غلاب: المثقف الوطني

سعيد يقطين

Aug 23, 2017

كلما غادرنا مثقف عشنا معه ردحا من الدهر، وتعرفنا عليه بشكل ما، وجدنا أنفسنا نستعيد الماضي. ونحن نلملم أطراف الفقد، نتساءل عن آثار اختفائه من بيننا. وفي الوقت نفسه نستذكر كيف كنا نراه. يغير الموت نظرتنا إلى بعضنا بعضا. وكأني به وهو ينهي حياة أحدنا يدفعنا إلى إعادة النظر في المواقف والتصورات التي شكلناها عنه. إننا لا نلتفت إلى الأحياء منا، وحين يغيبون نتذكرهم، وكأننا نتعرف عليهم لأول مرة. ويعاودنا النسيان.
موت عبد الكريم غلاب جعلني أستحضر كلمة «مخضرم» بكل ما في الكلمة من معنى. كان لهذه الكلمة سحر خاص ونحن نعد ترجمة أحد الشعراء الذين عاشوا فترة في الجاهلية وأخرى في الإسلام. وحين تضاف إلى «مخضرم» كلمة «معمر» يصبح للرجل بعد آخر يتميز به عن غيره. لقد شارف غلاب على القرن: عاش جزءا منه في بداية القرن العشرين، وآخر في بداية الألفية الثالثة. عايش الاستعمار، حيث كان المجتمع المغربي ما يزال يعيش ظلال القرون المظلمة، وامتد به العمر ليعاين ثورة عصر المعلومات وتدشين المشاريع العملاقة؟ شهد المغاربة يناضلون من أجل الاستقلال، وعاصر شبابا يخرج مطالبا بالحرية، وغادرنا وملف حرية شباب الريف يسيل المداد.
حياة مخضرم ومعمر لا يمكنها إلا أن تكون جديرة بالتسجيل والاحتفاء، ولاسيما حين يكون صاحبها قد عاشها راصدا مختلف جزئياتها وتفاصيلها من خلال كتاباته المختلفة. لم يترك غلاب مجالا إلا وكتب فيه. كتب عن حياته وحياة المغرب وهو يتحول. لكن ماذا كتب عنه؟ وماذا تعرف عنه الأجيال المتأخرة التي عاصرته؟ شارك غلاب في الحياة السياسية، وانخرط فيها بوعي «المثقف» الذي يحلم بـ»وطن» له عمق تاريخي. كيف تعامل معه الحزب الذي كان مدير جريدته، وجعل منها جريدة، بل مدرسة وطنية بامتياز. كيف تنظر إليه مدارس الصحافة ومعاهد الإعلام، وهو الذي أرسى معالم مدرسة في الصحافة الوطنية؟ أسئلة كثيرة نسترجعها في لحظة الدفن، ونتحدث عنها ونحن في جلسات العزاء. غير أن إكرام الميت في ثقافتنا هو النسيان. كم من المثقفين والشعراء غادرونا، ولكن ماذا بقي منهم عندنا؟ اسم على شارع، أو على قاعة درس؟ هذا أقصى ما نقوم به حيال موتانا من العصور القديمة، أو في وقتنا الراهن. ومع ذلك نجدهم يتحدثون عن ثقافة الاعتراف، وثقافة المصالحة.
أي اعتراف، وأي مصالحة، ونحن ما نزال نقيِّم الأشخاص والجماعات لا بحسب ما تقدمه للوطن، ولكن بما تقتضيه ظرفية عابرة لحل مشكلة طارئة، وتعود حليمة إلى عاداتها القديمة: أي ونحن ننظر إلى مصلحة ذواتنا بالدرجة الأولى والأخيرة. كثيرا ما تحدثنا، وما نزال، عن الذات والآخر، ونحن نقصد بالآخر البراني عنا. ولكننا لم نلتفت إلى علاقتنا بذواتنا ونحن نعتبرها آخر، أكثر برانية عنا. أتذكر في أواسط السبعينيات، حيث كان عبد الكريم غلاب مدعوا إلى إلقاء محاضرة في كلية الآداب في فاس، وكان أن رفض الطلاب منحه فرصة الجلوس لإلقاء محاضرته لأنه رجعي، وهم التقدميون؟ تساءلت حينها مع بعض الأصدقاء: إلى متى سيظل التصنيف الأيديولوجي أساس التمييز بين الناس؟
في فجر الاستقلال أقيمت الحرب بين حزب الاستقلال والشورى، ثم بين الاستقلال والاتحاد الوطني، فالاتحاد الاشتراكي، وقائمة الحروب الحزبية والانشقاقات ما تزال مستمرة. كيف نقرأ الآن كل هذه الحروب، ونحن نتحدث عن ضعف المجتمع السياسي والأداء الحزبي؟ عايش غلاب كل هذا التاريخ، وسجله في قصصه ورواياته وكتبه الأدبية والفكرية، وفي عموده اليومي «مع الشعب». وفي كل ما ترك لا يمكننا إلا أن نتحدث عن «مثقف» وطني بما تحمله الكلمة من معنى. ألم يكن هذا الرجل أجدر من غيره بأن يتولى قيادة حزب الاستقلال بعد علال الفاسي؟ وجدتني أطرح هذا السؤال آنذاك، وكان جوابي: لقد انتهى الحزب بانتهاء زعيمه. فما الذي يجعل الحزب مرتبطا بالزعيم، وينتهي بانتهائه في التجربة المغربية؟
أختزل الجواب في كلمة واحدة: «الوطنية». مع التأسيس يكون البعد الوطني هو الأساس، فيكون الالتفاف الوطني حول «الزعيم» الذي يساعده «الوطنيون» على أن يكون محل إجماع. وبعده تذوب «الوطنية» لتحل محلها «المصلحة» الخاصة، ويصبح كل يرى نفسه مؤهلا ليصبح شيئا آخر غير «الزعيم»، فيلتف حوله أصحاب المنافع فتبدو آثار الانشقاق والنفاق. كان غلاب وطنيا، ولذلك لم يخض الحروب لا ضد الوطن، ولا ضد حزبه، ولا ضد الأحزاب الأخرى. كان مثقفا وطنيا، تبنى مشروع الوطن، ودافع عن المثقفين مهما كانت ألوانهم السياسية والأيديولوجية، في الوقت الذي عمل مثقفون آخرون على عزله وتهميشه. ولكنه ظل كاتبا ومثقفا رغم أنف الجميع. يكتب ما هو مقتنع به، وكانت «العلم» اليومية، ومعها الملحق الثقافي، حين تحمل مسؤوليتها منبرا وطنيا وعربيا بامتياز.
هل يمكننا الآن أن نتحدث عن «المثقف الوطني»؟ عندنا «مثقفون» وطنيون بلا وطن، وعندنا «وطن» بلا مثقفين. إنها مفارقة؟ حين يعزل المجتمع السياسي المثقف الوطني: الجابري، غلاب، نُضيِّع المثقف والوطن. ويتحدثون عن الاعتراف والمصالحة؟
كاتب مغربي

