كلنا لاجئون: حرب عالمية على اللاجئين

عمرو سعد الدين

Sep 20, 2017

تنطلق المقالة من فرضية حرب عالمية ضد اللاجئين الذين وصل عددهم إلى أعلى مستوى في التاريخ، وتُعدّ المنطقة العربية والإسلامية أكبر مصدر لهم، كما تناقش استخدام العصبيات الهوياتية كسبب في اللجوء، مثلما نجد في تعامل الدول مع اللاجئين الوافدين. وبعد ملاحظة أن اللاجئين الفلسطينيين لم يعودوا استثناء، تنتهي المقالة بالسؤال: هل أصبح جميع سكان المنطقة العربية مشروع لاجئين؟
قال قائد الثورة في جنوب المسكيك، المعروف بماركوس، قبل نحو عقدين، إن الحرب العالمية الثالثة ستكون حرباً ضد اللاجئين. وباستثناء المبالغة في هذه المقولة، فإن حركة اللاجئين في عالم اليوم تقود إلى موت الآلاف منهم سنوياً في طريق اللجوء التي تزداد صعوبة. وهكذا تتحول استعارة ماركوس إلى حقيقة راهنة.
كما أن مؤشرات التغير المناخي المقبل مع استمرار السياسات العامة على حالها، قد تنتج مزيداً من الحروب وموجات اللجوء والهجرة الاقتصادية.
بات من الطبيعي أن نسمع عن طفل جريح يموت على الحدود السورية الجنوبية مثلاً، كما أن أخبار حرق مخيمات اللاجئين السوريين العشوائية في لبنان، أو الاعتداء عليهم، صارت خبراً يومياً عادياً.
وبينما نتابع أخبار المعارك هنا وهناك، تفاجئنا أخبار غرق السفن في البحر الأبيض المتوسط، فضلاً عن أخبار الموت في الصحارى الأفريقية. فحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن3771 نازحاً قضوا غرقاً في البحر الأبيض المتوسط في سنة 2015، كما قضى 3800 نازح في البحر المتوسط في سنة 2016، ومات 2360 لاجئاً في أثناء عبورهم الصحراء والبحر الأبيض المتوسط حتى منتصف تموز / يوليو 2017.
وتتعامل كتل أساسية في الشمال مع ظاهرة اللجوء بأساليب الحرب عبر بناء الجدران على حدودها، والاتفاق على مهاجمة سفن المهربين. وفي ظل تفاقم «أزمة» اللاجئين، شُيد حتى الآن 14 جداراً بين أوروبا ومحيطها، وبين الدول الأوروبية نفسها، وصار الجدار الأمريكي مع المسكيك من أولويات رئيس مهووس بموضوع اللاجئين والمهاجرين.
وجاءت نظرية «حالة الاستثناء» لجورجيو أغامبين انعكاساً لتعامل السلطات الأوروبية (السيادية) مع المهاجرين واللاجئين عبر تطبيق قوانين استثنائية تشبه قوانين الطوارئ في الحروب.
وصل عدد اللاجئين حول العالم أعلى مستوى له تاريخياً حسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. فمع نهاية سنة 2015 بات عدد النازحين قسراً 65 مليوناً، بزيادة نحو خمسة ملايين كل عام، وهي المرة الأولى التي يناهز فيها عدد اللاجئين عالمياً 60 مليوناً، وهو التدفق الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من الضجيج الأوروبي، فإن 86 في المئة منهم يعيشون في الجنوب.
خرج من سوريا حتى منتصف سنة 2016، نحو 4,9 مليون لاجىء، ومن الصومال نحو 1,1 مليون لاجىء، ومن أفغانستان نحو 2,7 مليون لاجىء، بينما كانت أرقام النزوح الداخلي في العراق 4,4 مليون، وفي سوريا 6,6 مليون، وفي اليمن 2,5 مليون، ونحو نصف مليون ليبي حتى نهاية سنة 2015 (وفي كولومبيا نحو 7 ملايين نازح داخلياً). ولا تتضمن هذه الأرقام اللاجئين الفلسطينيين.
