الطائفية السياسية والسلم الأهلي

د. فايز رشيد

Aug 17, 2017

تميز الوطن العربي تاريخيا بالابتعاد عن الطائفية والمذهبية، حتى أن أي إنسان عربي كان لا يعرف انتماء جاره الديني ولا الطائفي ولا المذهبي. صحيح كانت هناك أحداث طائفية في التاريخ العربي في القرن الثالث عشر، وأثناء حملة نابليون، لكنها ظلت بعيدة دوما عن الاستغلال السياسي في دولنا العربية، لا أثناء الاستعمار للعديد من الدول العربية، ولا في معارك التحرر الوطني العربية ولا بعدها.
منذ عقد زمني أو يزيد قليلا، فإن المتطلع لأحوال الوطن العربي، يلاحظ بلا أدنى شك، الانغماس التدريجي نحو الطائفية، بما يعنيه ذلك من توظيف للدين على أساس طائفي لأغراض سياسية، بكل ما في ذلك من تحيز سياسي ظالما أو مظلوما، وبغطاء مذهبي ديني، يلجأ إليه بعض السياسيين الذين قد لا يكونون في أغلبهم متدينين، بقدر ما هم أشخاص تغلب عليهم المصالح الذاتية، فيلجأون إلى اللعب على إثارة مشاعر الناس الطائفية، من أجل تحقيق أهدافهم، ولو على حساب الوطن والمجتمع كلّه.
للأسف، للطائفية السياسية أنماط مجتمعية، مختلفة الاستعمال، أحيانا لتغطية فشل البعض سياسيا، فيبدأون اللعب على أوتار العصبية والطائفة أو القبيلة والمذهب، في مواجهة أية مساءلات قانونية، أو في المنافسة السياسية مع الخصوم.
الطائفية السياسية غالبا ما تكون مكرسة من سياسيين ليس لديهم أي التزامات دينية أو مذهبية، بل هي مواقف انتهازية للحصول على الـ»عصبية» كما يسميها ابن خلدون، أو «ترويج الذات» كما يطلق عليه في عصرنا هذا، غالبا ليكون هذا السياسي قادرا على الوصول إلى السلطة. إن الانتماء إلى طائفة أو مذهب لا يجعل الشخص طائفيا، إذا لم ينتج عن عمله إضرار بحق الآخرين، ولكن الطائفي هو الذي يرفض الطوائف الأخرى ولا يعترف بحقوقها. إن من عرف الطائفية هي أوروبا، خاصة بعد ظهور حركة الإصلاح البروتستانتية. الصراعات والحروب آنذاك أطلق عليها اسم الحروب الدينية في أوروبا، وهي سلسلة من المعارك الاوروبية التي حدثت في القرنين السادس عشر والسابع عشر، ورغم أن الدين لا يدخل أحيانا كسبب مباشر في الحرب، إلا أن جميع هذه الحروب كانت مرتبطة بالتغيير الديني في تلك الفترة، وما أدّى إليه ذلك من صراع وتنافس.
استمرت الحروب الدينية بصورة متعاقبة لمدة مئة وواحد وثلاثين سنة بين عامي (1517 – 1648)، وجرت في سويسرا، فرنسا، ألمانيا، النمسا، ، بوهيميا، هولندا، إنكلترا، سكوتلندا، إيرلندا، والدنمارك. قتلت هذه الحروب في أقل التقديرات (2) مليون نسمة، في فرنسا استمرت ضمن ثماني موجات متتالية، كانت كلها بين البروتستانت والكاثوليك. خسرت المانيا في حرب الثلاثين عاما نصف عدد سكانها، دمر الجيش السويدي في ألمانيا 2000 قلعة وثمانية عشر ألف قرية وألف وخمسمئة مدينة، ما أدى إلى زيادة نسبة النساء على الرجال. الحرب الأهلية في إسبانيا قتلت (6485) رجل دين، وحوالي ثلاثمئة وستين الف ضحية. تخلصت أوروبا من مآسي الحروب الدينية مبكرا. وفي القرن الواحد والعشرين، المفترض فيه وصول الإنسان إلى درجة كبيرة من التعقل، نظرا لتداعيات وكوارث الحروب، ترانا في الوطن العربي، نعود إلى هذه الحروب المدّمرة.
لقد شهدت الهند قبل عهد الاستقلال في أربعينيات القرن الماضي حربا طائفية بين الهندوس والمسلمين، أفضت إلى تقسيم الهند إلى دولتي الهند العلمانية وباكستان الإسلامية عام 1947، والتي انقسمت في ما بعد إلى باكستان وبنغلاديش عام 1971، فضلا عن صراع مفتوح حول ولاية كشمير المسلمة بين الهند وباكستان، الذي قاد إلى حروب عديدة بينهما، وما زال يمثل مصدر توتر دائم بين البلدين. ومثال آخر انفصال ولاية تيمور الشرقية، ذات الأغلبية المسيحية عن جمهورية اندونيسيا، ذات الأغلبية المسلمة، بعد صراع لسنوات طويلة. وقبل عقود قليلة كانت ماليزيا تضم مجتمعا مفككا، هذه الدولة لم يكن لها وجود بهذا الاسم قبل 1963، وينحدر سكانها من أصول وعرقيات مختلفة، ولكنها اختارت أن تزج بنفسها في العصر الحديث بقوة التعليم، فنجحت في أن تكون دولة حديثة، ينعم مواطنوها بالرخاء والأمن والتربية المتصلة بروح التسامح الوطني.
