الخروج من تحت رماد الخراب

د. علي محمد فخرو

Sep 14, 2017

لا يعرف الإنسان إن بقي مكان للمنطق في بلاد العرب، ومع ذلك فلنحلل موضوع العراق وسوريا بصورة منطقية هادئة.
ليس من شك في أن تاريخ العرب الإسلامي قد تمظهر في أعظم وأبهى صوره في دمشق سوريا وبغداد العراق لعدة قرون، وبالتالي فان موضوع بقاء القطرين في الحاضر والمستقبل العربي هو إما استمرار لجزء مهم من تاريخ الأمة في أمد الحياة البشرية الطويل، أو توقفه ودخوله في قبور المتاحف كذكرى وعبر.
من هنا لنطرح السؤال الأول: لو أن سوريا والعراق اتحدا يوم كانا تحت حكم الحزب الواحد، وكونا في حينه دولة عربية كانت ستكون من أغنى الدول العربية في ثرواتها الطبيعية، ومن أكبرها منعة باندماج قوتيهما العسكريتين الهائلتين، ومن أكثرها صلابة في وجه الكيان الصهيوني الغاصب، ومن أشدها تمسكا بالتضامن الوحدوي العروبي.. لو أن ذلك حدث فهل كان سيحدث لهما ما حدث من تدخل أو اجتياح من قبل قوى الخارج الاستعمارية والصهيونية والإقليمية، ومن استباحة من قبل جنون وعبث وهمجية الميليشيات الرافعة زورا وبهتانا لرايات الإسلام، ومن رفع لمطالب الانفصال والتمزيق الطائفي والعنصري والقبلي؟
ليس هذا بالسؤال الطفولي العبيط، بل هو إشارة إلى مأساة وأهوال الجرحين الهائلين في جسد القطرين العربيين العزيزين وهما ينزفان دما ودمارا وإمكانية فناء.
والآن، وبعد أن واجه القطران المؤامرات نفسها من المصادر نفسها بأسلحة الغدر والخيانات نفسها من البعيد ومن الإخوة الأعداء القريبين، وبعد أن نجح كل ذلك في نشر الدمار والاقتلاع واضطرار الملايين للخروج إلى منافي الضياع، وفي معاناة ستة ملايين من أطفال سوريا وخمسة ملايين من أطفال العراق من المرض والجوع والحرمان من الدراسة والتشرد في الشوارع، وبعد أن ضعفت الدولتان إلى حدود العجز أمام حركات الانفصال والتقسيم وإشعال الصراعات الطائفية والقبلية، الآن وكلاهما يحصدان ما زرعه ضياع فرصة التوحيد التاريخية التي أشرنا إليها، فان السؤال الثاني لا بد أن يطرح نفسه ويستدعي الجواب الواضح الصريح. السؤال: هل تعلم القطران الدرس، وهل سيستفيدان من عبر أوجاع وأهوال الجراح المتماثلة والمشتركة؟
بمعنى آخر هل سيحدثان زلزالا استراتيجيا في الأرض العربية من خلال توجههما بخطى ثابتة، حتى لو كانت تدريجية، نحو تبني وتنفيذ خطوات وحدوية في الاقتصاد والأمن الداخلي والخارجي والسياسة والعمالة والنظام المجتمعي المدني والتربية والتعليم وحقوق المواطنة، على سبيل المثال؟ نحن هنا نتحدث عن بناء سد منيع في وجه أعداء الخارج والداخل، وعن الانتقال إلى نهضة عروبية ديمقراطية حقيقية يشع نورها في آفاق الوطن العربي الكبير. وعندما نشترط الديمقراطية فإننا نفترض تجنب القرارات الفوقية التي شبع الكل من بلادتها وأخطائها، والاعتماد على التأكد من إشراك ورضى غالبية مواطني المجتمعين. الأهداف والوسائل وخطوات التنفيذ وتقييم الرضى عن النتائج يجب أن تكون ديمقراطية حقيقية.
لا تهمنا التفاصيل إطلاقا، ولا الشروط التعجيزية، ولا حتى التوقيت، ولكن يهمنا انقلاب السحر على سحرة الاستعمار والصهيونية وفراخ دوائر الاستخبارات وأدوات أولئك من القلة القليلة من جهلة العرب. هل أننا نتكلم عن اضغاث أحلام وأحلام يقظة؟ أبدا، فإذا كانت بغداد وكانت دمشق تفخران بأنهما كانتا من قمم مهد الحضارة العربية الإسلامية التي شع نورها منهما، وبالتالي فإنهما في قلب التاريخ والجغرافيا والحضارة والإبداع لهذه الأمة، فاننا ننتظر من تلك الحقائق الساطعة الملهمة أن تخرج القطرين، ومعهما أمتهما، من حالة الوقوف والبكاء على الأطلال، إلى حالة جمع كل طوبة في أرض الخراب التي يعيشان عليها لإعادة بناء ما دمرته التدخلات الشيطانية والأحقاد والبلادات.
شعبا العاصمتين العظيمتين قد خرجا من تحت الرماد والانقاض المرة تلو المرة عبر تاريخهما، وهما قادران على إعادة عبق تاريخ انتصارات هذه الأمة على أعدائها.
دعنا نقولها بصوت عال وبغيرة على هذين القطرين الرائعين: لا العراق لوحده ولا سوريا لوحدها سيستطيعان الخروج من أهوال دمار المأساتين الهائلتين اللتين فرضتهما دوائر الاستعمار والصهيونية والاستخبارات الأجنبية والمتآمرون في الداخل العربي مع الأسف الشديد والحسرة الباكية.
سيكون مفجعا لو أن المسؤولين في النظام السياسي للبلدين، ولو أن قادة المجتمع المدني في كلا القطرين، لم يفكروا في إحداث تغيير جذري في نمط تفكيرهم السياسي وفي نمط التعامل مع نتائج الكوارث التي حلت بالقطرين وببقية أجزاء بلاد العرب بدون استثناء.
نحن هنا لا نتحدث عن خلق زعامات منافسة لأحد ولا التوجه نحو ادعاءات بقيام قيادات تاريخية ملهمة ممتلكة لشرعيات غير ديمقراطية. نحن، فقط، نطالب بأن لا نبقى ندور في حلقة الأخطاء والبلاهات السابقة.
كاتب بحريني