واستضافت تركيا 2,5 مليون لاجىء، ولبنان أكثر من مليون لاجىء، والأردن عدداً مشابهاً، بينما يبدو عدد القادرين على العودة إلى ديارهم منخفضاً. وأقرّت 30 دولة في سنة 2015 توطين نحو 107,100 لاجىء، أي نحو 0.66 في المئة فقط من عدد اللاجئين المسجلين لدى المفوضية. وتُعدّ المنطقة العربية (مع إيران) أكبر مصدر للنزوح (نحو 20 مليوناً حتى نهاية سنة 2015)، تليها أفريقيا جنوب الصحراء (نحو 18,4 مليوناً)، وقد تزايد اللجوء والتهجير القسري منذ التسعينيات، وتسارع أكثر في نصف العقد الأخير.
يُعتبر اللاجئون»عبئاً» في متن الخطاب العام في البلاد المضيفة. ومقولة «العبء» التي كثفت الدول المضيفة من استخدامها منذ ثمانينيات القرن الماضي، هي أحد أشكال الحرب النفسية ضد اللاجئين، فصارت الحرب من خلفهم ومن أمامهم. إنها قمة القسوة البشرية التي لا يخفف منها سوى الإصرار الكبير للاجئين على البقاء، ووجود الأمل بأن كثيرين يرفضون هذا التعامل معهم.
لا تتسع هذه المقالة لنقاش فرضية «عبء اللاجئين» اقتصادياً على البلاد المضيفة، غير أن اللافت هو أن الدراسات العالمية بهذا الشأن نادرة. وفي لبنان، اقترحت دراسة من الجامعة الأمريكية في بيروت قراءة مختلفة أعلن بعض نتائجها ناصر ياسين في سنة 2016، وهو أن اللاجئين السوريين يساهمون في إنفاق كبير على الطعام والسكن بصورة خاصة (نحو مليار دولار سنوياً)، وخلقوا فرص عمل (نحو 22,000 وظيفة في سنة 2016، وخصوصاً في القطاع التعليمي) هي أضعاف ما كان متوفراً قبل موجة اللجوء (بمعدل 3400 وظيفة سنوياً)، وغيرها من المؤشرات. وثمة تقارير في الأردن تقترح أمراً مماثلاً بالنسبة إلى اللاجئين السوريين، وقبلهم اللاجئون العراقيون والفلسطينيون، غير أن خطاب الطبقة السياسية لا يتحدث سوى عن «العبء».
لكن الأهم هو استعادة الاقتصاد السياسي التاريخي لهذه الظاهرة، فالدول والمصالح الاقتصادية هي مَن خلقت سوقاً بشرية مفتوحة قبل أن تقرر تقييدها مؤخراً. فبعد إلغاء نموذج العبودية من أفريقيا للعمل في الدول الرأسمالية، اتجهت الدول الاستعمارية إلى جلب عشرات ملايين العمال المهاجرين الذين ربطتهم بعقود قسرية فيما عدّ عبودية جديدة (coolie labour)، الأمر الذي أوجد أسواق عمل عالمية.
وإلى كون الدول العربية المصدر الأهم للحروب وإنتاج اللاجئين، تتّبع السلطات العربية نمطاً مشابهاً للنمط القديم الذي ساد انطلاقاً من التجربة الرأسمالية لدول الشمال، لكن مع نكهات وطنية عربية. فهي على سبيل المثال منخرطة في نسخة من نسخ العبودية الجديدة مع عمال وعاملات من آسيا التي كانت مصدر الاستعباد المبطن السابق، وهي تحدّ من الحقوق القانونية للعمال، وتقسم مواطنيها هوياتياً بشكل فاضح (إثنياً أو طائفياً / دينياً أو عشائرياً). وعلى غرار دول خليجية، باتت دول مثل لبنان والأردن تستخدم نظام الكفيل بحق عمال وعاملات آسيويات وأفارقة، علاوة على عمال مصريين وسوريين. لقد انبهرت السلطات العربية بالحدود الوطنية الجديدة والتشدد فيها، فباتت ترفض منح اللجوء قانونياً إلاّ بشكل استثنائي.
وتشكل دول الشمال سبباً رئيسياً أيضاً للهجرة القسرية واللجوء بسبب حروب بعض دولها المباشرة في المنطقة أو العالم، أو بسبب تدفق موارد أساسية من بلاد الجنوب إليها بطرق شتى، أو بسبب دورها الكبير في التغير المناخي، أو بسبب دعمها لسلطات تفتقد شرعية شعبية. وفي منطقة المشرق العربي فإن تلك الدول كانت سبباً رئيسياً في تهجير العراقيين والفلسطينيين، وقد تميز تعاملها بالاستعلاء مع طالبي اللجوء السوريين. ولا تزال في العقود الأخيرة مستمرة إجمالاً في التعامل بهذا الشكل مع نتائج اللجوء وموجات الهجرة الجماعية بأشكالها المتنوعة عبر محاولة حصرها في دول أُخرى.

