استفتاء كردستان وإعادة رسم خريطة المنطقة

محمد عايش

Sep 19, 2017

تشهد المنطقة العربية منذ عدة سنوات حراكا غير مريح، ينطوي على عملية إعادة تشكيل للمنطقة برمتها ولدولها، وإعادة رسم للخريطة السياسية في الشرق الأوسط، ويندرج استفتاء إقليم كردستان في شمال العراق ضمن هذا الاطار، وإن كان هذا الاستفتاء ليس الدليل الوحيد على أن خريطة المنطقة يُعاد رسمها من جديد.
يحلو لبعض المؤمنين بنظرية المؤامرة الاعتقاد بأن ما يجري في المنطقة ليس سوى مشروع أمريكي غربي استعماري جديد يقوم على تقسيم المقسم وتقطيع المقطع، ويحلو لهم أيضاً الترويج إلى هذا الاعتقاد، مستندين إلى وثائق، ربما تكون صحيحة، من بينها مخطط لإعادة تقسيم منطقة الشرق الأوسط، وضعه الأستاذ الجامعي برنار لويس المختص بالمنطقة والخبير بتاريخها، وهو أستاذ في جامعة «برنستون» الأمريكية متخصص بدراسات الاسلام والعرب ومنطقة الشرق الأوسط، وهو أمريكي من أصول بريطانية، وتعود أصوله الى عائلة يهودية تسكن لندن، كما أنه يجيد العربية والعبرية، إلى جانب الإنكليزية ولغات أخرى.
المؤمنون بنظرية المؤامرة يعتقدون أن الولايات المتحدة وإسرائيل ومعهما قوى غربية، يتبنون مشروع برنارد لويس لإعادة تقسيم منطقة الشرق الأوسط، ويقومون بتنفيذ هذا المشروع بسرية تامة وصمت، وينطلقون من هذه النظرية الى تفسير لماذا صمتت أمريكا على الحرب في سوريا، ولماذا تقف كمتفرج على حرب اليمن، ولماذا تركت ليبيا تغرق في صراعاتها الداخلية، بعد أن سقط القذافي، وصولاً إلى أزمة الخليج الراهنة، التي تهدد التكتل العربي الوحيد الناجح (مجلس التعاون الخليجي)، بعد أن فشلت كافة محاولات العمل العربي المشترك طوال السنوات الستين الماضية، بما فيها الجامعة العربية، التي لم يعد لها أي قيمة سياسية.
المؤمنون بمؤامرة برنارد لويس يعتقدون أن الولايات المتحدة ومعها القوى الغربية، تقوم بإعادة تشكيل المنطقة ورسم خريطتها من جديد بأيدي أبنائها، ولذلك فإن كل هذه الصراعات يتم توجيهها أمريكيا عن بُعد، لنسف الدول القائمة، ومن ثم إعادة بناء دويلات جديدة وكيانات حديثة بأنظمة مطابقة للمواصفات والمقاييس التي ينص عليها مشروع لويس.
وأغلب الظن أن الاعتقاد بوجود مؤامرة تستهدف الخريطة العربية ليس صحيحاً، إذ أن السياسات الأمريكية والدولية، لا يرسمها أستاذ جامعي حالم يُدلي برأيه واجتهاده كما يفعل كثيرون غيره، كما أن واشنطن لم تعد بحاجة لحياكة مؤامرات سرية لتنفيذ أجنداتها وسياساتها وتحقيق مصالحها في العالم، فهي الآمر الناهي في عالم يحكمه قطب واحد منذ انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1990. سواء كان هناك مؤامرة أمريكية اسرائيلية غربية تستهدف خريطة العالم العربي، أم لا، فان الحقيقة المؤكدة أن ثمة حراكا سياسيا وعسكريا حادا في العالم العربي قد ينتهي خلال سنوات قليلة بانهيار دول وقيام أخرى، كما أن الإصرار الكردي على إجراء استفتاء الاستقلال في الخامس والعشرين من الشهر الحالي، قد يتسبب بنشوب حرب جديدة في منطقة متحاربة أصلاً ومشتعلة أصلاً، كما قد يؤدي الى تغيير التحالفات والمناكفات؛ إذ أن أنقرة وطهران اللتين تتحاربان في سوريا قد تتحالفان في العراق ضد استقلال إقليم كردستان.
خريطة المنطقة العربية يُعاد رسمها من جديد بكل تأكيد، وكل الأحداث في منطقة الشرق الأوسط تدل على ذلك؛ بدءاً من سوريا فالعراق الى اليمن وليبيا وأماكن أخرى من العالم العربي، لكن هذا التغيير ليس ناتجاً عن مؤامرة أمريكية ولا اسرائيلية، كما أنه ليس تنفيذاً لمخطط وضعه برنارد لويس أو غيره من أساتذة التاريخ والسياسة والاجتماع، وإنما هذا التغيير الذي تشهده المنطقة إنما هو نتاج لأنظمة قمعية قادت دولاً فاشلة طوال العقود الماضية، وتجري الآن عملية تصحيح طبيعي تماما كعمليات التصحيح التي تشهدها البورصات وأسواق الأسهم عندما تشهد انهيارات في الأسعار ناتجة عن أعمال مضاربية شاذة.
المنطقة العربية تدفع اليوم ثمن سبعين عاماً من القمع والاستبداد والفساد وسوء الادارة وغياب المؤسسات وانعدام المشاركة السياسية والممارسة البيروقراطية الطبيعية، وكل هذا أدى الى انهيار جملة أنظمة في المنطقة العربية، ومن ثم يُعاد التشكيل بشكل شبه عشوائي وفوضوي لهذه المنطقة. نشعر بالأسى بكل تأكيد لأن الدول المقسمة أصلاً يتم تفتيتها من جديد بفعل هذه الصراعات، ونشعر بالأسى لأن بعض الدول الصغيرة لم تعد قادرة على التماسك، رغم صغر مساحتها ومقدرتها، والأهم من ذلك أننا نشعر بالأسى أكثر وأكثر لأن حُلم الوحدة العربية يتبدد شيئاً فشيئاً وحُلم الدولة العربية الواحدة بات أبعد من أي وقت مضى مع عمليات تجزئة المجزأ التي تشهدها منطقتنا العربية.
كاتب فلسطيني

