حراك الريف ينهي أسطورة الاستثناء في المغرب

د. حسين مجدوبي

Aug 12, 2017

هل انتهى الاستثناء المغربي؟ إنه التساؤل الذي يردده أكثر من باحث ومهتم بالشأن الداخلي المغربي والدوائر الأوروبية خاصة في اسبانيا وفرنسا في أعقاب استمرار الحراك الشعبي في الريف منذ ثمانية أشهر والتهديد بالانتقال إلى مناطق أخرى من المغرب. ويأخذ التساؤل شرعيته من ملامح غياب الاستقرار وكيفية حضور صورة المغرب في الإعلام الدولي خلال الأسابيع الأخيرة. وعمل الملك محمد الخامس غداة الاستقلال على نحت الاستثناء المغربي عندما اختار الليبرالية نهجا سياسيا للبلاد وراهن على التعددية في مواجهة حزب الاستقلال الذي كان قويا ويزاحم المؤسسة الملكية في الشرعية ويعتبر نفسه الحزب السياسي الوحيد صاحب الشرعية والمعتمد لتسيير شؤون البلاد. وعمل ابنه الملك الحسن الثاني على ترسيخ فكرة الاستثناء خاصة بعدما بدأ ما اصطلح عليه سنة 1975 بالمسلسل الديمقراطي، كما يعمل الملك محمد السادس على تعزيز هذه الأطروحة خلال العقدين الأخيرين عبر مشاريع سياسية واقتصادية.
 
من محمد الخامس إلى السادس

والواقع أن فكرة الاستثناء المغربي هي نتاج الظروف السياسية وكانت أوضح في بداية الاستقلال. في هذا الصدد، شارك في الحصول على الاستقلال طرفان، الأول وهو الحركة الوطنية المتجلية ومنها حزب الاستقلال وجيش التحرير ثم الطرف الثاني هو المؤسسة الملكية. وكان الطرفان يتقاسمان السلطة في ربوع البلاد، وقد وقعت مواجهات سياسية بينهما تحولت إلى ملاحقات عسكرية. ويعني الاستثناء المغربي في العمق، التعددية الحزبية، في وقت كانت معظم الدول العربية وباقي دول العالم الثالث بعد استقلالها تراهن على الحزب الوحيد أو حكم العسكر أو الجمع بينهما كما حدث في الجزائر من خلال التحالف بين جبهة التحرير الوطني والجيش.
وبدأ الاستثناء يتحول إلى شبه سراب ابتداء من الستينات، لأن الملك الراحل عمل على تهميش الأحزاب بل وملاحقتها بتهم شتى أحيانا بتهمة الخيانة في حرب الرمال وأحيانا بالتورط في الانقلابات أو التخطيط لها، حتى انفراده بالسلطة سنة 1965. ولكن هذا لم يمنع من وجود بوادر استثنائية جنينية تتجلى في تعددية نسبية للغاية، شكلت متنفسا للمجتمع المغربي، حيث تطورت الأحزاب السياسية والنقابات وجمعيات المجتمع المدني ومنها الجمعيات الحقوقية رغم الفاتورة الباهظة التي جرى دفعها من اعتقالات واختطافات وسياسة الإقصاء الممنهج.
والاستثناء المغربي في يومنا الحالي يعني اتفاقا غير موقع بين الشعب المغربي والدولة المخزنية، فالأول لا يطالب بتغيير النظام وتكون الانتفاضات في إطار لا ينتقل إلى الراديكالية التامة رغم محاولات قليلة باءت بالفشل ونعني بها تغيير النظام الحاكم، مقابل التزام الدولة المخزنية بعدم تحويل المغرب إلى ليبيا أو سوريا أو السعودية، ذلك أن الرهان على تحويل المغرب إلى دولة مثل هذه الدول، حظر الأحزاب وآلاف المفقودين وعشرات الآلاف من المعتقلين، يعني مغامرة المؤسسة الملكية واحتمال نهايتها.
ويمكن اعتبار الربيع العربي عنوانا بارزا لهذا التصور المتحكم في المشهد السياسي المغربي. فبينما خرجت الشعوب في دول مثل مصر وليبيا وسوريا وتونس تطالب بإنهاء النظام الحاكم، وهو ما ترجم عمليا في طرد ديكتاتوريين مثل الرئيس التونسي زين العابدين بن علي والمصري حسني مبارك والليبي معمر القذافي، اقتصرت مطالب حركة 20 فبراير على إصلاح جذري للدستور المغربي من خلال ملكية برلمانية تسود ولا تحكم أو على الأقل لها دور بارز في التحكيم والإشراف على المشاريع الكبرى بدل التسيير اليومي ثم الابتعاد عن المشاريع الاقتصادية الذاتية تطبيقا لشعار «لا للجمع بين الثروة والسلطة».
وكل دراسة معمقة لمفهوم الاستثناء المغربي في أعين مراكز التفكير الاستراتيجي وكذلك الحكومات الغربية هو استمرار لهذا التوازن بين الطرفين، وهو توازن تكسر في منطقة معينة وهي الصحراء، إذ أن المطالبة بتقرير المصير أربكت الدولة في الحفاظ على التوازن.
 
