الفساد في العراق: حكاية تواطؤ جماعي

يحيى الكبيسي

Aug 17, 2017

لم يزعج السادة النواب يوم 8 ايلول/ سبتمبر عندما منح مجلسهم الثقة لحكومة السيد حيدر العبادي التي ضمت السيد احمد الجبوري وزيرا للدولة لشؤون المحافظات ومجلس النواب، كما انهم لم يعترضوا على أداء السيد ملاس محمد عبد الكريم اليمين الدستورية وزيرا للتجارة في العشرين من الشهر نفسه!
وقد كان الاول مرشحا عن تحالف القوة السنية، الذي تشكل «رسميا» بعد إعلان نتائج الانتخابات لغرض تقاسم المناصب السنية، وكان هذا التحالف قد تشكل «عمليا» من حلفاء السيد المالكي وكان ذلك في اطار اتفاقهم على قبول الولاية الثالثة للسيد المالكي قبل الانتخابات التي جرت حينها!
وكان الثاني مرشحا عن كتلة «الوطنية» التي يتزعمها الليبرالي المفترض أياد علاوي. وكانا كلاهما (التحالف السني وعلاوي) يعلمان تمام العلم انهما يرشحان شخصيتين عليهما قيود جنائية «مخلة بالشرف»، وتتعلق بجرائم ذات طابع جنائي «تزوير وسرقة»! كما كان التحالف السني يعلم تماما ان الجبوري لم يقبل ترشيحه للانتخابات البرلمانية التي جرت في نيسان/ أبريل 2014 بعد اعتراض المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، بسبب قيد جنائي يمنع ترشيحه، ولكن علاقته بالمالكي مكنته من «التحايل» والمرور إلى الانتخابات! كما كانت «الوطنية» تعلم تماما ان وزيرها قد تم منعه من الدخول إلى الانتخابات نفسها لوجود قيد جنائي ضده، ولكنها مع ذلك رشحته وزيرا لأسباب تتعلق بطبيعة الصفقات التي تم ابرامها قبل الانتخابات بين أياد علاوي وعائلة الوزير (الطريف هنا ان مرشح التحالف السني كان من نتاج أياد علاوي نفسه عندما تولى الحكومة المؤقتة 2004)!
لهذا لم يكن محرجا لأحد ان يتم «طرد وزير التجارة» من منصبه بعد دعاوى فساد ضده، بل ما زال أياد علاوي حريصا على التأكيد أن وزارة التجارة من حصته! كما لم يكن محرجا لاحد أن الوزير الثاني، الذي أقصي من منصبه الوزاري في إطار التقليص الوزاري عام 2015 لكنه عاد إلى منصبه السابق، قبل الانتخابات، محافظا لصلاح الدين، حكم عليه مؤخرا بالسجن ثلاث سنوات بتهم تتعلق بالفساد!
هؤلاء عينة من مشهد الفساد الذي تواطأ الجميع على انتاجه بعد عام 2003، فلم يعد الامر في العراق مجرد فساد أفراد، بل أصبح جزءا من بنية الدولة نفسها! والمشهد الذي بدأنا به مقالنا هو مجرد مشهد آخر يتكرر بمنهجية شديدة منذ تلك اللحظة.
ولم يكن الأمريكيون أنفسهم بعيدين عن ذلك، فقد كان لهم الدور الأكبر في إنتاج بنية الفساد التي حكمت الدولة العراقية بعد الاحتلال، ومراجعة سريعة لتقارير المفتش الأمريكي الخاص بإعادة إعمار العراق تكشف بوضوح هذه الحقيقة؛ فقد اعتمد الأمريكيون مبدأ المحاصصة الأثنية/ الطائفية / الحزبية، بدءا من تشكيل مجلس الحكم، والذي استغلته النخب السياسية بشكل فج في تشكيل الوزارة الانتقالية، ثم المؤقتة ومجالس الرئاسة والمجلس الوطني المؤقت، وكان ذلك عاملا حاسما في تكريس