محمود علي مكي النُّبل الذى رَحَلَ: أعماله في الأندلسيات وترجماته تشهد له

ممدوح فرَّاج النَّــابي

مرَّ اسمي عليه عابرًا، مجرد طالبٍ جلس بين يدي أستاذه كغيره من جموع الطلاب في قاعة الدرس دون أن تتوثَّق العلاقة بينهما، وهذا استثناء في علاقته بالآخرين لم يُعْهد عليه؛ فقد حكى لي الشّاعر فتحي عبد السميع أنه في بداية التسعينيات حضر موتمرًا لأدباء الأقاليم وكان الشاعر فتحى في مُقتبل الحياة الشعرية، فما أن تعارفا حتى صارت بينهما صُحبة، ولازمه في تجواله في أزقة وشوارع أسوان، وجلسا على مقاهي الدهماء على حدِّ تعبيره، فكم هو يتوق لمثل هذه الأماكن، ففيها ‘ترى الناس على سجيتها’ كما برَّر له سرِّ ذهابه معه.
مروري العابر لا يستدعي شريط الذكريات، وفيض الحكايات، التي تتوزَّع على سُرادقات الورق في وداع الرَّاحل، ثم تطوى الصفحة عن لا شيء بعد نعي من أصدقاء صاحبوه، وتلاميذ جالسوه، أو حتى مسئولون مثَّلهم في مراسم عدة بحكم وظائفه الجامعية، منذ أن سافر مبتعثًا إلى إسبانيا طالبًا للعلم في معاهدها عام 1950. والعجيب أن المسئول الرسمي لم يبرر حتى الآن جريمته بتناسي غيابه، ودفنه في المقابر الإسلامية بمدريد، دون أن يلتفت إلى أن هذا الجسد الذى رحل وئيدًا، حانيًا، ووحيدًا، لم يهزمه المرض بقدر ما هزمه ما آلت إليه البلاد من فساد وظلم وديكتاتورية، وهو ما جعله يقرن فترة الاستبداد التي عان منها الإسبان أثناء حكم الديكتاتور فرانكو، وبين ما عانته الشعوب العربية التي هى الأخرى واقعة تحت حكم لا يقل استبدادًا وديكتاتورية عنه.المفارقة أن رَحيله جاء في ظرف استثنائي عجيب تعيشه مصر الآن، وكأنه آثر ألا يعود إلى وطن يتشتت، ونخب تتصارع لتتقاسم مائدة السلطان، وتزيِّن له أفعاله، وهو المُشِّح في ظهوره وأحاديثه، المحافظ على حالة السَّلام النفسي بين الجميع، وهو ما تجلَّى في موقفه إزاء محنة ترقية الدكتور نصر حامد أبو زيد، فقد كان مكي أحد الأعضاء الثلاثة مع شوقي ضيف وعوني عبد الرؤوف، وما أن انتهى الدكتور شوقي ضيف إلى رأيه السلبي في نتاج الدكتور نصر، على عكس التقريرين الآخرين الإيجابييْن. فقد أدرك بحسه أن منهج شوقي ضيف الكلاسيكي، الذي كان متحفظًا على منهج أمين الخولي ‘المنهج الأدبي في درس النص القرآني’، وهو المنهج الذي طبَّقه كلا من أحمد محمد خلف الله في: ‘الفن القصصي في القرآن الكريم’، وشكري عياد في، ‘وصف يوم الحساب في القرآن’) انعكس على قراءته لنتاج نصر بما يحمله من تجديد فكري، ورؤية مغايرة. حتى ولو كانت هناك هفوة هنا أو هفوة هناك، في استخدام المنهج، حسب رأي مكي فهذه لا تُقلِّل من قيمة الإنتاج العلمي على الإطلاق، وهو ما يتفق مع الرأي القائل بأن ‘الترقية العلمية، تتم على أساس من قيمة الجهد والاجتهاد في المجال المنهجي، وأن الإنتاج العلمي لا يُرقَّى باتفاقه مع آراء لجنة التحكيم أو منهجهم، فالأصح أن يُرقى بسبب اجتهاده ومغايرة منهجه، وإلا ما تقدَّم البحث العلمي’. ولم يمنع خلاف رأي الدكتور مكي مع رأي الدكتور شوقي من مصارحته بتقريره السلبي في نتاج نصر، وهو ما يترتب عليه رفض تقريره في القسم، لأن الخلاف ناتج عن خلاف منهجي وفقط، وقد كان رأي الدكتور شوقي ضيف بداية الأزمة مع نصر حامد أبو زيد (على حدِّ حكاية جابر عصفور). وانتهى الأمر بتنحي الدكتور ضيف عن اللجنة، ودخول الدكتور عبد الصبور شاهين الذي أجَّج الموقف، وأحال الأمر للقضاء كما أسفرت الأمور في النهاية. لم يقتصر دور الدكتور مكي على هذا، بل بادر بكتابة التقرير الذي يفند فيه آراء عبد الصبور شاهين، بالاشتراك مع جابر عصفور ونصر نفسه، وهو بما يعدُّ تقريرًا مضادًا، ينتصر للقيم والتقاليد والأصول الجامعية التي تراعي التجديد والمغايرة، وهو التقرير الذي كان له أثر كبير في قبوله من مجلس الكلية، لكن الأمور سارت في غير اتجاهها الطبيعي، في إدارة الجامعة برئاسة مأمون سلامة 1993 (رئيس الجامعة آنذاك)، بقبولها ـ تحت ضغوط ـ تقرير عبد الصبور شاهين، ومن ثمَّ رفض الترقية. ومثَّل موقف الجامعة هزيمة لتيار التجديد الذي أرسى دعائمه طه حسين، وانتصر له في محنته عام 1926، وفي ذات الوقت إجهاض علني لمقولة سعد زغلول إن الجامعة دينها العلم.