حراك الحسيمة

وفي وقت ساد فيه الاعتقاد وسط المغرب وفي الدوائر الدولية سواء الحكومات أو معاهد التفكير الاستراتيجي بهدوء الأوضاع في المغرب، وكتب أكثر من باحث عن الاستثناء المغربي خلال السنوات الأخيرة نتيجة تعديل الدستور سنة 2011 ونتيجة ائتلاف حكومي برئاسة حزب إسلامي قاده عبد الإله بن كيران، يندلع الحراك الشعبي في الريف ومعه بداية التشكيك في النموذج المغربي أو مقولة الاستثناء.
من عناوين التشكيك المقالات التي نشرتها جرائد دولية كبرى مثل «نيويورك تايمز» و«نيوزويك» و«لوموند» و«الباييس» و«القدس العربي» كلها تتساءل: هل سيمتد الحراك الشعبي في الريف إلى باقي المغرب؟ في الوقت ذاته، من عناوين التشكيك في الاستثناء المغربي حضور الملف لدى مختلف حكومات الغرب وخاصة أوروبا. ومن ضمن الأمثلة: تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته إلى المغرب وتأكيده في الندوة الصحافية أنه عالج موضوع الريف مع الملك محمد السادس. وتضاف إلى هذا أسئلة حول الحراك في البرلمان الأوروبي وبرلمانات وطنية أوروبية مثل اسبانيا وهولندا وبلجيكا. ولعبت الجالية المغربية ولاسيما الريفية دورا هاما في إنهاء أسطورة الاستثناء المغربي، إذ شهدت مدن أوروبية مثل مدريد وبرشلونة وباريس وبروكسل وأمستردام ودوسلدوف ولاهاي وبرلين وجنيف وغيرها، أكثر من 40 تظاهرة جعلت الإعلام الدولي يهتم بالملف ومستقبله.
ويبقى السؤال: لماذا فاجأ الحراك الشعبي في الريف الصحافة الدولية والباحثين في المراكز الدولية بل حتى فئة كبيرة من المغاربة؟ هذا يعود إلى الرؤية الخارجية للتفاعلات الاجتماعية والسياسية التي يشهدها المغرب. في هذا الصدد، تركز اهتمام مختلف الباحثين على العامل السياسي، وهذا يترجم عبر مدى قوة هيئة سياسية مناهضة للحكم القائم، الملكي، أو على الأقل حزب سياسي قوي قادر على تحريك الشارع ضد الحكومة. والبحث سيقود إلى جواب مريح وهو: الحركة الأكثر تنظيما وهي العدل والإحسان لا توجد ضمن مخططاتها المواجهة مع المؤسسة الرئيسية في البلاد وهي الملكية. وفي الوقت نفسه، الحزب السياسي الرئيسي في المعارضة وهو الأصالة والمعاصرة لا يمتلك برنامج ضغط على حكومة الائتلاف بقيادة سعد الدين العثماني بهدف الدفع نحو انتخابات تشريعية سابقة لأوانها.
وما يشجع الباحث أكثر في الحصول على الأجوبة المريحة تجنب الدولة المغربية حتى الأمس القريب عبر أدواتها الأمنية والاستخباراتية ممارسة ما يعرف بالعنف الوحشي، أي الاعتقالات والاغتيالات على شاكلة مصر مثلا أو الاعتقالات فقط على شاكلة ما تشهده تركيا بعد فشل الانقلاب العسكري الصيف الماضي ضد الرئيس أردوغان. لكن بدأت في الأسابيع الأخيرة تقع انزلاقات مقلقة وخطيرة مثل نسبة المعتقلين الذين فاق عددهم الـ 250 ومقتل الشاب العتابي.