بنية الفساد، خاصة مع نقل هذا المبدأ إلى حلقات المسؤوليات التالية: الوزراء، وكلاء الوزراء، المستشارون، المدراء العامون، المدراء. بل وصل الأمر إلى توزيع (صكوك الغفران)، التي تم اشتراطها في التعيين في وظائف الدولة بعد نيسان/ابريل 2003، والتي استغلتها الأحزاب للابتزاز ولتحسين المواقع ولجلب المريدين لتوسيع قواعدها، بل إن المحاصصات الحزبية والطائفية والتعيينات العشوائية، التي قدمت الانتماء القومي والطائفي والحزبي على الكفاءة والنزاهة، سمحت لكثير من الفاسدين بتولي مناصب عليا في الدولة، ليس بوصفهم أفرادا هذه المرة، بل بوصفهم جزءا من بنية حزبية تتقاسم الغنائم!
في تقرير وطني سابق صدر عام 2006، تحدثنا عن ثلاثة تمظهرات للفساد مسكوت عنها، وهي محل تواطؤ جماعي بامتياز:
يتمثل المظهر الأول في الأموال الطائلة التي مولت الأحزاب المشاركة في الحكم، أو التي كانت على تماس كبير أو صغير معها، فهذه الأحزاب استطاعت الحصول على موارد غير معروفة المصدر، مكنتها من التحول إلى إقطاعيات مالية حقيقية عبر إنشاء «لجان اقتصادية» تتولى إدارة العقود الخاصة بالوزارات التابعة لها!
المظهر الثاني تمثل في الاعتداء العلني والمنهجي على الأموال العامة، المتمثلة في أملاك الدولة، أو الأملاك التي يفترض أن تؤول عائديتها إلى الدولة، حسب القوانين التي أصدرتها هذه النخب السياسية نفسها. إذ قامت الأحزاب وأعضاؤها بالاستيلاء على كل ما وقعت أيديهم عليه من أراض وأملاك، وقد شمل ذلك حتى المباني التراثية المحمية بموجب القانون. وقد تحول الامر في النهاية إلى نوع من «الفساد في إطار القانون»، أي الحصول على هذه الأملاك بطريقة شرعية شكلا، وغير شرعية مضمونا، بخاصة مع تفشي ظاهرة (المكرمات) في ثقافة النخب السياسية الحاكمة، ومن ثم فإننا أمام (فرهود) قامت به (ولا تزال) هذه النخب السياسية نفسها. المظهر الثالث يتمثل في اعتماد البنى القرابية والحزبية، والمذهبية، والجهوية، والإثنية، في التعيينات في وظائف الدولة. وقد بدأ هذا منذ اللحظة الأولى لتشكيل الدولة الجديدة. ومراجعة بسيطة لأسماء أعضاء مجلس الحكم ونوابهم، والوزارات ومستشاريها ومدرائها العامين، تبين بوضوح أولوية هذه المعايير على أي معيار آخر في التعيينات.
إن هذه الظاهرة (أي الفساد) تعكس طبيعة المجتمع العراقي القائمة على بنى ما قبل حديثة، والتي تتعارض بالمطلق مع فكرة الدولة المدنية الحديثة. والغريب أن سلطة الاحتلال، كانت شاهد عيان، بل وفاعلا أساسا في هذه التعيينات، وهو ما يعكس، مرة أخرى، تناقض الدور الأمريكي بين الشكل الديمقراطي والمحتوى القائم على الفساد. وقد تكرس هذا الوضع بشكل تام في المراحل اللاحقة، حيث أصبحت العلاقة «العصبوية» بمعناها الخلدوني تحكم المؤسسات الحكومية بلا استثناء، وجزءا طبيعيا في بنية السلطة/الدولة العراقية، خاصة أن الفصل بين مفهوم السلطة ومفهوم الدولة ليس مفكرا فيه في الثقافة السياسية للنخب الفاعلة اليوم في العملية السياسية.