نحن لا نتحدث عن الطائفية أو المذهبية كحالة فطرية متجذرة في التركيبة الإنسانية، ولكن عن ذلك التعصب الطائفي وما ينجم عنه من انحراف سياسي وأوهام وتداعيات سياسية سلبية عديدة. إن المذهبية الدينية تعني تحديد الهوية لفئة مجتمعية ما، على أساس الروابط الدينية في ما بين أفرادها. لذا، إن كان الانتماء المذهبي واقعا يعيشه المجتمع عن قناعة، فإنه يعبر عن التعددية الفكرية، وهي المطلوبة بالطبع، وتكون فكرة التعايش على أساس التنوع الثقافي، لاسيما حين تستند إلى مبدأ المواطنة، ولكن إذا أصبحت الطائفية قاعدة لبناء الحياة السياسية في أي بلد، فالمتوقع أن تسود حالة من التطرف والصراع على السلطة، كما نشهد حاليا في العديد من الدول العربية، إذ تسعي كل طائفة إلى تهميش الطوائف الأخرى. بالتالي، فإن الطائفية السياسية ذات الصبغة الدينية، هي ظاهرة سلبية تحمل بين طياتها تقسيما فعليا للمجتمع، وتناقضا سياسيا فكريا، اجتماعيا واقتصاديا حيث يكون المذهب أو الطائفة هو عنوان الصراعات الجانبية، على حساب الصراعات الأهم، وهي صراع كل الطوائف والمذاهب المجتمعية مع العدو الصهيوني، الذي هو صراع تاريخي وجودي تناقضي وتناحري. المفترض في الوطن العربي أن يخلو من الصراعات الطائفية والمذهبية والإثنية، باعتبار أن العوامل الموحدّة بين الفئات المجتمعية، كثيرة، مثل: اللغة، العادات، التاريخ المشترك وغيرها.
الطائفية السياسية، تؤدي إلى الفتن، وهذه بدورها تؤدي إلى حروب داخلية عبثية. وتشكل خطرا على السلم الأهلي، وتفتح الباب واسعا، للتدخلات الأجنبية والإضرار بالمصالح الوطنية، ناهيك عن تبديد الثروات وإيقاف عجلة النهضة وتقدمها، للحاق بركب الحضارة الإنسانية، فضلا عن قتل وتهجير ملايين الناس وفقدانهم لممتلكاتهم، ليتحولوا إلى غرباء في أوطانهم، أو لاجئين في بلدان أخرى. الطائفية السياسية تؤدي إلى فهم مغلوط للمواطنة، وتضيع معها الخطوط الفاصلة بين الديكتاتورية والقمع، وبين الحرية والديمقراطية كمكسب شعبي في نظام الحكم. الخطر يكمن أيضاً في تهديد وحدة النسيج الاجتماعي العربي، وإمكانية انتقال الفيروس لدول عربية أخرى. درجة الخطورة لا تكمن في الانغلاق الشديد للقطرية العربية، من أجل حماية الذات فقط، وانما في ما أصاب الأمة العربية بمكوناتها الشعبية من مظاهر جديدة غريبة عن حضارة التاريخ وتراث المنطقة وعن الشعوب باعتبار هذه المظاهر الطائفية والمذهبية، مظاهر طارئة عليه. لا يمكن فصل تداعيات انتشار الطائفية والمذهبية عن تسهيل المخططات التآمرية على الوطن العربي، وتفتيت الدولة الواحدة إلى كيانات متحاربة ومتعددة. من ناحية أخرى، الاتهامات التي يوجهها الكثيرون اليوم إلى الدين عموماً والدين الإسلامي الحنيف خصوصا، بوصفه العامل الأساسي في الصراعات الدموية عبر التاريخ، التي تضم قائمة لا نهاية لها من أنصار المقاربات الاستشراقية والثقافوية، فضلا عن تيار الإلحاد الجديد ورموزه البارزين كسام هاريس ودانيال دينيت وبيل مار وريتشارد دوكينز، لا تتوافر على حقائق علمية وتاريخية وموضوعية، فحتى في ظل الفصل بين الدين والدولة، اندلعت الحربان العالميتان الأولى والثانية. المقصود القول أهمية تحقيق عناصر السلم الأهلي في المجتمع، بالفعل إن الطائفية السياسية هي كالسرطان الذي ينهش الجسد العربي برمته، فهل نعتبر؟
كاتب فلسطيني

