العراق من الأبجدية إلى الطواف حول قبور

إحسان بن ثامر

Sep 14, 2017

من يُفكر أن يتطرق للشأن العراقي سواء لتاريخه وحضارته الماضية أم لواقعه الحداثوي المعاصر فعليه أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم لكي لا ترتفع عنده ضغوط الحسرة والندامة ولا يُصاب بآهات وأنين النفس اللوامة فيَلقي حتفه غير مأسوف عليه ولا من ثاكلة تنعاه وتبكيه ! للتقلبات المتناقضة التي يجدها في طول مسيرته التاريخية بين العراقة والأصالة والأزلية الحضارية وبين ظاهرة التناشز الاجتماعي إلى المد والجزر السياسي والإداري والاقتصادي وهلم جرا …وهي ليست حكراً على العراق فقد مرت بأمم كثيرة وبلاد متنوعة غير أنها واضحة المعالم في بلاد وادي الرافدين إلى درجة تُصيب الباحث بالحيرة والذهول بحيث أن مهد الحضارات صار يلد مَن يحمل معولاً لتهديمها وقد أجاد هذا الوريث القاصر في تنقيب التهديم والدمار لا البناء والإعمار.
ولا بأس أن نمر مرور الكرام وبالإشارة من غير إطناب الكلام على بعض الشواهد التاريخية التي تبعث فينا روح الأمل والإصرار لكي لا نستسلم لعواصف الأقدار التي عصفت بنا وأحالت دون ما نتطلع إليه وما نبتغيه وأيضاً أن لا ينشغل أبناؤه بثقافة لا تنسجم مع ماضيه العريق ولا مع حاضره ومستقبله المرتجى أن يكون مزدهرا خصوصاً تلك التي قد أكل الدهر عليها وشرب وهي مسؤلية مُلقاة على عاتقنا جميعاً وبلا استثناء.
الكتابة : حين تطور الإنسان الأول وتكونت المجتمعات البشرية ابتكر الكتابة لحفظ إنتاجه الفكري وميراثه الثقافي والعلمي من الضياع والإندثار ففي سنة (5000 ق م ) تم اختراع الكتابة، ومن على أرض وادي الرافدين في مدينة أور التاريخية التي تقع جنوب العراق في عهد اللغة السومرية. وقد مرت الكتابة بمراحل متعددة حيث أنها كانت صورية … ثم اخترعوا الكتابة المسمارية في (3600 ق م) وهي الكتابة التي تنقش على ألواح الطين والحجر والشمع والمعادن وغيرها … وقد كانت الكتابة الوحيدة التي تُستخدم آنذاك حتى اخترع المصريون القدامى الكتابة الهيروغليفية (3400 ق م) واستمر ذلك حتى ظهور الأبجدية.
الحضارات : كان للعراق السهم الأكبر من الحضارات التي تأسست وأُنشئت على ترابه ويعود تاريخ أول حضارة إلى (6000 – 8000 ق م) وقد أطلق الإغريق القدامى اسم (ميسوبوتاميا) على تلك البلاد ومعناها ( بلاد ما بين النهرين ) من السومرية والبابلية والأكدية والآشورية … وهي مهد داعية التوحيد إبراهيم الخليل (عليه السلام) إلى العصر العباسي من التاريخ الإسلامي والذي اتخذ من بغداد عاصمة له. وقد كان مزدهراً في مجالات عديدة كما أنّ هنالك إخفاقات في موارد اُخرى مما لا مجال في سردها بهذه العجالة والتي لم تكتب من أجل هذا المورد.
