من الخاسر ومن المستفيد من نهاية تنظيم «الدولة»

د. مثنى عبدالله

Sep 19, 2017

بسيطرته على أراض واسعة في العراق والشام، شكل تنظيم «الدولة» شبه دولة أمرا واقعا. وقد امتلكت عناصر الدولة حسب (معاهدة ويستفاليا) لكن من دون وجود اعتراف.
فالارض التي سيطر عليها كانت بحدود 144 ألف كم، وشعب مجموعه أكثر من 6 ملايين فرد، وقوة عسكرية ذات خبرة، واقتصاد، وسيطرة على مصادر المياه والسدود، وكذلك قيادة مركزية وشبه مؤسسات. يضاف إلى كل هذا أن العناصر الصلبة لديها قوة ناعمة أيضا وهي الدين، على الرغم من أن استخدام هذا النوع من القوة كان على المستوى الأدنى من الأخلاق والقيم المتعارف عليها. وقد أجمعت وسائل الإعلام الأمريكية والبريطانية على أنها دولة صبورة ومنظمة جدا، وقادرة على التعامل السياسي بحرفية عالية لتحقيق أهدافها.
هذه المواصفات جعلت منها ملاذا آمنا لكل من يريد مقاتلة الامريكان وحلفائهم، ليس من الافراد وحسب، بل حتى دول في المنطقة استثمرت في وجود هذا الكيان لتحقيق مصالحها. بعضهم دعم تنظيم «الدولة» بصورة غير مباشرة أو بالخفاء، كي يستدر الدعم المادي والمعنوي من الولايات المتحدة والغرب. وآخرون شاركوا في محاربته بحماسة شديدة، على الرغم من أن قلبهم كان معه، لكن دافعه في ذلك كان الحصول على الرضى والدعم الامريكي تحديدا. وثالث تغاضى عن تجارة التنظيم والمهاجرين إلى دولته من بقاع العالم، الذين كانوا يمرون عبر أراضيه. على سبيل المثال، إيران استثمرت كثيرا في الحرب على التنظيم، وعوائد هذا الاستثمار كانت شرعنة دخولها إلى سوريا والعراق، وبالتالي فرضت نفسها حتى على الامريكان، كلاعب مهم في هذا المشهد، ظهر ذلك من خلال قيام الطيران الامريكي بتوفير غطاء جوي فاعل للحشد الشعبي العراقي، الذي يدين بالولاء لها ولديه مستشارون إيرانيون يقودون معاركه. كما حصلت الحكومتان العراقية والسورية من تنظيم «الدولة» على شرعية دولية، غطت على الكثير من الانتهاكات التي جرت من قبلهما بحق مواطنيهم، إلى الحد الذي تنازلت فيه دول كثيرة عن مناداتها السابقة بالاطاحة بالنظام السوري، وجرت التضحية بالمعارضة السورية إكراما له. كما تنادت أصوات دولية كثيرة بضرورة توفير الدعم للنظامين، على اعتبار أن ساحتيهما هما مسرح القتال الدولي ضد التنظيم، فحصلت الحكومة العراقية على الدعم المادي الكبير وتسليح وتدريب قواتها لهذا السبب، لكن لا يمكن بأي حال من الاحوال النظر إلى النظام السوري على أنه رابح، لان كل المشاركين في الحرب على أرضه يصطفون اليوم لقبض الثمن، لان كل قوة في سوريا لديها مشروعها الخاص.
يقينا أن هزيمة التنظيم وزوال دولته سيعني شرق أوسط جديدا، وظهور محاور قوة لم تكن موجودة على الخريطة السياسية للمنطقة، حيث سيكون الفاعل الروسي موجودا وبقوة، وستكون إيران موجودة أيضا أكثر من قبل، وبيدها أوراق ضغط جديدة. لكن من أبرز المواقف المتخوفة من هذا التغيير هو الموقف الاسرائيلي، حيث تعتبر إسرائيل أن زوال دولة التنظيم وتدمير قواه خطأ استراتيجي كبير يهدد مصالحها. وينطلق هذا الموقف من اعتبارات عدة منها، أن ذلك يعتبر خدمة كبيرة لايران وأذرعها الممتدة في المنطقة، وستتخلص من المستنقع السوري، ويسلم حزب الله والميليشيات الشيعية العراقية من حرب الاستنزاف التي يخوضونها في سوريا، والتي كلفتهم الاف القتلى والجرحى. كما أن المنطقة لن تبقى منطقة قتل لكل أعدائها، ومحور استنزاف كبير لكل الدول المحيطة بها. فإسرائيل تفضل أن