الطائفية السياسية والسلم الأهلي

د. فايز رشيد

- -

2 تعليقات

  1. شكراً للدكتور فايز رشيد لتحليله العميق حول التعصب الطائفي وتداعياته السلبية من كافة النواحي. ان الأيمان بالله وخوفه قد مكّننا جميعاً من مسلمين ومسيحيين ويهوداً (خلافاً للصهاينة) بكافة طوائفنا الفرعية من العيش معاً بسلام ووئام لمئات السنين. لقد كنا معاً يداً واحدة في صد العديد من غزوات الطامعين الى ان قام الغرب بتطبيق قاعدة “فرّق تسد” التي اوصت بها اللجنة المختصة لرئيس وزراء بريطانيا هنري كامبيل بانرمان عام 1907 والتي وصلت ذروة اثارها السلبية في العقود الأخيرة بسبب ما يقوم به البعض منا عن معرفة او عن جهل . متى يا ترى سنعود الى سابق عهدنا؟

  2. كلام ممتاز وشواهد تاريخية مقنعة تماما والسؤال الأخير هو الأهم/ هل نعتبر؟ يا سيدي لا أحد يتعبر وخاصة زعماؤنا الأشاوس الذين خلقوا هذه الفتنة وأججها من خلفهم الاستعمار بأدوات ذاتية فبات عدو الشيعي هو السني او العكس وعدو العلوي هو السني او العكس وعدو المسيحي هو المسلم بكل أشكاله أو العكس، وباتت العرقية اشد خطرا فعدو الكردي عربي او العكس وعدو الامازيغي هو العربي او العكس والأمثلة كثيرة. الطائفية السياسية زرعتها فرنسا في لبنان منذ قرن ونصف القرن، ثم جاءت بريطانيا لتزرع طائفية اخرى في فلسطين بين يهود ومسلمين، وجاءت اسرائيل من بعدهم لتزرع كل هذه الفتن بين الطوائف ولحقتها امريكا في العراق وسورية، وجاءت روسيا وايران لتزيدا الطين بلة، وتجزأت الأوطان، وتشردت الشعوب، وقتل الملايين من كل الملل والنحل، فهل هناك من يعتبر؟ لا ابدا فالمسألة مستمرة كل ميليشيات شذاذ الآفاق في سورية والعراق يحاربون تحت اسماء دينية واولهم حزب الله الذي يحارب لحماية الاماكن المقدسة، وهذه الاماكن التي جاؤوا لحمايتها موجودة منذ اربعة عشر قرنا لم يمسها احد بل مكرمة ومعززة ولكنهم جاؤوا لمنع سقوط نظام طائفي مجرم بتكوين كيانات اكثر طائفية وهذا ما يجري في العراق ايضا
    هل من هناك من يعتبر؟ لا أبدا لا أحد يعتبر

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left