استفتاء كردستان وإعادة رسم خريطة المنطقة

محمد عايش

- -

7 تعليقات

  1. ” المنطقة العربية تدفع اليوم ثمن سبعين عاماً من القمع والاستبداد والفساد وسوء الادارة وغياب المؤسسات وانعدام المشاركة السياسية والممارسة البيروقراطية الطبيعية، ” إهـ
    كلام من ذهب, هذه هي الحقيقة – فالشعوب العربية لم تتعلم عن الديموقراطية شيئ
    ولهذا أضاعت الديموقراطية من يدها بأول إعتراض لأول رئيس تم إنتخابه ديموقراطياً ! وأقصد الرئيس مرسي
    ولا حولولا قوة الا بالله

  2. الاستاذ محمد عايش المحترم،
    انه لمن المؤسف ان تنظر الى جملة الصراع الدموي في المنطقة على كونه شأن داخلي وكأن الغرب نائم على اذنيه. كل هذه الجيوش المدججة والحورب والقصف والقتل اللذي يمارسه الغرب وخاصة امريكا ومازل البعض يشكك بما يسمى ننظرية المؤامرة.
    لنقرأ شيئا من التاريخ. بالطبع كان لسقوظ الدولة العلية العثمانية عوامل عديدة لسنا هنا بصدد ذكرها ولكن هل يمكن تصور تلك الأحداث بدون «مؤامرة» سايكس وبيكو ولورنس العرب ومسز بيل وغيرهم اذبان الحرب العالمية الاولى؟
    ان لمنظري القتل والاستباحة باسم الاتيان بالديمقراطية للمنطقة اسماء قد تبداء بجورج بوش وبرنارد لويس ولكن لا تنتهي بهما.