لا يكون التنظيم قويا إلى درجة بحيث يشكل وجوده خطرا عليها، وليس ضعيفا إلى درجة تجعل أعداءها ومنافسيها في المنطقة يشعرون بالراحة والاطمئنان. كما أنها تنظر بارتياب شديد إلى شكل النظام الاقليمي الذي سيعقب نهاية التنظيم. فهي تعتقد أن نهايته تعني تسليم العراق إلى إيران بصورة أكبر من السابق، لان الاخيرة أرسلت متطوعيها وأسلحتها وميليشياتها إليه عندما استولى التنظيم على أراضيه، وستبحث عن الثمن. كما ستكون سوريا من حصة روسيا التي هبت للدفاع عن نظامها، حين احتل التنظيم أراضيها وبات يهدد وجود النظام السياسي فيها، وهي كذلك ستبحث عن الثمن. أيضا هي تنظر بارتياب شديد إلى طريق الحرير الايراني عبر العراق إلى سوريا، فالبحر الابيض المتوسط، والى الفضاء الجيوسياسي الذي مرت به صواريخ كروز الروسية من بحر قزوين ثم إيران والعراق فسوريا. وهي تعتقد أن هنالك توزيع حصص سيجري في المنطقة بعد زوال تنظيم «الدولة» وانحسار وجوده قد يؤثر على ميزان قوتها في المنطقة.
أما تركيا فقد حاولت الاستثمار في هذا الوضع، خاصة أنها موجودة في شمال دولة التنظيم، ونجحت بعض الشيء في تثبيت وجودها ضمن معادلة اللاعبين الاساسيين في مقاتلة تنظيم «الدولة»، لكن عائداتها من هذا الاستثمار كانت أقل من الطموح. صحيح أنها حصلت على دعم مادي ومعنوي من الغرب وروسيا أيضا، لكنها كانت تأمل أن تكون جائزتها في المشاركة في قتال التنظيم، هي إطلاق يدها في القضاء على الحلم الكردي الذي يقض مضاجعها. لكن ظنها خاب كثيرا بعد الاصرار الامريكي على دعم الاكراد في سوريا، واعتبارهم رأس الحربة في قتال التنظيم، وتقديم الدعم المادي والعسكري لهم. لذا يمكن اعتبارها أحد الخاسرين من هزيمة التنظيم، حالها حال المملكة الاردنية التي هي موجودة ضمن الاستراتيجية الامريكية في الجنوب السوري، لكنها على الصعيد الذاتي لم تكن من المستفيدين، على الرغم من مشاركتها في مجال الحرب الجوية والاستخباراتية في الحرب. يجدر الانتباه هنا إلى أن الاردن هو دائما ضمن اللعبة الدولية، لكن وفق الدور المرسوم له، أي ليس باجتهاده الخاص وفق مصالحه الوطنية والقومية. والدول المرسوم دورها مسبقا بالطريقة هذه، غالبا ما ينظر إلى ما تقدمه من أدوار على أنها واجب ليس بالضرورة أن يعود عليها بالفائدة.
أما المملكة العربية السعودية فهي ليست من الرابحين أو الخاسرين بسبب موقعها البعيد جغرافيا عن ساحة الحدث، وكذلك الطبيعة الطبوغرافية الصحراوية، لكنها كانت موجودة بصورة غير مباشرة على المسرح ضمن لعبة التحالفات الدولية. مع ذلك يمكن اعتبارها أحد الخاسرين من ظهور التنظيم وإعلان دولته، إن أخذنا بنظر الاعتبار الحملات الإعلامية التي كانت تشن في الغرب عليها، والتي تتهمها بأنها المصدر الفكري الرئيسي لتنظيم «الدولة».
في النهاية يمكن القول بأن هنالك الكثير من دول المنطقة حرصت على المشاركة، أما في الاستراتيجية الامريكية أو الاستراتيجية الروسية في الحرب على تنظيم «الدولة»، كلا لها مصالحها الخاصة التي تروم تحقيقها من هذه الحرب. لكن السيئ في ذلك هو أن غالبيتها لم تكن لديها عوامل تحقيق ما تريد. فالنجاح الاستراتيجي يحتم السيطرة على كل مكونات تحقيقه، أي أن عوامل النجاح يجب أن تكون بيدك وليست بيد الاخرين، وتتمنى أن يتصرف الاخرون كما تريد. فلا يمكن تمني النجاح، بل يجب فرضه في العلاقات الدولية، لان ليس فيها من يقدم مكرمة لهذا الطرف وذاك، بل هي تدافع بشراسة لنيل المصالح.
باحث سياسي عراقي