اللاجئون والهوية

هناك مستويان في موضوع الحرب والهوية واللاجئين: الأول هو سبب اللجوء، والثاني هو التعامل مع اللاجئين الوافدين.
لم تقتصر الكارثة على ما حل باليهود خلال الحروب الأوروبية ـ العالمية من محرقة ولجوء على نحو فادح من القسوة الإنسانية، بل قام الاستعمار بالاستثمار في فئات من اللاجئين بالتعاون مع الحركة الصهيونية لإنتاج ظاهرة لجوء جديدة ضد شعب آخر عبر استعمار أرضه وانتهاج سياسة التطهير العرقي. إنها ظاهرة قديمة عمرها نحو خمسة قرون من التمييز ضد اليهود في أوروبا، والتي ترافقت بداياتها أيضاً مع تطهير المسلمين والعرب من أوروبا بعد الأندلس.
وفي دورة جديدة من معاداة السامية، تحول العرب والمسلمون في أوروبا إلى هدف لسياسات التمييز في دول الشمال الغني، فأوروبا لم تتمكن من التخلص من ظاهرة العنصرية التي يبدو أنها تأصلت على الرغم من النضالات المستمرة ضدها.
ثمة أساس وجودي يتعلق بفصل حاد بين الأنا والآخر طبع تشكل تجربة الحداثة الغربية، على ما يجادل الفيلسوف برونو لاتور. وهذا الطابع الوجودي للفصل الحديث بين الأنا والآخر سيطال الفصل بين مناحي العلوم بعدما كانت متداخلة، والعلاقة بين الإنسان والأرض، والعلاقة بين الهويات الإنسانية التي هي حكماً متداخلة ومتعددة. وستكون لهذا الفصل انعكاساته على تشكل الدول الوطنية وإنتاج اللاجئين، وإن كان ذلك لا ينفي أن تجارب قبل الحداثة حملت مجازر إثنية ودينية وطائفية، إلى جانب تجارب انفتاح وتعدد. كما أن الحداثة حملت مفارقاتها، فكان تحريم العقاب الجماعي والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.
فقبيل الحرب العالمية الأولى، تكرس نظام الدولة الوطنية، وظهرت جوازات السفر في دول أوروبية، وبدأ التشدد في الحدود. وقد ترافق مع فترة الدول الوطنية المغلقة ظهور أكثر من 100 مليون لاجىء بين سنتَي 1912 و1969، إذ جرى التخلص من فئات غير مرغوب فيها من السكان.
تشكل الأحداث الطائفية لسنة 1860 في جبل لبنان، والتي تلت ثورة فلاحية ضد الإقطاع، أحد الأسس المكونة للمنطقة. فقد أنتجت هذه الأحداث موجة هجرة ولجوء واسعة بين لبنانيين وسوريين، ووضعت أول لبنة في البناء المؤسساتي الطائفي ـ الوطني الحديث، وإن كان سبقها تاريخياً مشروع حكم إسلامي سنّي في الدولة العثمانية، وشيعي في إيران. وتكللت بداية المشروع القومي ـ الوطني في المنطقة العربية والإسلامية بمجازر ضد الأرمن واليونان.
وإلى جانب ذلك، جرى تقسيم بلاد الشام التي كانت وحدة إدارية منذ أيام البيزنطيين إلى دول وطنية، واقتُطعت منها فلسطين من أجل تسهيل عمل المشروع القومي الصهيوني الذي طهّرها من نصف سكانها الذين أصبحوا لاجئين.
وبعد النكبة، جرى التلاعب بصورة الفلسطيني في لبنان في إثر أزمة سياسية طائفية، على ما أظهر بحث لجيهان صفير. وكان لتأسيس اللعبة السياسية اللبنانية على أساس هوياتي ضد هويات أُخرى، تأثيره الحاسم أيضاً في التلاعب بصورة اللاجىء الفلسطيني، في وقت لم يكن هناك سلاح وتنظيمات، وإنما كان هناك وجع النكبة الصافي.
