الإنسان الغائب في مواجهة تقرير التعذيب في مصر

عبير ياسين

Sep 19, 2017

ربما يكون السؤال الأول الذي طرح نفسه على هامش قراءة خبر عن تخطيط جهة مصرية رسمية نشر نفي لما جاء في تقرير منظمة «هيومن رايتس ووتش» الصادر في 6 سبتمبر 2017 والمعنون «هنا نفعل أشياء لا تصدق: التعذيب والأمن الوطني في مصر تحت حكم السيسي»، بعدة لغات هو قدرة تعدد اللغات على إخفاء الحقيقة؟
وإن كانت القضية في اللغة التي تُعلِق بها، أم في المحتوى الذي تقدمه؟ فإن التناول نفسه قد يكون معبرا عن جزء من الأزمة، ومن أسباب وجود التعذيب وغيره من الممارسات التي لا يحاسب عليها أحد، وهي تهميش القضايا وإلقاء أغلفة أخرى عليها تحمل عناوين براقة أحيانا واتهامات ضخمة في أحيان أخرى، بشكل يتجاوز أصل القضية، على الأقل داخليا، باعتبار أن خطاب الإنكار وحده ليس كافيا في مواجهة التقارير والمواقف الدولية المنددة بملف الحقوق والحريات.
جاء نشر التقرير بكل ما أحيط به من غضب رسمي، قبل فترة قصيرة من زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى نيويورك، للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، الحدث نفسه الذي تم التعامل معه مصريا على أنه إنجاز ضخم، لأنه الرئيس المصري الأول الذي يشارك في حضور الجلسات 4 مرات، ناهيك عن أنها في أربع سنوات هي فترة حكمه.
إنجاز لا يبرر إلا بالتعامل بوصفه النظام مع الحدث، وتسويقه محليا بوصفه قبولا وإشادة دولية مخالفة للحقيقة. وبالتجاوز عن التكلفة التي يرتبها وتحتاج لسؤال أعمق عن المردود، خاصة بعد تكرار الزيارة وفي ظل الزيارات الأخرى التي يقوم بها الرئيس وغيرها من اللقاءات والأحداث المشابهة، التي تعقد داخل مصر وخارجها ويدفع ثمنها المواطن المطحون.
وإن كانت الزيارة في حد ذاتها إنجازا، واتخاذ قرارات صعبة اقتصاديا إنجازا آخر، كما يكرر الإعلام، يمكن أن يكون إصدار النفي بلغات متعددة إنجازا أيضا، بغض النظر عن حقيقة واقع التعذيب في مصر واقتراب التقرير منه من عدمه.
المفارقة أن جلسة الجمعية العامة تعقد تحت عنوان في عمق الحقوق والحريات، ضمن أشياء أخرى تخص الفرد – المواطن وهو: «محورية الإنسان: تحقيق السلام والعيش الكريم للجميع على كوكب مستدام». محورية الإنسان التي سيتم الحديث عنها، ومن المؤكد التأكيد على الإنجازات المصرية فيها داخليا وخارجيا، تظل أيضا محور الازمات التي تعيشها مصر والثورات التي مرت بها، والأثمان التي دفعت وما زالت من أجل إصلاح حقيقي قائم على تنمية مستدامة وأمن إنساني يحترم الإنسان ويحقق أمنه بمفهوم الحاجة والرغبة، وبمفهوم الأمن الشامل الذي لم يتحقق، وهناك تساؤلات حقيقية عن استهداف النظم المختلفة لتحقيقه على أرض الواقع.