وإذا كانت الرؤية الأولى تقوم على ترمومتر الحرية السياسية وحرية التعبير، هناك رؤية ثانية وهي رئيسية بل حاسمة في الكثير من الفترات التاريخية، وهي مدى تلبية الدولة للحاجيات الاجتماعية للمواطن المغربي من ضمان صحة وتعليم وشغل ومستوى لائق من المعيشة. وبالتأمل في الرؤية الثانية، سنجد أنها العامل الذي حرك الكثير من الثورات عبر التاريخ وتعرف أحيانا باسم «ثورة الجياع»، لكن غاب هذا العامل نسبيا خلال العقود الأخيرة من التحاليل بسبب غلبة السياسي خاصة الحريات السياسية على الاجتماعي.
وعمليا، نبهت تقارير دولية سواء مراكز التفكير الاستراتيجي أو مؤسسات عالمية مثل الأمم المتحدة من هذا العامل. ومن ضمن الأمثلة: المراتب غير المشرّفة التي يحتلها المغرب في تقارير التنمية البشرية والتي تتأرجح بين 120 إلى 130 وهي ناقوس خطر للدولة المغربية باقتراب البلاد من النفق الاجتماعي واحتمال انفجار الأوضاع سواء على المستوى المحلي أو الوطني. وهذا جعل الملك يقول في خطاب العرش الأخير 29 تموز/يوليو الماضي أن الوضع الاجتماعي مخجل.
 والمتأمل في الخريطة الاجتماعية للمغرب سيندهش من كثرة الاضطرابات الاجتماعية اليومية حول مطالب بسيطة مثل الحق في ماء الشرب والمطالبة بمستوصف أو بمدرسة تحترم الحد الأدنى للتدريس. وكما حدث في السنوات الماضية، عندما كانت مدينة من المدن تشهد انفجارا مثل الدار البيضاء سنتي 1965 و1979 وتطوان والحسيمة والناضور سنة 1984 وفاس سنة 1990 انفجرت الأوضاع هذه المرة في الحسيمة وبشكل أكثر تنظيما يقوم على السلمية ومحرج للدولة المغربية لنوعية المطالبة رغم مناورة الدولة باستعمال تهمة الانفصال لتشويه الحراك.
وأعطى الحراك الشعبي في الريف صورة مغايرة عن المغرب في الخارج، ولا يقتصر هذا فقط على مستوى التشكيك في الاستقرار بل هشاشة التسويق الدبلوماسي الذي اعتمده المغرب خلال السنتين الأخيرتين وهو المشاركة في تنمية افريقيا. وهنا يحضر التساؤل الذي يردده الكثيرون وطنيا ودوليا: كيف زعم المغرب تنمية افريقيا وخصص موارد لهذا الهدف بينما الوضع الاجتماعي للشعب المغربي في مناطق متعددة مقلق إلى مستويات كارثية أحيانا؟ ويمكن تلخيص ذلك في مديونية متفاقمة تتجاوز 84 ٪ من الناتج الإجمالي الخام، وفشل قطاع التعليم وغياب أي استراتيجية للشغل وافتقار البلاد للحد الأدنى للصحة.
إن المطالب الاجتماعية للحراك الشعبي في الريف أنهت الأسطورة السياسية «الاستثناء المغربي» وهنا نجد الغلبة للاجتماعي على حساب السياسي. ومعالجة الخطاب الإعلامي لكبريات الصحف الدولية حول المغرب تتسم بالتشكيك في النموذج المغربي حاليا.
 
