تقلبات التاريخ… حكايات من التشيك

عمرو حمزاوي

Aug 22, 2017

(1) أجلس في ساحة وسط مدينة براغ، العاصمة التشيكية، متابعا حركة السائحين التي لا تتوقف وتعاملاتهم التجارية مع أهل البلد في المقاهي والمطاعم والمحال. يبدو لي المشهد متطابقا مع التفاصيل التي تناقلتها وكالات الأنباء والصحف ومواقع التواصل الاجتماعي للمكان الذي ضربه الإرهاب الأسود في مدينة برشلونة الإسبانية.
أنظر إلى زوجتي وأولادي الجالسين بجواري، أفكر في الزوجة الأمريكية التي قتل السائق المجرم للشاحنة زوجها وفي الطفل الأسترالي الذي خسر حياته وفي الضحايا الآخرين لإرهاب برشلونة وما سبقه وما سيليه، يغلبني خليط من الحزن والعجز إزاء جنون العنف الذي يجتاح عالم اليوم منتهكا لحق الناس المقدس في الحياة والسعادة والأمن.
(2) أواصل السير قليلا، ثم أتوقف مجددا في ساحة أخرى أمام شاشة عملاقة ومعرض للصور الفوتوغرافية. الموضوع هو 21 آب / أغسطس 1968، الغزو السوفييتي للأراضي التشيكية والسلوفاكية لإيقاف الإصلاحات الديمقراطية التي تبناها ألكسندر دوبشك، زعيم الحزب الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا السابقة (1918/1993). على هوامش الصور التي توثق للمقاومة الأهلية للغزو وللاحتفاء الشعبي بالقيادة الإصلاحية، كتبت باللغتين التشيكية والإنكليزية نصوص تشرح أفكار دوبشك بشأن «الاشتراكية ذات الوجه الإنساني» التي أراد تطبيقها وحقوق الإنسان والحريات التي رغب في حمايتها من قمع البوليس السري وأجهزة الاستخبارات. كتبت نصوص أخرى تسرد تفاصيل الغزو السوفييتي وقرار دوبشك بالامتناع عن المقاومة العسكرية المنظمة حقنا للدماء وموافقته على الاستقالة من قيادة الحزب الشيوعي وهزيمة ربيع براغ (أعلن دوبشك خطته للإصلاح في نيسان / ابريل 1968، وبالشهر ارتبطت الإشارة إلى الربيع مثلما تعلقت بنسائم الحرية التي تمتع بها مواطنو دوبشك ما أن أعلن عن خطته وحتى انقض عليهم الجيش السوفييتي). ثم مجموعة ثالثة من النصوص تذكر بالضحايا الذين أسقطهم الغزو، والشبان الذين أحرقوا أنفسهم بعد فرض الدبابات السوفييتية لإرادتها ورحيل دوبشك.
أما الشاشة العملاقة فكانت تعرض باللغة التشيكية لمقاطع من «الجريدة المصورة» لتلك الأيام في 1968 متبوعة بلقاءات متلفزة مع بعض أصحاب الأدوار الرئيسية من القيادات السابقة للحزب الشبوعي إلى ضباط الجيش السوفييتي. حال حاجز اللغة بيني وبين فهم ما كانت «الجريدة المصورة» تنطق به، ومنعني من متابعة آراء «الحكمة اللاحقة» لمن شاركوا في ربيع براغ إن دعما له أو بهدف افتراسه بعد انقضاء نصف قرن على أحداثه. غير إنني تسمرت في مكاني ما أن رأيت الدموع على وجوه العديد من الواقفين أمام الشاشة، وتصفيق بعضهم كلما خرجت عليهم «الجريدة المصورة» بمشاهد لدوبشك ورفاقه.
تختزن ذاكرة الشعوب لحظات وتفاصيل وأحداث الانتفاضات الديمقراطية الفاشلة في خانات تستعصي على النسيان، وتحتفظ لمن ارتبطت أدوارهم بالدفاع عن الحقوق والحريات بمواقع مهيبة تعيد لهم أخلاقيا وإنسانيا الاعتبار بعد أن هزمتهم حقائق القوة والسياسة وتسمو فوق كل حملات التشويه التي ينزلها بهم المنتصرون من المستبدين وأعوانهم. لذاكرة الشعوب تواريخها الخاصة التي تطغى بها مكانة بضعة أشهر معدودة (ربيع 1968 إلى خريف ذات العام) على أحداث عقود طويلة تلتها (العقود الممتدة بين القضاء على ربيع براغ وبين الانتفاضة الديمقراطية الثانية في 1989)، وأبطالها ليسوا بالضرورة جحافل المنتصرين في التو واللحظة.