من الخاسر ومن المستفيد من نهاية تنظيم «الدولة»

د. مثنى عبدالله

- -

5 تعليقات

  1. ” يجدر الانتباه هنا إلى أن الاردن هو دائما ضمن اللعبة الدولية، لكن وفق الدور المرسوم له، أي ليس باجتهاده الخاص وفق مصالحه الوطنية والقومية. والدول المرسوم دورها مسبقا بالطريقة هذه، غالبا ما ينظر إلى ما تقدمه من أدوار على أنها واجب ليس بالضرورة أن يعود عليها بالفائدة.” إهـ
    هذا الوصف يا دكتور مثنى ينطبق على معظم الدول العربية !!!
    المصيبة هي أن بعض هذه الدول تدفع جميع مصاريف تلك المشاريع وعلى الرحب والسعة !!
    هل تتذكرون مصاريف تحرير الكويت من صدام ؟
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. أيها السادة … لماذا يهرب الكثيرون من تنظيم الدولة إلى سوريا ثم يختفون؟ … الجواب: رجال المخابرات السورية يعودون إلى بيوتهم بعد أنتهاء تمثيلية داعش

  3. ان التنظيمات الاسلامية يتم استدراجها واستخدامها من حيث لا تدري لتحقيق اهداف امريكا واسرائيل والدول الكبرى عموما في صراعهم وداعش ينطبق عليها الامر فقد تم التامر على العراق من خلال مسعود برزاني وما يسمون انفسهم ممثلي العرب السنة في الاردن وتركيا فتحقق لمسعود برزاني الاستحواذ على كركوك وغيرها من المناطق المتنازع عليها كما تسمى بينما استطاع التنظيم السيطرة على الموصل وتكريت ومناطق اخرى.هذا ما يخص العراق وفيما يخص سوريا فالتنظيمات الاسلامية اعطت شرعية للنظام في البقاء لانها توسم كلها بالارهاب و لان الفصائل الاخرى لا قيمة لهاعلى ارض الواقع .لقد كانت السياسة التركية قصيرة النظر فلم تشعر بالخطر مما قد تسببه لها القضية السورية فهي الان في موقف لا يحسد عليه فالاكراد في سوريا قوة لا يستهان بها وهي في حماية ودعم امريكي واما دول الخليج فقد دعموا كل تلك المنظمات فقط للثار من بشار وابيه وتدمير سوريا

  4. اللاعبون الرابحون في لعبة الحرب الطاحنة في سورية هم الروس والأيرانيون واكراد سورية والخاسر الاكبر هو نظام الاجرام بشار الكيماوي الذي فقد السيطرة على ربع الاراضي السورية التي هي اليوم بيد المعارضة، وخسر قراره العسكري لأنه بات بأيدي الايرانيين والروس والامريكان، وخسر قراره السياسي لان لاقرار سياسيا في ظل فقدان السيطرة العسكرية والأمنية على البلاد وفي ظل احتلال ايراني روسي، وخسر شعبا بأكمله كان من الممكن التصالح معه بتلبية مطالبه منذ البداية

  5. من أكبر الخاسرين من هزيمة تنظيم الدولة هي اسرائيل لاشك في ذلك!
    و هي المستفيدة الأكبر فيما لو استمر وجود هذا التنظيم المسخ و استمرت محاربته لعقود كما صرح احد المسؤولين الاميركان ، ويبدو انه كان تصريحاً بالتمني !!
    .
    و كلما طال بقاؤه و استمر تهديده ، كلما ظلت تل ابيب في راحة و امن و بحبوحة ممن حولها
    و عندما تبحث عن الأيادي الخفية خلف تكوين و خلق وصنع و دعم و استمرار مثل هذا التنظيم المسخ ولكن بكل هذه الامكانيات التي لايمكن أن تكون ادارته الا ادارة منظمة و عقل استخباراتي جبار ، فلا بد من البحث عن المستفيد كما في اي جريمة لمعرفة المجرم او على الاقل المشتبه بهم !
    .
    ممن استفاد من وجود التنظيم وقد يكون ركب الموجة و ساهم في دعم وجوده في مواقع معينة بعينها و لكن الى حين و هاهو يقبض الثمن الخسيس ، هو ما يسمى بحكومة اقليم كردستان !
    فلو نظرنا الى الخارطة ، لوجدنا أن البيشمركة تتدعي اليوم انتصارات في المناطق المتنازع عليها بالذات بحجة انها من طردت التنظيم منها و بالتالي البرزاني رئيس الإقليم يريد أن يرسم تلك الحدود بالدم ، وكلنا نعرف ذلك التسجيل الشهير الذي تمر فيه شاحنات التنظيم المحملة بالنفط منطلقة من الموصل الى الرقة ، و قوات الاكراد تنظر اليها دون تحريك ساكن و ظهر ضابط كردي وهو يقول أن لديه اوامر من قيادته بعدم التعرض لتلك القوافل !! ( و كذلك قوات التحالف لم تتعرض لها رغم انكشافها للجميع و في وضح النهار) ، مما يعني أن الاكراد كانوا مستفادين من وجود التنظيم في تلك المواقع ولكن الى حين ، لتشكيل امر واقع لاحق يستفيدون منه كما هو حاصل اليوم !
    .
    ذكر المقال الهام جداً هذا ، كيف استفادت ايران أيضاً ولا تزال من عواقب وجود هذا التنظيم و من هزيمته ايضاً ، ولكن برأيي هي كإسرائيل المستفيدين الأكبر و لا استبعد أن اصابعهم في تكوينه و صنعه وادارته و دعمه موجودة ، على خلاف القوى الاخرى التي ركبت الموجة لتحقيق مصالح لها ولكن لاحقاً !
    .
    شكر و تقدير خاص للدكتور مثنى على كم المعلومات المهم الذي طرحه في هذا المقال.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left