رد الحقوق لا يعني تجزئة الأوطان

د. علي محمد فخرو

Aug 17, 2017

لأن تكون هناك مطالب حقوقية أو سياسية أو اقتصادية أو ثقافية تتعلق باللغة أو المذهب الديني أو غيرها، لبعض مكونات المجتمعات العربية فهذا أمر لا يختلف عليه اثنان.
وبالطبع فمن حق تلك المكونات أن تناضل من أجل تعديل أي خلل في تلك الحقوق، ومن الواجب الأخلاقي والوطني على جميع أفراد شعوب تلك المجتمعات أن تساند تلك المطالب وتناضل جنبا إلى جنب مع مواطنيهم المهضومي الحقوق.
وجود التمييز ضد هذه الجماعة أو تلك في المجتمعات العربية، هو ظاهرة اجتماعية مبتذلة تواجدت عبر كل تاريخ تلك المجتمعات.
وبالتالي فتصحيحها، بل واجتثاثها، أصبح ضرورة تستوجبها القيم الأخلاقية ومتطلبات الممارسة الديمقراطية.
إلى هنا والأمر لا اختلاف عليه، لكن تصحيح تلك الأوضاع، كمسؤولية جماعية، شيء والحديث عن تجزئة الأوطان، بانسلاخ هذا الجزء أو ذاك، وبالتالي إضعاف الأوطان وتشويهها وإدخالها في صراعات مستقبلية لا تنتهي، شيء آخر. فالأوطان ليست سلعا في الأسواق معروضة للبيع والشراء، وإنما هي مشاعر أمان وهويات وأحلام عبر أفق المستقبل وضمانات في وجه الأخطار الآتية من كل طامع أو حاقد.
وبالتالي فإن يتنطع هذا الزعيم أو ذاك، في هذا المكون أو ذاك، لهذه الأسباب المحقة أو تلك، ويطالب بإجراء استفتاء حول انفصال جغرافي وبشري، وبالتالي سياسي واقتصادي، يؤدي إلى إضعاف وتمزيق وتشويه الوطن، ودخوله في متاهات تقسيم هذه الثروة المادية أو المعنوية أو تلك، فانه تنطع غير مقبول بصفة مبدأية، ولكنه أيضا غير مقبول بصفة واقعية. ذلك أن كل جزء من الوطن الجغرافي، بل كل حبة تراب فيه، هي ملك الجميع، وليست ملكا لهذه الجماعة أو تلك.
من هنا فإن قرار سلخ أو انفصال هذا الجزء الجغرافي أو ذاك، ليس قرار هذه الجماعة أو تلك. وإذا كان لابد من استفتاء، فإن الواجب الوطني وواقع الحياة السياسية يقتضيان أن يطرح الاستفتاء على جميع أفراد الوطن.
فاذا وافقت أغلبية ساحقة، بمعنى نسبة تسعين في المئة فما فوق، على انسلاخ جزء من وطنها، فإنه قرار شرعي حتى لو كان قفزة في المجهول ومخاطرة غير محسوبة. القرار إذن يجب أن يكون وطنيا يشترك في اتخاذه الجميع، وليس قرارا فئويا وإلا فإننا نتكلم عن تدمير لمفهوم الدولة وشروط تواجدها في الواقع السياسي والجغرافي. وحتى لا ندخل في المماحكات وقراءات النيات، وما اكثرها وأقساها في أرض العرب، دعنا نؤكد على أن العروبي الوحدوي الديمقراطي الإنساني لا يقبل بوجود أي تمييز، من أي نوع كان وبأي مقدار، ضد أي مكون من مكونات المجتمعات العربية، سواء بسبب العرق أو الدين أو المذهب أو اللغة أو الثقافة، ولكنه يرى في تمزيق أوصال أي دولة عربية خطرا وجوديا، لا عليها وعلى شعبها فقط، وإنما يرى خطرا هائلا وتناقضا عميقا مع أيديولوجية القومية الوحدوية، فالنضال، نضال الجميع، يجب أن يكون في سبيل مزيد من وحدة الدول العربية في شتى المستويات، وذلك من أجل قدرة هذه الأمة على الوقوف في وجه اعدائها من الصهاينة والاستعماريين، وشركات الاستغلال والنهب، وقدرتها على بناء اقتصاد إنمائي متين، وبناء نهضة جامعة للخروج من التخلف التاريخي الذي يعيشه الوطن العربي كله، وللانتقال إلى نظام ديمقراطي سياسي واقتصادي عادل ينهي إشكاليات التمييز بكل أنواعها.
لسنا معنيين بتسمية وتفاصيل المناطق والفئات والأسباب، فهي كثيرة ومؤلمة، وإنما نحن معنيون بإبراز عبثية الانخراط في الفاجعة الجديدة، فاجعة التجزئة والتقسيم والتشظي، التي تسعى الصهيونية ودوائر الاستخبارات الغربية لتجذيرها وتوسيعها وتنميطها في طول وعرض وطن العرب، باسم حق يراد به باطل، وهو سعي تجلى في اغتصاب فلسطين، ويتجلى الآن في بعض دول المغرب العربي وفي العراق وسوريا ومصر وليبيا واليمن، وبعض دول الخليج العربي على سبيل المثال. فالهدف الصهيوني – الاستعماري النهائي هو تجزئة المجزأ حتى تصل هذه الأمة إلى أقصى مراحل الضعف والقابلية للاستعمار، بل وعدم القابلية للنهوض والقوة والندية لأعدائها. إنه مشروع بدأ بسايس – بيكو ولا يريد أن يتوقف عند حدود حتى يخرج هذه الأمة من التاريخ. موضوع تجزئة هذه الأمة في مقابل توحيدها، لم يعد موضوع أحلام وتمنيات وأفضلية، إنه موضوع واقعي وجودي بامتياز.
ولذلك فحركة مقاومة التجزئة والنضال من أجل الوحدة تحتاج، وبأسرع ما يمكن، وقبل فوات الأوان، لبناء جماهيرها ومؤسساتها وأدوات نشاطاتها لتغيير الواقع الحالي.
إنه موضوع صراعات إرادات، وموضوع تضحيات، وموضوع، تخطيط في مواجهة تخطيط.
في قلب ذلك البناء والتنظيم والنضال ينبغي أن نرى المكونات المظلومة يدا بيد مع غيرها، وذلك في سبيل بناء مجتمعات ديمقراطية عادلة إنسانية بقيم أخلاقية رفيعة، تنهي المظالم وممارسات التمييز، لا أن تتوجه إلى إحداث مزيد من الآلام والفواجع في أرض تموج بالضعف والآلام والفواجع.
كاتب بحريني