لاحقا كان ثمة مظهر مضاف، وهو «الفساد مقابل التدجين»، واختصت به الطبقة السياسية السنية حصرا! حيث تحول «الفساد» إلى أداة بيد الفاعل السياسي الشيعي لضمان اللاموقف السياسي من هذه الطبقة مقابل السكوت عن فسادها!
ان بنية الفساد التي حكمت لحظة تأسيس الدولة الجديدة ظلت تعيد إنتاج نفسها بأشكال متعددة وبصيغ مختلفة ،مع فارق واحد، وهو أن الفساد أصبح بضاعة عراقية بامتياز، يبدأ من الدولة نفسها ولا ينتهي بأصغر موظف في أي دائرة من دوائر الدولة،على امتداد البلد بالكامل دون استثناء.
لقد أسهمت بعض القرارات والأوامر والقوانين في (ترسيخ) بنية الفساد في المؤسسات الحكومية بدوافع سياسية بحتة؛ مثال على ذلك القانون رقم (42) لسنة 2005 وهو قانون (إعادة المفصولين السياسيين) بمواد تخالف حتى تسمية القانون نفسه، فالمادة الأولى جعلت قرار العودة إلى الوظيفة يشمل: «المفصولين لأسباب سياسية وعرقية أو مذهبية للفترة من 17/7/1968 إلى 9/4/2003 بما في ذلك «من ترك الوظيفة بسبب الهجرة أو التهجير خارج العراق. إن هذا القرار سمح للكثيرين ممن فصلوا لأسباب إدارية وجنائية تتعلق بالفساد والرشوة والاختلاس والابتزاز من العودة إلى وظائفهم ومن ثم العودة إلى تعميم الفساد بشكل واسع هذه المرة مع «بنية الفساد» المتحكمة أصلا، بل شمل الفساد حتى أولئك الذين تركوا الخدمة الرسمية بمحض إرادتهم، خاصة في سنوات التسعينيات مع تدني قيمة الراتب الحكومي.
في ظل بنية الفساد هذه، والتي تواطأ الجميع على انتاجها، لم يكن من المنطقي تأسيس نظام حقيقي لمكافحة الفساد، وقد عمدت سلطة الاحتلال إلى إنشاء مؤسستين جديدتين معنيتين بموضوع الفساد، وهما هيئة النزاهة، ومكاتب المفتش العام، والتي أضيفت إلى ديوان الرقابة المالية القائم سلفا، إلا أنهما لم تكونا قادرتين عمليا على مكافحة الفساد المنهجي القائم، خاصة مع عدم وجود إرادة سياسية حقيقية لذلك، ومع قضاء فاسد ومسيس بالكامل! وفي سياق تفشي ظاهرة الفساد في المجتمع نفسه لتتحول إلى ظاهرة عامة لها القدرة على شرعنة نفسها سياسيا واجتماعيا ودينيا بمسوغات عديدة.

٭ كاتب عراقي

الفساد في العراق: حكاية تواطؤ جماعي

يحيى الكبيسي

- -

2 تعليقات

  1. الفساد بالعراق من الساس الى الراس – كم يقول المثل العراقي !
    فالرشوة تبدأ من الموظف الصغير إلى الأعلى
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. شكراً للدكنور الكبيسي على المقال المهم والكاشف لواقع الحال البائس لعراق ” الديمقراطية وحقوق الأنسان وحكم القانون ” عبر ال 15 عشر عام الماضية….

    ” بيت الداء ” بتقديري هو القضاء الفاسد والمسيس بالكامل! (كما أسلفت) وأذا لم يتم معالجة هؤلاء القضاة (الفاسدبن) عن طريق تدخل رجال(نزيهين) من الأمن والمخابرات فلن يكون لمعضلة الفساد المستشري في البلاد أي حل ولا أنفراج ولا حول ولا قوة ألأ بالله العلي العظيم !!!

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left