  3. اهم الفروق بين السياسة في الغرب والشرق
    ان حكام الغرب يبنون سياستهم استنادا الى
    مراكز بحوث قد يسميها البعض بؤر مؤامرة.
    اما في الشرق فان المحللون الهواة وبعد
    جلد الذات يغويهم الإستخفاف بعمل هذه
    “المراكز العلمية الرصينة”.

  4. اوافقك الرأي تماما استاذ محمد عايش، دود الخل منه وفيه، ولولا حكامنا الأشاوس لما تطاول علينا احد بدءا من اسرائيل وانتهاء بامريكا وروسيا وايران وكل ميليشيات ابو شحاطة. إن الخلل الاساسي يكمن في أن هذه الانظمة الديكتاتورية الاحادية التي وصل التسلط ببعضها إلى قتل شعوبها كما يحصل اليوم في سورية تدعم من قبل الغرب كي لا يتحقق حلم الديمقراطية والحرية لهذه الشعوب وتبقى رازحة تحت السيطرة الغربية اقتصاديا وسياسيا لأن هذه الأنظمة موجودة اصلا بدعمهم وقالتها الوزيرة الاسرائيلية علانية لبشار بأنه اذا اراد ان يستمر في الحكم عليه ان يطرد الايرانيين، ولم تقل ان عليه انصاف شعبه وان يتوقف عن قتله حتى بالكيماوي

  5. الاختلاف كبير بين عرب المغرب و عرب مصر وعرب لبنان وعرب الخليج الشيء الوحيد الذي يجمعهم هو الدين الإسلامي ومعاداة اليهود.

  6. مشكلة العرب كل العرب
    انهم عاملين ذى شاهد ماشفش حاجة
    اذا اخذنا أكراد العراق على سبيل المثال
    بعد انتهاء عصر صدام
    أكراد العراق يعدون العدة على انفصالهم عن دولة العراق وتكوين دولة مستقلة لهم والكل شاهد وعارف ذالك ومتوقع ذالك
    سواء حكام العراق او شعب العراق وكذالك كل من يعرف اوضاع العراق من كل شعوب وقادة العالم شرقا وغربا
    الان حان التنفيذ
    هل ذالك مفاجاة سواء للعراق او سوريا او تركيا او ايران او العالم العربى
    الأكرادالعراقيين كونوا جيش من الأكراد مسلح
    الأكراد عندهم استقلال اقتصادى تقريبا عن باقى العراق بفضل الغاز والبترول عندهم
    اقليم به برلمان وحكومة منفصلة ومسيطرة على الأوضاع فى منطقة أودويلة كردستان العراق
    والان استيقظ الكل وفرك عينيه
    ووجد ان أكراد العراق فى سبيل تحويل إقليمهم الى دولة مستقلة
    والكل الان يقول سوف نمنع ذالك
    طيب كُنتم فين قبل ذالك كل هذه السنيين
    صحيح
    كانوا شاهد ماشفش حاجة ؟

  7. تقسيم الدول العربية الحالية قد يكون في مصلح الغرب و اسرائيل و لكنه من فعل ايدينا و ليس مؤامرة مباشرة
    انطمة الاستبداد و الفساد و التخلف و المركزية الشديدة تفع كل ذا مصلحة ان يحاول الانفكاك سواء على اساس عرقي او ديني او قبلي او جهوي.. ولو سمح تقرير المصير بحرية لوصلنا الى اكثر من الف كيان في الوطن العربي
    انسو الشعارات و الغوئيات و الغوغائيين. اكبر ما يوحد الناس هو مصالحهم و كرامتهم
    الحل في تعديل مفهوم القومية العربية و تشكيل جديد للهوية العربية بناء على اللغة و الثقافة و الجغرافيا مثل الكثير من الدول الكبرى. و الاهم من ذلك ارساء مبادئ الحرية و الديموقراطية و العدالة و اللامركزية في الحكم.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left