رد الحقوق لا يعني تجزئة الأوطان

د. علي محمد فخرو

- -

4 تعليقات

  1. دكتور فخرو كلامك هو الواقع المرير الذي نمر به، لقد بدأ التقسيم في فلسطين باغتصاب أرض وتوطين شذاذ الاشكيناز والسيفاراد الذين كانوا ضحية الأوربيين انفسهم بدءا بمحاكم التفتيش وانتهاء بمحارق النازية. ثم انتقل إلى السودان فانفصل جنوبه عن شماله بمؤامرة دولية ايضا كانت راعيتها الاولى امريكا التي اغتالت جون غارنع بمساعدة رئيس اوغندا موسيفيني في حادث طائرة مشبوه، واليوم تعمل اسرائيل ومن ورائها من دول استعمارية تتخفى وراء ادبيات أخلاقية لا وجود لها في قواميس المكيافيلية على مبدا الغاية تبرر الواسطة، في شمال العراق، وفي سورية، وفي مصر، وفي المغرب، وفي الجزائر، وفي اليمن، وكان موظف وزارة الخارجية الاسرائيلية اودد ينون قد وضع استراتيجية لتفتيت العالم العربي منذ ثمانينيات القرن الماضي وكان واضحا فيها ونشرت في كل مكان يكفي البحث عنها في الانترنيت، تقول الوثيقة يجب تفتيت السودان الى اربع دول ومصر الى دولتين والعراق الى ثلاث دول، وسورية الى اربع دول، والاردن الى دولتين فلسطينية واردنية كي تبقى اسرائيل زعيمة الشرق الاوسط ولا أحد يهددها ابدا، لكن زعماءنا الأشاوس أصحاب بكالوريا ” تشحيط” وبوط عسكري، ومنهم الربع متعلم دون ذكر الاسماء، يفضلون ان يزحفوا على البطون لخطب ود اسرائيل كي ترضى عليهم امريكا،
    وماتصلح عرب ملوكها فرنجة ويهود وعجم
    يا امة ضحكت من جهلها الامم