غلاب: المثقف الوطني

سعيد يقطين

- -

3 تعليقات

  1. برحيل الاستاذ عبد الكريم غلاب نكون قد “دفنا الماضي ” الجميل مرة بعد اخرى

    ماض ثقافي لا يمكن مقارنته من ناحية الجودة و الرقي بالحاضر الفقير

    جريدة” العلم ” كانت بحق مدرسة يلجها حتى غير المحسوبين على ” حزب
    -
    الاستقلال ” و للراحل بصمات لا تتنسى بها ” حديث الاربعاء ” و ” مع
    -
    الشعب ” كانتا نافذتين يطل علينا منهما الراحل لن انسى سلسلة مقالاته عن اللغة و الفكر
    -
    اواسط الثمانينيات كانت اولى سنوات احتكاكي بالكلمة و كانت جريدة” العلم” تحت قيادة
    -
    الراحل و عبرها ولجت عوالم لن يتمكن لي الافلات منها اول مرة اتعرف فيها على ” كافكا”
    -
    و” ستيفان رفايج “كان من خلال “العلم ” التي اكرمتنا بروايتي ” المسخ ” و لاعب الشطرنج”
    -
    بعد رحيل صاحب ” دفنا الماضي” و المعلم علي ” بايام قليلة ودعنا الاعلامي الكبير خالد مشبال”
    -
    صاحب برنامج “شراع″ لاذاعة طنجة مدرسة اخرى تقفل
    -
    تحياتي

  2. ان حبنا للمغرب كبير بلدا وشعبا وثقافة فهذا البلد الجميل أنجب نخبة من المثقفين والمفكرين النادرين خلال فترة تاريخية من احلك فتراته كعبد الله العروي، ومحمد عابد الجابري، وعبد الكريم الخطيبي، ومحمد شكري، ومحمد بنيس، وسعيد يقطين.. وهذا على سبيل المثال لا الحصر كي لا أطيل، ولكن كون إهمال العرب الثقافة والمثقفين لا نجد الاهتمام بهؤلاء أو كل ماينتج عالمنا العربي من فكر وابداع الا في نخبة لا تشكل جزءا من مئة من الشعوب العربية، وهنا يكمن سر تخلفنا الحقيقي لرفض معظمنا التثقف والتعلم واحترام المبدعين

  3. صحيح، نحتاج اليوم إلى مصالحة بين المثقف والوطن أو بين الوطن والمثقف لتحقيق “الوطنية”، لكنها معادلة صعبة عندما يدخل شق آخر إلى المعادلة، أقصد “المصلحة” التي تهدم كل أشكال “الوطنية” فلا تستقيم أبدا، الأمر الذي ينتفي معه تماما تحقيق أية “مصالحة” بين “الوطن” و”المثقف”، مما يجعل الصراع قائما، ويعزز دور “المخزن ” في لعب دور البطولة.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left