يتم نفي تقرير «هيومن رايتس ووتش»، المعروف باسم «تقرير التعذيب»، بالطريقة نفسها التي يتم التعامل بها مع كل الملفات في عهد السيسي، مع جزء من خطاب نظام الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك القائل بأن كل ما يحدث من تجاوزات مجرد حالات فردية. نتجاوز حديث الحالات الفردية للحديث عن أبناء الداخلية، في إشارة لوزارة الداخلية، وهو ما يتجاوز خطاب المحاسبة ويتعامل مع المؤسسة - الوزارة بوصفها عائلة تدافع عن أبنائها وليس مؤسسة تحاسب العاملين بها بوصفهم موظفين عليهم أداء مهامهم، ومحاسبتهم عند تجاوز دورهم أو آليات القيام بتلك الأدوار. الفكرة نفسها التي يعمقها حديث السيسي عن نفسية المؤسسات وضرورة عدم النقد، ويتقاطع معه حديثه عن دور الإعلام في ما يسميه احترام مشاعر المصريين، من خلال عدم تكرار نشر الوقائع، ضمن رؤية تؤكد على أن الإعلام عليه أن يتبنى خطاب السلطة ويدافع عنها وكأنها هي المستهدفة من الدولة وليس الوطن والشعب الذي توجد السلطة من أجله وليس العكس. ويضاف لما سبق حديث أهل الشر ومسؤولية الإخوان وقطر والولايات المتحدة وإسرائيل وقائمة طويلة من الأعداء ضمن حديث المؤامرة العالمية، التي يتم تسويقها منذ 30 يونيو، وبشكل أساسي منذ تولي السيسي للسلطة وتراجع وهم الإنجازات السريعة المقبلة تحت عنوان «بكره تشوفو مصر» لواقع  «احنا فقرا.. وأشباه دولة». تلك القائمة نفسها يتم التجاوز عنها بشكل غير مباشر قائم على إهمال المنطق أو إهمال الفرد- المواطن، عندما تصدر خطابات عن أهمية مراعاة أمريكا للسياسات المصرية والتجاوز عن تقرير «هيومن رايتس ووتش»، وعلى أهمية المصالحة الفلسطينية التي تلعب فيها القاهرة دورا حاليا، وتحول حماس من حركة إرهابية مفترضة، وفقا للنظام وإعلامه، إلى شريك مهم لأنه ضروري لتسويق دور مصر في السلام مع إسرائيل وغيرها من الأوراق التي يحاول بها النظام الحصول على الدعم والقبول الأمريكي والإسرائيلي والخليجي. ورغم أن تلك الأوراق جزء من عالم السياسة، لكن النقطة المهمة هي التناقض في المشهد، وكيف يتم تسويق طرف في لحظة على أنه عدو، وفي لحظة أخرى على أنه صديق أو طرف مهم في معادلة الدور والمكانه، وكلها حالة من حالات التناقض التي تسوق داخليا ضمن حالة السيولة الإعلامية، وسياسات الإلهاء التي تصدر فقاعات من مرحلة إلى أخرى لتركيز الاهتمام قبل تحويله إلى فقاعة أخرى، مع السيطرة على المساحات الإعلامية القائمة وتصدير الصوت الواحد بوصفه الصوت الوطني الوحيد.
يطرح البعض حديث الإرهاب وأن محاربته أولوية يمكن في إطارها انتهاك حقوق الإنسان، ويتجاوز عن أن هذا الخطاب نفسه تم طرحه عبر عقود، وأن حديث السيسي نفسه يؤكد أنها حرب مفتوحة وخسائرها متوقعة لفترة غير محددة، وهو وضع حتى إن تم قبوله في عالم مكافحة الإرهاب، لا يعني قبول أن يكون على حساب الإنسان نفسه، الذي يقع في تلك الحالة بين عنف السلطة وعنف الإرهاب، وكأن عليه أن يكون دوما جزءا من واقع يمارس عليه العنف ويقبله من طرف حتى يتجنبه - نظريا- من طرف آخر. في الوقت الذي تستمر فيه حالة العنف قائمة بين السلطة وغيرها، لأن سياسات العنف التي يمارسها طرف، بوصفها تتجاوز قيمة الفرد وأمنه، تضخم من مبررات الطرف الآخر في استخدام العنف واستهداف البشر. وإن لم تكن السلطة قادرة على التميز عن غيرها، عبر إقرار الحقوق والحريات، فإن المساحات بينها وبين غيرها تتقلص، ويبدأ الفرد في مقارنة عنف السلطة وعنف الإرهاب في مساحة التهديد التي تمارس ضده والحريات التي تستقطع منه. في النهاية لا يفترض أن تتجاوز السلطة على حقوق الفرد باسم مواجهة عنف الإرهاب، لأن التخلي عن الحقوق وتأجيل الحريات نوع آخر من العنف الذي يهدد الأمن والسلام الاجتماعي.