  2. هذه واحدة من المواضيع التي يجب على القوى العربية التعامل معها، فالأقليات هي جزء من الكل العربي يجب صيانة جميع حقوقها ومساواتها بدون أي تمييز أو هضم لهذه الحقوق، هذا جزء من الحضارة والثقافة العربية الأصيلة التي تعلمناها وتربينا عليها والتي تقول أن من عاشر قوماً أربعين يوماً أصبح منهم والعربي هو من يتكلم اللغة العربية.
    أما بالنسبة لفصل جنوب السودان عن الوطن، فمن المؤسف أن الحكومة السودانية بقيادة الديكتاتور الجنرال بشير سمحت لفصل جنوب السودان عن الوطن من خلال استفتاء إنقصر على سكان الجنوب في الوقت الذي كان من الواجب أن يكون الإستفتاء من قبل شعب السودان بأكمله لأن هذا الموضوع المصيري، كما تشيرون، يتعلق بجميع الشعب وليس فقط بسكان الجنوب الذين يدارون من قبل مستشارين إسرائيليين وبريطانيين وأمريكان وغيرهم.

  3. نعم هناك مخططات غربية و مؤامرات و افعال ضمن استراتيجية متكاملة ترتكز على تقسيم المنطقة الى كيانات ضعيفة و زرع اسرائيل كعامل مساعد نشط و قاعدة في قلب الشرق. و لكن،
    العدل اساس الملك و الحرية و الكرامة اساس المواطنة و هذه مشكلتنا الكبرى. القضية ليست اعراق او طوائف فقط و لكنها تصل الى الجهوية و القبائلية وراينا ذلك في حالات كثيرة مثل اليمن و ليبيا و دارفور و قد نرى ذلك في اي بلد عربي حيث لا اعراق و لا مذاهب و لكن لا عدل و لا حريات و لا كرامة للانسان.
    وهنا يجب عدم اهمال دعوات التشدد القومي العربي او الاسلامي لان لها اثر عكسي على الاقليات الاخرى و لكل فعل رد فعل.
    انا شخصيا لا استغرب ان تظهر في العالم العربي 1000 دولة نتيجة الحال التي وصلنا اليه. و اعتقد ان ذلك مبرر بسبب الفشل المزمن و غير القابل للاصلاح واستفحال الفساد و غياب الحريات و مصادرة ارادة الشعوب و فساد الحاضر و اليأس من المستقبل بسبب تدهور التعليم و الصحة و الزراعة و الصناعة.
    اقوى ما يجمع الناس هو المصالح و مفتاح التقدم في كل الدول المحترمة و المتقدمة و المستقرة كبيرها و صغيرها حديثها و قديمها هو الحرية و الديموقراطية و اللامركزية. و لاحظ ان الحرية تأتي قبل الديموقراطية و كلاهما يأتيان قبل اللامركزية

  4. نحن نخلق مشاكلنا وبعد ذلك نقول مؤامرات كل ما في الامر ان امريكا واسرائيل تستغل تلك المشاكل التي نخلقها لصالحها فما كانت مشكلة جنوب السودان ستكبر وبالتالي تصبح دولة لو كانت الحكومات السودانية جادة في حلها وكذلك مشكلة الاكراد

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left