الخروج من تحت رماد الخراب

د. علي محمد فخرو

- -

3 تعليقات

  1. استاذنا الكبير علي فخرو

    كلامك صحيح ولكن نحن السوريين نعرف مليا ان حزب البعث هو اصل البلاء، رفع شعار القومية وهو في عمقه طائفي وقطري لقد دمر هذا الحزب العراق ودمر سورية ودمر تاريخهما وتراثهما وسحق شعبيهما وارتهن لاسرائيل وايران هذا هو الواقع المرير وستكشف الايام والسنون المقبلة كل الخيانات وعمليات الاجرام التي ارتكبها البعثيون في بلاد الحضارات وكيف حولوها إلى رماد

  2. هذا كان سوف يحدث لو أن قيادات البلدين في سوريا والعراق كانوا على مستوى المسؤولية والإنتماء لشعبهم ووطنهم بشكل صادق. إنما ما نحن بحاجة إليه هو حركة من قبل الشعب العربي وطلائعه في الدول العربية تطالب وتعمل وتنظم للوحدة العربية وتثقف جماهيرها حول أهمية ومنافع الوحدة العربية لجميع العرب وعلى جميع الأصعدة.

  3. استاذي الكريم لن يجدي الحديث مع القيادات الحاليه في البلدين فكلاهما لا يهمه الوطن و لا الشعب. انظر المالكي و بلايين الدولارات التي سرقها من العراق و هربها للخارج. انظر كيف اصبح العراق تحت الاحتلال الايراني الشيعي الذي يقوم الان بتدمير ٤ دول عربيه في ضربه قاصمه واحده ! و كيف بشار دمر كل مدن سوريا [ما عدا المناطق العلويين !!!] بالطيران الروسي و قتل و شرد ملايين بدون اي اكتراث و يدعي محاربه الارهاب !!! و هو الذي يشتري بترول من داعش في الموصل. هيك قيادات يجب مسحهم بالاول قبل كل شيء.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left