نزاع الصحراء وحراك الريف

علاوة على انتهاء أسطورة الاستثناء المغربي، هناك انعكاسات سلبية أخرى على المغرب سياسيا واقتصاديا بسبب المعالجة السيئة للحراك الشعبي في الريف. ويمكن إجمال التداعيات السلبية فيما يلي:
في المقام الأول، نظرا لاستمرار النزاع الاجتماعي في الريف، ونظرا لاحتمال امتداده إلى باقي المغرب بحكم أن معظم العوامل التي تقف وراء الحراك في الريف موجودة في باقي مناطق البلاد، فهذا يعني أن تقييم المخاطر مستقبلا للمغرب ستكون مرتفعة. وسيترتب عن هذا تراجع الاستثمار وحصول المغرب على قروض بفوائد أعلى.
في المقام الثاني، نظرا لما سجله نزاع الحراك في الريف من خروقات حقوقية خطيرة خاصة خلال مسيرتي عيد الفطر ويوم 20 تموز/يوليو والاعتقالات بالجملة في صفوف النشطاء سيكون من الأسباب التي ستعتمد عليها جبهة البوليساريو في مهاجمة المغرب. وهذا موضوع سيخلق مشاكل لتأثيراته المستقبلية بحكم استغلال جبهة البوليساريو في المحافل الدولية لكل أخطاء المغرب ومنها ما يجري في الحراك. 

 

حراك الريف ينهي أسطورة الاستثناء في المغرب

د. حسين مجدوبي

- -

6 تعليقات

  1. المسؤول الأول والأخير عن هذه الأزمة هو الملك,
    فبكلمة منه يتوقف كل شيئ سلمياً, وبكلمة أخرى لا شيئ سيتوقف ! !
    هؤلاء المتظاهري لم يعد عندهم شيئ يخسروه في سبيل تلبية مطالبهم المشروعة بحياة كريمة
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. عنوان جميل ومقال جميل، نعم لقد انتهت أسطورة الاستثناء المغربي وأصبح المغرب واحد من العرب في أساليبه السياسية، عفوا الدكتاتورية.

    • احدات الحسيمة لن تغير المسار الدي اختاره المغرب وسيبقى هدا البلد شامخا بشعبه وبملكهوباستتنائه

  3. كلام في الصميم
    للاسف الدولة المغربية ظهر بانها اطبق اساليب النظام الديكتاتوري المصري البلطجة و التشويه و الاعتقالات و التعذيب
    والمسؤول هو رءيس الدولة الذي اشاد بامنه في التنكيل بالسكان

  4. ما على الشعب الصحراوي إلا أن يخرج من الجزائير ويلتحق بوطنه المغرب لكي يشارك في الحراك الوطني

  5. الشعب الصحراوي موجود في وطنه الصحراء الغربية منذ القدم و سيكتب التاريخ انه الشعب الذي استطاع ان يقيم مخيم اكديم ازيك احتجاجا على احتلال المغرب لوطنه الصحراء الغربية وتم تفكيك هذا المخيم بقوة النار والحديد من طرف المخزن وجيش الملك ، اما حراك الريف فيخص اهل الريف ولا دخل لنا به نتعاطف معهم ولكن مطلبنا الاستقلال ومطلبهم لقمة العيش
    هذا يعني اننا نحن الصحراويين واهل الريف خطان متوازيان لا يلتقيان .
    والشكر موصول للقدس العربي والسلام

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left