نُبل الرَّاحل لم يقف عند هذه الحادثة، فهناك مواقف كثيرة تؤكد هذا، بل إن جزءًا من هذا النُّبل يكمن في عدم إعلانه كغيره أنه بشَّر بالثورة، أو حتى طالب بها، ثم ينضم إلى الثوَّار الزائفين، وإنما اكتفى بتأييد خروج الشباب في 25 يناير، وحقهم في التعبير عن مطالبهم المشروعة،العجيب أن الرجل عندما سافر في بعثته كان يحكم إسبانيا ‘الديكتاتور فرانكو، الذي كان يُلاقى القبول في العالم العربي، في حين يُتهَّم في الدول الاشتراكية بأنه معادٍ للحريات، وتوجه له انتقادات عنيفة.
المفارقة أنه رَحَل في أوَّل أيام عيد الفطر بعد أن تغيَّر مسار الثورة تمامًا، وتبدُّل مواقف ممتطي الثورة، ولكن للأسف أعلنوا الخبر بعد أيامٍ من رحيله، تأكيدًا لخياناتهم وهم منكبون على صخب نهارى وليلي لقتل كُلّ ما هو نبيل في هذا الوطن، باختلاق أكذوبات، وتأجيج مشاعر ضد البعض، حتى صِرنا شيعًا وأحزابًا، أليس ما فعلوه بتركهم جسد الرجل غريبًا دون أن يسعوا لاسترداده لينام هنيئًا في أحضان وطنه،بشعًا؟!، أليست هذه واحدة من الخيانات الكبرى التى تتوزَّع الآن على الجميع؟! وهذا ما يشير إلى إدانة القنصلية المصرية في مدريد بتجاهلها!!
رحيل الرجل بهذه الصورة خاصة أنه سبقها مرض استمر أكثر من خمس سنوات، (بعد حادثة سقوطه مغشيًا عليه أثناء استضافة مكتبة الإسكندرية له عام 2006 في برنامج (الباحث المقيم) المخصَّص للعلماء العرب البارزين في تخصصاتهم)، دون رعاية طبية من الدولة حيث عمل ملحقاً ثقافياً، قضى هناك عشر سنوات من 1955م إلى 1965م، بعد ذلك عاد إلى مصر مرة أخرى وتولَّى إدارة الترجمة والنشر في وزارة الثقافة من 1965 إلى 1969، أو حتى جامعته التي كان يمثِّلها في كافة البلدان منذ أن سافر مبتعثًا إلى إسبانيا، هو وأربع من زملائه، بتكليف من الدكتور طه حسين في عام 1950، ثم تأسيسه للمعهد المصري للدراسات الإسلامية في مدريد، وتعيينه وكيلاً له، وترجمة أيام طه حسين كتدشين لهذا الافتتاح، إلى سفره إلى المكسيك كأستاذ زائر عام 1969، ثم الكويت1971 حيث عمل أستاذًا في كلية الآداب جامعة الكويت لمدة خمس سنوات، أليست هذه الأدوار شفيعًا له ليلقى التقدير الملائم بشخصه ومكانته كعالم ورمز لمصر، وسط رموزٍ تتلألأ، وهى أشبه بالفتيل، الذي تنطفئ جذوته مع نسمة هواء ضعيفة؟!