شهِدَ العراق ما بعد تغيير نظام الحكم في (2003 م) مزيداً من التقلبات السياسية والاجتماعية وقد سُجّل في قاموسه نقاط إيجابية بالقياس إلى محيطه العربي والإسلامي اقتصادياً كدخل المواطن وميزانية الدولة التشغيلية والاستثمارية بعدما كان محاصراً اقتصادياً لأكثر من عقد ونيف من سنيّ يوسف العِجاف إلى الحريات في محيط يحلم بمسماها والتي وصلت إلى حالة من الفوضى العشوائية وهي ليست غريبة على بلاد وادي الرافدين فقد مرّ بتقلبات عديدة على طول تاريخه العريق غير أنّ نقاط المأساة في سجلاته الحديثة من الفوضى والدمار والحروب الأهلية والطائفية والفساد الإداري أكثر بكثير وبأضعاف مضاعفة. لكنّ هذا هو قانون التغيير لا يكون إلاّ بضرائب قاسية وجسِام بما في ذلك بلاد الربيع العربي وخريف الحكام بحيث مهما حدثت وتحدث من مناظر بشعة في عالمنا العربي المنكوب تزول تلك اللوعة للوهلة الأولى حينما نشاهد نسبة الوعي والإدراك لدى المجتمع لا سيِّما الجيل الواعد والفتي بروح العزيمة والإصرار وهو بحد ذاتهِ نصر وإنجاز كبير لأمتنا المناضلة لأنّ جميع الحضارات التي خدمت الإنسانية وغيرت مجرى التاريخ إنما بُنيت على أنقاض الفجائع والأحزان.
وكما أنّ هنالك تنقيباً للآثار فإن هناك تنقيباً للأفكار وعلينا أن لا نوفر جهداً في تصفيتها وتطهيرها من الشوائب والغث والدخيل الذي لحق بها وإذا ثمة نسبة كبيرة من الوعي يُشار إليها في عالمنا العربي بعد التغيير الحديث فكذلك بالمقابل هنالك نسبة قد تضاهيها من اللاوعي. ورحم الله الدكتور علي شريعتي حينما أطلق عنوانا على أحد مؤلفاته ( النباهة والاستحمار). ومن البديهي أنّ أيّ مساحة منهما قد يتخلل إليها الفراغ فسوف تمتلأ بنتاج الاُخرى إذ لا فراغ في الكون كما يقال فيزيائياً. وعلينا أن لا نسمح للفراغ أن يتسلل للنباهة والوعي وأن نُضيّق الخناق على الجحشنة والاستحمار.
لم تكن قد استولت بلاد وادي الرافدين على حقوق النشر والمنفعة والاستخدام في ظاهرة زيارة قبور الموتى والأولياء والصالحين بمفردها بل شاركتها بلاد كثيرة ومتنوعة عربية وغير عربية. ولا أريد الدخول في البحث الفقهي الشرعي والاستدلالي لهذا الموضوع حول مشروعيتها من العدم خصوصاً أنّ بعض المشاهد لها خصوصية في الثقافة الدينية. لكنّ العراق في العقد الأخير كثرت فيه تلك الظاهرة إلى درجة أنّ عداد التوثيق والإحصاء قد تخطى الآحاد إلى العشرات بل وربما المئات!
مع استمرارية التجدد والحدوث بحيث في كل فترة يرى شخص مناماً في بيئة خصبة للأحلام والمنامات وبواحة من واحات البلد العريضة ثم تتحول إلى مقصد يُؤتى إليه من كل فجٍ عميق. بل وصل الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك بحيث أن جرارا زراعيا خُيِّل للبعض أنه مقام لأحد الصالحين وبه شفاء للمرضى والمحتاجين وإذا بقطع غيار الجرار تم تقسيمها على أنواع أمراض الجسم فالإطارات تعالج مرض، والمحرك لمرض آخر، وهلم جرا…!
والظاهر أننا استبدلنا عيادات عمالقة الطب العراقي والعربي كالدكتور سعد الوتري والدكتور سرمد الفهد… بإطارات الجرار والهيدروجين وربما المنجنيق قريباً، أبدلنا المهارات التقنية في العمليات الجراحية إلى الشفاء بطريقة العجائز من البخور والرياحين! والذي يزيد الطين بلة أن هنالك تناميا لهذه الظواهر بسبب الفوضى العارمة في الخطاب الديني وقد تجنبت الخوض في المزيد من التفاصيل لأنـها تـسبب الإعياء والغثـيان.

