والإذلال. إنبطاح النخب السياسية لم يشفع لها لدى الملك، حيث لم يتردد في اتهامها بالتسبب في تردي الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية في المملكة وأعلن الملك صراحة عن عدم ثقته بها في خطابه الأخير!!!

  7. سيدي الكريم ظني بك اردت الاشارة الى الحزب الاسلامي الاخواني العدالة والتنمية الحاكم وليس الجماعة المعارضة التي كانت ضمن القوي الرئيسية في حراك 20 فبراير,العدل والاحسان ولازال المغرب يحاصرها حتى الان

  8. *كان الله في عون الشعوب(العربية ) المنكوبة
    من المحيط الى الخليج.
    حسبنا الله ونعم الوكيل
    في كل حاكم ظالم فاسد جاهل.
    سلام

  9. كيف ستتصرف الأجيال الحالية وهي تتعلم في المدارس نقيض ما تلامسه على أرض الواقع ؟
    مادة التاريخ أو الاجتماعيات تتنحدث عن العدل والمساواة والديمقراطية وحب المواطن واعطاء كل ذي حق حقه ، وأن العرب وحدة واحدة ضد الأعداء ، وأن الأقصى هدفهم جميعا ، وأن الرئيس يعمل ليلا ونهارا لخدمة الشعب ، وأن الفاسد مآله إلى السجن لنيل عقابه الرادع !.

  10. حاولت تجنب التعليق لأجل الابتعاد عن استحضار شيطان اسمه الجزائر يتلبس روح بعضهم بمجرد أن يجدوا تعليقا لي في أمر مغربي..
    ولكن نحن على دأبنا نبث أفكارا نرجو بها وجه الله لا يحركنا الحقد ولا نأبه للغثاء..
    لمن يعتقد أن تكذيب حسين مجذوبي هو وطنية وواجب قومي فهو واهم، ولا أظن الكاتب أراد إلا الخير للمغرب من خلال الإشارة إلى واقع سياسي قديم مسكوت عنه بدأ يطفو إلى السطح.
    أولا من ناحية التساؤل حول جدية وجدوى المصالحة مع ضحايا سنوات الرصاص، ومحاولة السلطة الظهور بوجه ديمقراطي وتجديدي، في حين أن لا شيء تغير في عمق آليات الحكم ولا شيء تبدل من ناحية علاقة السلطة بالشعب واقعيا، على كل المستويات رغم كل الطنطنة الاعلامية الفارغة.
    وثانيا من ناحية اختيار السلطة للمنهج الأمني في التعامل مع احتجاجات الريفيين ملقية المسؤولية على الجانب المدني وهم أعلم الناس أن كل ما هو مدني في المغرب لا يحل ولا يربط ولا يملك سوى واجب الطاعة وتجديد عهد البيعة في تنصل واضح من السؤولية كما أشار إلى ذلك بن كيران.
    من البداية كان حراك الريف حراكا سياسيا بامتياز لم تستطع السلطة ثنيه ولا حصره في مطالب اجتماعيىة رغم الآلة الاعلامية الكثيفة التي اتسخدمتها لأجل تسليط الضوء على أعلى هرم المطالب دون الخوض في أسسها وخلفياتها من جهة، ومن خلال استعمال سلاح التخوين والعمالة من جهة أخرى. ومن لم يدرك سياسية حراك الريف من البداية فهو أمي في علوم الاجتماع بكل أنواعها.. هذا إن لم يكن قصده من البداية العمالة المقنعة والمغالطة مدفوعة الأجر..فكل حركة احتجاج منظمة ضد السلطة هي حركة سياسية مهما كانت مطالبها سلمية واجتماعية.
    خطورة المقاربة الأمنية وتكميم الأفواه قد تعطي نتاجا عكسيا، وما كان ممكنا فيما مضى صار اليوم مخاطرة كبيرة.وأنا لا أرى للمغرب طريقا سوى الانخراط الجدي في تقبل أخطائه كبداية لتصحيحها.
    تطور المغرب (أو أي بلد آخر) مرهون بمواجهة الحقيقة لا بتزيينها. ولا بد للأحرار أن يضطلعوا بمهمة النقد الذاتي والبحث عن الحل بدل ترك المجال لجيوش العياشة الالكترونية تسفه كل رأي من قبيل لا أريكم إلا ما أرى..
    تمنيت لو أن شعب الجزائر استفاق بشكل حضاري كما فعل الاخوة في المغرب ولكن سبات الجزائريين طال، وطبقة المنافقين استحكمت والخوف كل الخوف من الانفجار الذي لن يترك حجرا إلا وقلبه لا قدر الله.
    في المغرب فرصة تغيير حقيقي لا يجب أن يضيعه

  11. جربنا كل – الاحزاب – في الحكم فكانت النتيجة دائما صفر على اليمين وصفر على اليسار فبكل اسى واسف كانت هده الدكاكين دائما متورطة حتى النخاع في احداث هدا الشرخ وهدا الفساد المستشري على كل الاصعدة فمن يا ترى تجب محاسبته ومعاقبته محتجو الريف ام اولئك المسؤولون وامناء تلك الدكاكين الدين كانوا دوما وابدا يساهمون بشكل كبير في تعميق الماسي والمعاناة بدل العمل على حلها رحمة بالوطن والمواطن ان صح التعبير؟ فمتى يستمع من هم في هرم السلطة لصيحات الشعب التي بح صوته لانقاد البلاد والعمل على اصلاح دات البين تجنبا لكل ما لا تحمد عقباه؟

  12. في عهد الحسن الثاني كانت دولة مخزنية باسس دولة, حكم ديكتاتوري وموالاة ومعارضة وكانت الاحزاب تلعب دورها.اما في عهد محمد السادس فقد المغرب كل مقومات الدولة فلا وجود للاحزاب ولا للمؤسسات, مجرد مافيا تنهب البلاد,والفساد يعم كل القطاعات,كبار الضباط استولوا على الضيعات والعمارات, حاشية الملك تسيطر على كل اقتصاد البلاد,القضاء فاسد, ….الخ.

  13. محسن فكري، الصياد الفقير
    استوقفتني هذه الجملة لاصوب معلومات تتداول عند الكثيرين
    فالتاجر الذي يتاجر في الاسماك بالملايين ليس بالفقيرفهو رحمة الله عليه كان يبحث عن الربح الاكثر و لذلك حاول مراوغة مراقبي الميناء
    و الطبيب البيطري و عدم دفع الرسوم

  14. أعتقد أن كل ما يعيشه المغرب من شد وجدب ما هو إلا مخاض صحي نحو دولة الحق والقانون.فالمغرب في إعتقادي يبقى الأفضل مقارنه بمحيطه العربي.أما بالنسبة لحراك الحسيمة.مطالبه مشروعة وجب على المسؤوليين تنفيدها عاجلا كما يجب على المتظاهرين إعطاء مهلة لتنفيدها.هنا لا أتحدت مع من يركب على الحراك ويصب الزيت في النار.انتهى الكلام

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left