يحاول البعض التأكيد على أن التقرير انطلق من خلفية حكم مبارك وما كان فيها من تعذيب، وهي أصوات قد يكون بعضها دافع عن مبارك وسيدافع عنه في أول لحظة يبدو من المهم للنظام القيام بهذا، ولكن المهم أن تلك المحاولة تصطدم بتقليص المساحات العامة، وغلق المجال أمام الأصوات التي تختلف مع السلطة، أو تدافع عن حقوق لا تقدم، سواء عبر السجون أو عبر الحجب والمنع والإغلاق، بما فيه موقع «هيومن رايتس ووتش» الذي حجب في مصر قبل أن يعود ليكون النظام شاهدا على نفسه في أساليب المواجهة التي يتبعها.
يتجاوز خطاب النفي المطلق للتقرير مناقشة أصل القضية، وهي مكانة الانسان - الفرد وكيفية التعامل معه، وواقع التعذيب وضرورة مواجهته. صور كانت واضحة في التعامل مع الطالب الإيطالي جوليو ريجيني، وما تعرض له من تعذيب، ومحاولة غلق الملف عبر اتهام وقتل عدد من المصريين، ضمن قصة ثبت فشلها في تحقيق العدالة التي طالبت بها إيطاليا، وأظهرت الظلم الذي يمكن وفقا له اتهام وقتل مواطن من أجل غلق ملف قضية ما. واقع ظهر في قضية تعذيب وموت مجدي مكين، الذي تمت المطالبة بتهميشه من قبل البعض، من أجل ما قيل إنها صورة مصر، بالإضافة إلى سجن واختفاء آخرين بدون محاكمة عادلة أو بدون توفر روح العدالة في تطبيق القانون.
يتجاوز النفي المطلق وتشوية الجهة التي أصدرت التقرير، حقيقة أن مجرد النفي، مهما تعددت اللغات المستخدمة، وارتفع الصوت، وتعددت ساعات البث ومساحات النشر، لن يغير من الحقيقة ومن ضرورة إقرار أن كل ما حدث قبل 25 يناير وما بعدها، يتمحور حول الفرد والتعامل معه، والأمن وضرورة إصلاحه، والمكاشفة وضرورة إقرارها، والمحاسبة وضرورة تفعيلها، بوصفها مكون من مكونات الإصلاح السياسي المطلوب والديمقراطية المستهدفة. وإن كان عماد الكبير وخالد سعيد أسمين من مرحلة ما قبل يناير، فهناك اسماء ووقائع أخرى اضيفت بعدها، وكلها تحتاج إلى محاسبة تحقق العدالة وتعيد الحق. وإن كان الاتهام بالتعذيب ليس ملفا جديدا فإن جزءا أساسيا من المشكلة، هو عدم إصلاح مؤسسة الأمن، وأن من يتولى المسؤولية هو العقلية نفسها وربما الأشخاص نفسهم في مناصب أخرى وأدوار جديدة تعمق تعريف السلطة بوصفها إرهاب المواطن.
وإن كان حديث الإرهاب وأهل الشر قد يتم تسويقه على الورق وفي خطاب الإعلام الموحد الذي تنتجه السلطة، إلا أنه لا يغير الأوضاع على الأرض، ولا ينفي وجود مبررات الغضب والألم والثورة. الثورة نفسها التي يصعب التنبؤ بها ويصعب تجنبها، ما دامت أسبابها قائمة في خلفية المشهد لأن عدم نشر الحقيقة لا يعني عدم الإحساس بها، وعدم نشر التقرير أو نقد الجهة التي أصدرته لا يعني تغيير الحقيقة، ومواجهة الواقع بخطاب أهل الشر والمؤامرة يتناقض مع واقع السياسة، ولا يغير الحقيقة التي يعيشها الإنسان على أرض الواقع وأنه محور اهتمام السلطة المفترض في نهاية المطاف.
كاتبة مصرية

الإنسان الغائب في مواجهة تقرير التعذيب في مصر

عبير ياسين

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left