كاتب عراقي

 

العراق من الأبجدية إلى الطواف حول قبور

إحسان بن ثامر

- -

15 تعليقات

  1. المزارات وعبادة القبور لم تكن موجودة في قريش ولا في الجزيرة العربية
    وهذا دليل على أن أصلها من فارس أو الهند
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. هل أننا نعيش في زمن علي وردي آخر لكنه بهيئة مختلفة . بوركت صحيفة القدس على نشر هكذا أبحاث فبلادنا وصلت لحالة من التقهقر الفكري المخيف .

  3. أعتقد أن الفقر سبب رئيسي في تنامي الأفكار والعادات الخرافية . شكرا للباحث العراقي

  4. يراد من هكذا ظواهر من عبادة القبور والاولياء صرف الناس عن البيت الحرام ومكة . شكراً للباحث العراقي خصوصاً وهو يرتدي لباس يمنع الخوض في مثل هكذا أبحاث

  5. المقالة لم أنشرها بهذا العنوان والأفضل تكون تحت عنوان ( العراق من أبجدية الأحرف والسطور إلى الطواف حول الأضرحة والقبور )

    وشكراً للأخوة جميعاً من كادر الصحيفة والقرآء الكرام.

    • حسب علمي ، أن الدكتور سرمد الفهد لا يزال حي يرزق ، و يعيش في الامارات العربية !

      • شكراً على مروركم دكتور أثير وبشركم الله بالخير فهكذا نقل لي من بغداد وعلى كل حال فجميع العراقيين هم شهداء دكتورنا الفاضل .

        • خالص الإحترام ، الاستاذ الفاضل ، إحسان بن ثامر ، و شكراً جزيلاً على هذا المقال الهام.
          .
          عنوان المقال يلخص بذكاء فحواه !
          .

          العراق ربما اكثر دولة في التأريخ سارت عكس مجراه (اي التأريخ) ، فهو من قدم اهم اختراع على الاطلاق للبشرية وهو الكتابة التي ساهمت في احياء الأنفس و صنع الحضارات و هي الاساس لكل تطور حصل عبر التأريخ ، ثم انتهى بعد الاف السنين و بدل من أن يتصدر دول الارض قاطبة من حيث التقدم و قيادة البشرية علمياً و ادبياً و انسانياً ، انتهى الى نشر ثقافة الموت و الموات و الخرافة والدجل و الاساطير.
          .
          خالص التقدير

  6. ما يجري في العراق من قمة السلطة ونظام حكمه
    في الوقت الحاضر مبني على الخرافه والعنجهيه
    ولا توجد دوله بمفهومها كدوله

  7. هذا الحال ليس وليد الساعة ، بل له تمهييد منذ عقود ماضية ، اسستها المرجعيات ودعت لها بالخفاء الى نالت التمكين من اسغفال عقول الملايين من الشعب الى ان اوصلوهم الى تقديس الحجارة ، واصبحت الحجارة او ماذكرتم آله او واسطة نقول لها اياك نستعين وانت الشفيع للخلاص ، ولاةاعتقد الجوع هو السبب فهناك بلاد من الجوع ابدعت واصبحت من الدول الغنية ، لكن الجوع هو العبل اذا اشبع العقلةاو اطمس في غياهب الجهل

    • اعتذر في كلمات متحركة الحروف فيها وكنت اقصد فيها الجوع من العلم حتى اطمس العقل بالجهل

  8. لا شك أن مثل هذه الطقوس دخلت الى العراق عبر التاريخ من أقاليم مجاورة ولا سيما ايران والاقاليم المجاورة لها وأكثر الناس التي تتبنى مثل الطقوس هي طبقات المجتمع البسيطة القليلة النعليم والمعرفة لذا تراها تتبنى وتعتنق مثل هذه الافكار والممارسات التي يمكن وصفها بأنها لا تعدو سوى ثمة خرافات وبدع وافدة وجدت لها وسط اجتماعي قليل المعرفة ، ولابد ان نذكر في هذا الاطار هذه الاجواء والطقوس لا تمارس في كل مناطق العراق بل في نقاط معينة من جنوب العراق وبدأ البعض من أوساط الشباب والمتعلمين يتنبهوا بعدم جدواها

    • الإستاذة الفاضلة نهى ٫ بعض الظواهر الخرافية في العراق بدأت تغزو الساحة البغدادية ( عاصمة السلام والثقافة ) وبكثرة وأخشى أن تتحول إلى عقائد مستديمة لذا كتبت كي تواجه وبقوة . جزيل الشكر والتقدير

  9. المقال به نقد لما يجري بارض الحضاره ومعلومات تثقيفيه ولكن عزيزي الكاتب لماذا لا تذكر فكرتك في محاوله اصلاح وتهذيب هذا السلوك ، السلبيات في مجتمعاتنا وكلنا نعلمها جيدا ولكن ماذا عن الحلول

    • الأخ العزيز تميم فاروق ٫ ذكر الظواهر السلبية دون إيجاد حل لها يزيد الطين بلة كما نقول لكن أحاول تكون المقالة مختصرة كي لا يسأم القارء وتعلم جيداً أمة إقرأ لا تقرأ ثم أتم الفكرة بمقال ثاني وثالث وهكذا . بوركت

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left