الحمام الشعبي تقليد قديم يتوارثه المغاربة

فاطمة الزهراء كريم الله

Aug 19, 2017

الرباط ـ «القدس العربي»: يحتل الحمام الشعبي حضورا متميزا في حياة المرأة المغربية، لارتباطه بعادات وتقاليد تختلف باختلاف المناسبات، ففيه تتعلم القواعد الأساسية للنظافة وأسرار الجمال وهي طفلة، وفيه يتم الاحتفال بها عند البلوغ، وفيه تستعد وتتجمل ليلة عرسها، ثم تعود إليه في مناسبة أخرى حينما تصبح أما.
وارتبط فضاء الحمام عند المرأة المغربية بطقوس وعادات متنوعة ومختلفة في أشكالها ودلالاتها باختلاف وظيفة الحمام والغاية من الاستحمام، بين الغسل والاغتسال والفرجة والتباهي. ويشكل الحمام بالنسبة للمرأة فرصة ثمينة لممارسة حريتها ولقاء صديقاتها، كما يتم في هذا الفضاء الفصل في عدة أمور أساسية كاختيار الزوجة أو الخطيبة.
الحمام الشعبي في الثقافة المغربية، يعتبر من مظاهر إكرام الضيف، حيث إن دعوة الزوار والأقارب إلى الحمام، وما يصاحب ذلك من تزيين بالحناء والتعطير بالورد والقرنفل، يعتبر أمرا ضروريا لتحقيق بعض القيم الحميدة التي تدل على الكرم والاحتفاء. فحين تذهب المرأة بضيفاتها إلى الحمام فهذا يزيد من تمتين العلاقات الأسرية والاجتماعية. والحمام يعتبر مرفقا اجتماعيا وجزءا من مورفولوجيا المدن المغربية، بهندسته المعمارية. وغالبا ما يشيد بالقرب من الأسواق الشعبية والمساجد.
وتوجد الحمامات العصرية التي تقدم خدمات من الطراز الرفيع مثل «الساونا» و«المساج» باستعمال بعض المواد الطبية الغالية الثمن، بالإضافة إلى الحمامات الشعبية التي تقدم خدماتها بكلفة تتراوح بين 12 و13 درهما (حوالي دولار ونصف).

فرصة للتباهي

تقول الحاجة الرقية، وهي في عقدها السادس، لـ «القدس العربي»: إن «الحمام الشعبي جزء من ثقافتنا نحن المغاربة، وله حضور متميز في حياتنا اليومية، ففي الحي عادة ما تتفق النساء على يوم محدد نخصصه للذهاب إلى الحمام، ويكون فرصة للراحة والترفيه وتبادل الهموم والمشاكل اليومية، والحمام أيضا فرصة للتباهي على بعضنا من خلال عرض ما نملكه من حلي وملابس جديدة، وترشيح بناتنا للزواج».
وتختلف طقوس الحمام باختلاف المناسبات الخاصة بالمرأة، ففي مناسبة حفل الزفاف الذي يسمى «حمام العروس» وهو عادة يكون يوما قبل ليلة حفل العرس أي في يوم «الحناء» حيث يتم كراء الحمام من طرف أهل العروس، فتجري فيه طقوس وممارسة تقاليد متعددة، إذ يتم إشعال الشموع وتعطير القاعات بالعطور، إضافة إلى البخور. وأثناء عملية الاستحمام يطلى شعر العروس بالزيوت المرطبة، وتخرج بعد الاستحمام وسط النساء من العائلة والجارات والصديقات مصحوبة بالزغاريد والأهازيج الشعبية الخاصة بالمناسبة.
وفي ميلاد الطفل، فحمام الأم يسمى «حمام النفيسة» ويقام في اليوم السابع بعد الولادة حيث تذهب الأم إلى الحمام مع رفيقاتها وأهلها ويشعلن الشموع تعبيرا عن الفرح والأمل في غد جديد لها ولمولودها، ويستعمل البخور للتعطير وحمايتها من الحسد. ويشترط ألا تقوم الأم بأي عمل أثناء الاستحمام فتعامل كملكة، ويتم شد بطنها بحزام تقوم تربطه نساء مختصات في الأمر لاعتقادهن أنه يخفف عنها آلام الظهر والولادة، ويوفر لياقة بدنية أفضل.
وتقول زينب الحارتي، وهي في الثلاثين من عمرها، إن الحمام رافقها في كل مراحل حياتها، حيث تم الاحتفال بها عند سن البلوغ، وفي ليلة عرسها وعند ولادتها لطفلها الأول، فالحمام بالنسبة لها عادة شعبية ورثته من أمها وجداتها، ويعتبر جزءا مهما من نشاطها الأسبوعي حيث لا يمكن قضاء نهاية الأسبوع دون ارتياد الحمام، لما له من فوائد صحية وجمالية.

درجات حرارة متفاوتة

عادة ما يكون للحمام التقليدي، عبارة عن ثلاث قاعات كبيرة متداخلة في ما بينها، تتدرج فيها الحرارة من المتوسطة إلى العالية، وفي كل قاعة توجد صنابير مياه نحاسية باردة وساخنة. وفي الأخيرة، ترتفع الحرارة إلى أقصى درجاتها، ويوجد حوض مائي متوسط يسمى «البرمة» للماء الساخن. ويعمل في الحمام مدلكون أو كما يسمون لدى المغاربة «الكسالة» يستعين بهم الزبون حسب رغبته لمساعدته في جميع مراحل الاستحمام، ويكون المدلك تحت تصرف الزبون من وقت دخوله الحمام حتى الخروج منه، أو قد يقتصر لجوء الزبون إلى خدمات المدلك لإزالة خلايا الجسم الميتة.
ويعتمد المغاربة في الاغتسال، على الصابون البلدي، وهو أسود، يدهن على الجسم بالكامل قبل أهم مرحلة في الحمام المغربي والتي تسمى بمرحلة «التكسال» باستخدام قطعة خشنة تسمى «الكيس» لإزالة الجلد الميت عن طريق الفرك. بعدها تأتي مرحلة غسل الشعر، التي يعتمد فيها على مواد طبيعية تسمى «الغاسول» وهو طمي أسود يعطي نعومة ونظافة للشعر والبشرة.

فوائد الحمّام

«للاّ زينة وزادها نور الحمام» مثل شعبي قديم، يعكس التغيير الذي يطرأ على جسد المرأة بعد زيارة الحمام، من نظافة وراحة وانتعاش، ويصور أنها تزداد جمالا وإشراقا في كل مرة ترتاد في الحمام.
وحسب خبراء التجميل والصحة، فإن الحمام يمنح البشرة نعومة ورائحة جذابة وصفاء تاما، ويعمل على حفظ حيوية ونضارة الجسم. ويساعد على تأخر ظهور التجاعيد على البشرة. كما يسهم في إنقاص الوزن، وخروج المياه الزائدة من الجسم، كما يساعد على إذابة الشحوم المترسبة على المفاصل. وينشط الدورة الدموية ويزيل الإرهاق العضلي والعصبي.
ويظل الحمام إرثا شعبيا يتوارثه المغاربة من جيل إلى جيل، يختلف باختلاف الزمان والمكان، ويبقى حاضرا في الطقوس والعادات المرتبطة بمناسبات المجتمع.

 الحمام الشعبي تقليد قديم يتوارثه المغاربة

فاطمة الزهراء كريم الله

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left