(3) أذهب إلى قصر عائلة لوبكوفيتش الواقع في قلب قلعة براغ، بعد أن قرأت قليلا عن تاريخ تلك العائلة الكاثوليكية التي اضطلعت أثناء الحروب الدينية في أوروبا (1524/1648) بدور مفصلي في منع سقوط «مملكة بوهيميا» (قلب الأراضي التشيكية) للثوار البروتستانت (كان مسماهم هو «الهوستيون» نسبة إلى المصلح الديني يان هوس الذي عاش بين 1369 و1415 في براغ وأعدمته السلطات الكاثوليكية في مدينة كونستانس الألمانية لاتهامه بالهرطقة). تداخلت عائلة لوبكوفيتش في حكم «مملكة بوهيميا» من خلال أمرائها، وتمتعت بنفوذ سياسي واسع بعد أن سيطرت الإمبراطورية النمساوية ـ المجرية على بوهيميا وتحولت براغ من عاصمة أوروبية رئيسية إلى مجرد مركز إقليمي لإمبراطورية مترامية الأطراف، واستمر نفوذ العائلة في أعقاب تأسيس جمهورية تشيكوسلوفاكيا في 1918. يوثق القصر، وهو بديع معماريا ويضم متحفه مجموعة رائعة من الأعمال الفنية الأوروبية المنتمية لعصري النهضة والباروك، لتقلبات تاريخ العائلة ومعها تاريخ التشيك. فعائلة الأمراء صودرت ممتلكاتها ومن بينها القصر مع احتلال النازي لتشيكوسلوفاكيا في 1939. وفي 1945، أعيد القصر للعائلة ليصادر مجددا في 1948 بعد أن سيطر الشيوعيون على مقاليد الأمور وشرعوا في تطبيق سياسات نزع الملكية الخاصة وتوسيع قاعدة الملكية العامة. وفي أعقاب الانتفاضة الديمقراطية في 1989، أقرت قوانين لإعادة الممتلكات المصادرة ولتعويض الملاك الأصليين وبمقتضاها أعيد القصر في 2002 إلى العائلة التي حولته بدورها إلى مزار للجميع (متحف قصر لوبكوفيتش).
اللافت في «حكاية القصر» هو التبدل الدائم لمواقع الجلادين والضحايا في عالم البشر. فالعائلة الكاثوليكية التي سام أمراؤها الثوار البروتستانت شديد العذاب في القرنين الخامس والسادس عشر، صارت ضحية لقمع الجلادين النازيين ثم الشيوعيين في القرن العشرين. اللافت أيضا هو عبقرية التاريخ حين يفك في بعض الأحيان الارتباط بين القوة والغلبة، ويمكن المستضعفين من انتصارات غير متوقعة. فالبروتستانتية التي هزمت عسكريا في أراضي التشيك، انتصرت شعبيا. و«الشعب» الذي زعمت القيادات الشيوعية الدفاع عن حقوقه بنزع الملكية الخاصة وصادرت عملا حريته بالانقضاض على ربيع براغ في 1968، عاد بانتفاضة ديمقراطية مبهرة في 1989 وقصر لوبكوفيتش ذو الملكية الخاصة فتح «للعوام» كمتحف دون اضطرار إلى إجراءات مصادرة.

٭ كاتب من مصر

تقلبات التاريخ… حكايات من التشيك

عمرو حمزاوي

- -

3 تعليقات

  1. أثناء قراءة مقالك يا أستاذ تذكرت الثورة المصرية في ميدان التحرير سنة 2011 !
    والله زمان يا حريه ! كأن بعض المصريين قد أدمنوا العبودية للعسكر ولا يجدون طعماً للحرية !!
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. سيتذكر التاريخ انه تم قتل حلم مصر والعالم العربي من ورائها بانقلاب العسكر والنخبة الليبرالية علي اول رئيس منتخب لمصر ولدولة عربي

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left