يتميز الدكتور مكي بالرصانة والجدية والدقة، إلى جانب التواضع الشديد الذي كان يجعله يُمسك بحقيبته الخاصة دون أن يسمح لأحد من طلابه بحملها، وعندما كبر به السن كان يُحضر معه ابنته لتأخذه من الجامعة وتحمل أوراقه وحقيبته، كما إن الإخلاص يعدُّ سمة عامة له على المستويين الشخصي والعملي، ففي كتاباته تتجلَّى هذه الصفات بصورة واضحة فمنذ ابتعاثه دون رغبته إلى إسبانيا، حيث كان طلاب البعثات حينها يوفدون إلى باريس ولندن، وفي سنته قرَّر الدكتور طه حسين أن تكون إسبانيا هي الدولة التي تستقبل الطلاب، وصار أسيرًا للمكان تاريخًا وأدبًا يحقق عنه تراثه كما فعل في ‘وثائق تاريخية جديدة عن عصر المرابطين’ (1961) و’كتاب أحكام السوق ليحيي بن عمر’ (1956)، تحقيق ودراسة، وتحقيق’ديوان ابن درَّاج القسطلي’ (1961)، و’الزهرات المنثورة في نكت الأخبار المأثورة’ (1982)، المقتبس لابن حيان القرطبي. ويكتب عن الأدب والأدباء كما في ‘الروايةالمعاصرة في أسبانيا’(1975)، والفن القصصي في أدب أميركا اللاتينية (1963)، ‘الشعرالأسباني المعاصر في أسبانيا وأميركا اللاتينية’ (1973) ويترجم أعمالهم إلى العربية كما في ‘السيدة باربارا’ لرومو لوجاييجوس′، وهي التي حصل بها على جائزة الدولة التشجيعية عام 1968،بعد أن كلفته أستاذته سهير القلماوي للترشُّح للجائزة، وصياح الدجاجة’ لرامونسوليس′، وهي لصديق له وكذلك ‘مركب بلا صياد’ و’الأشجار تموت واقفة’ لأليخاندرو كاسونا، بالإضافة إلى بحثه القيم ‘أثر العرب والإسلام في الحضارة الأوروبية’ (1971) الذي يضع الحقيقة التي تغافلها المستشرقون، وهو ما نبَّه إليه كثيرًا الدكتور مكي، بأننا لا يجب أن نأخذ ما كتبه الغرب على أنه المصدر الوحيد والصحيح. وكذلك كتابه المهم ‘مدريد العربية’، وهو ما يعكس شدة الانتماء لأرومته، ونسب الفضل لأصحابه، وهو ما برز في دعوته للأخذ بما كتبه المستشرقون الأسبان خاصة، دون الاستشراق الأوروبي، لأن هذا الاستشراق يستمد رؤيته من الداخل، وقد عدّ الكثير منهم أن الحضارة الأندلسية جزء من تراثهم القومي
درج الكثيرون على الخلط بين عَلَميْن من أعلام الأدب الأندلسي أولهما: الدكتور الطاهر أحمد مكي (أمدَّ الله في عمره)، المتخصص في مجال المقارنة، إلى جانب انشغاله بالأدب الأندلسي، وثانيهما: الدكتور محمود على مكى (رحمه الله)، وموقع الخلط راجع إلى عوامل منها أنهما ينتميان إلى مسقط رأس واحد، هو محافظة قنا، وكلاهما أيضًا يشتغل بالحقل الأندلسي، لكن للتذكير أن الرابط الفكري والعلمي هو الذي يجمعهما، وليس رابط الأرومة والمحتد.
بقى أن نشير إلى أنه تولّى رئاسة قسم اللغة العربية في كلية الآداب جامعة القاهرة من 1982 إلى1985. كما أسهم في إنشاء قسم اللغة الأسبانية وآدابها، وتولَّى رئاسته من 1984 إلى 1989، بالإضافة إلى انتخابه عضواً في مجمع اللغة العربية في القاهرة عام 1985. كما أُنتخب عضواً مُراسلاً في الأكاديمية التاريخية الملكية في مدريد، والأكاديمية الأدبية في برشلونة، وقرطبة. ونال جوائز وأوسمة عدة، منها: جائزة الدولة التقديرية (1994)، جائزة الملك فيصل العالمية في الدراسات الأندلسية (1988)، جائزة التقدم العلمي في الكويت (2005)، وسام الجمهورية من مصر (1968). كما أن لاقى الحفاوة من أسبانيا فمنح ثلاث أوسمة: هى ألفونسو العاشر الحكيم (1967)، الاستحقاق المدني (1967)، التفوق المدني بدرجة فارس (1992)، كما مُنح الدكتوراه الفخرية من جامعة ريكاردو بالماس في ليما (بيرو).
رحم الله الدكتور مكى بقدر ما بذل في خدمة الثقافة العربية في ربوع البلاد المختلفة.

Email this pageShare