وترافق قمع اللاجئين الفلسطينيين في بلاد مضيفة مع تصاعد فعلي في إشهار سياسات الهوية الوطنية والطائفية أو الإثنية، كما ترافق في حالة لبنان مع نزوح ولجوء طال لبنانيين عديدين في مناطق لبنانية مختلفة جرّاء الحرب اللبنانية التي بات القتل على الهوية أحد معالمها.
أعيد إنتاج الهويات ما تحت الوطنية وأُلبست ثوباً وطنياً في تجربة الانتداب التي لا يبدو أن الدول العربية استقلّت عنها في عدة نواح. وقد ذكّرنا إدوارد سعيد بأن الاستشراق تعامل مع المنطقة بعيون الفسيفساء، فشجع حكم أقليات طائفية وعشائرية وإثنية وعائلية لأكثريات، فحكمت الأقلية اليهودية فلسطين بعد النكبة، وحكمت المارونية السياسية لبنان، وأعَدّ الانتداب الفرنسي لسوريا مشروع أقليات طائفية وعشائرية، مع حكم أقلوي في الأردن والعراق.
وفصّل دارسون لاحقون إعادة إنتاج هذه الهويات في دول الاستقلال في المشرق العربي، فعلى سبيل المثال، أظهر بحث حنا بطاطو عن سوريا عودة حكم أقلوي في سوريا كان له بذوره خلال فترة الانتداب الفرنسي، جنباً إلى جنب مع عوامل عائلية وريفية وطبقية. لكن في حالات أُخرى، جرى استبدال حكم الأقلية السياسية بأقلية أُخرى، مثل لبنان، على ما يُظهر المؤرخ وعلم الاجتماع أحمد بيضون، وبذا تكرس النموذج الذي على الجميع الالتحاق به.
غير أن الميل القومي العربي الذي أراد تجاوز الدول الوطنية، لم ينجُ بدوره من هجرة وتهجير إثنيات غير عربية، كما حدث مع الأكراد في سوريا والعراق، أو مع اليونان في مصر.
ومع تزايد التصحر في جميع المجالات، كان سلاح العصبيات الهوياتية هو الأوسع استخداماً خلال الثورات العربية، ولم ينجُ منه حتى كثير من المعارضات.
توضح دراسة كريستينا بوسويل الصادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أن عدد اللاجئين في العالم يتناسب مع مدى العنف المستخدم. وتوصي الدراسة كي تُعالج أسباب الهجرة القسرية بعلاج جذر الأسباب. فالعنف المنتج للاجئين، تضيف الدراسة، له مصدر أساسي يتمثل في نقص الشرعية نتيجة عدم تلبية الحقوق الاجتماعية ـ الاقتصادية، وفي حلقة ضيقة من الحكم تُجمَع فيها سلطات المنطقة، وإن كان بعضها غنياً قادراً على احتواء الفئات الاجتماعية إلى حين.
إذا نظرنا إلى بلاد الشام، فإن الاستعمار الاستيطاني في فلسطين قام على بناء هوية موجهة بالكامل ضد الآخر الفلسطيني عبر تحويله إلى لاجىء. أمّا في لبنان والأردن وسوريا ذات التاريخ المتداخل، فإنها لم تتمكن من الاستقلال عن بذرة تأسيسها الاستعمارية وإن بدرجات متفاوتة، فجرى الاستناد إلى إحالات هوياتية داخلية مع «الآخر» ـ اللاجىء الفلسطيني بداية، ثم السوري. وبينما لم يكن هذا الموضوع مطروحاً في سوريا في بدايات الاستقلال، إذ لم يكن موضوع الهوية الداخلية قاعدة متمأسسة في اللعبة السياسية، فإنه بدءاً من ستينيات القرن الماضي، قام الانقلاب العسكري بتشريد أكراد سوريين، قبل أن يتفاقم لاحقاً الاستناد إلى العصبيات الهوياتية، ويصل إلى الكارثة الحالية.
وبالمحصلة، فان هذه المنطقة العربية والعربية ـ الإسلامية كانت المنتجة الأكبر للاجئين قبل الموجة الراهنة. ففي سنة 1991، انحدر 11,2 مليون لاجىء بين 16,7 مليون لاجىء في العالم من منطقة تمتد من أفغانستان إلى المغرب، ومن تركيا إلى الصومال، على ما يشير الباحث مايكل همفري. وفسر الباحث هذا التدفق بأن سوق العمل العالمية باتت جزءاً من التنمية الوطنية لكل بلد، لكن ليس هناك اندماج داخلي، إذ إن النزاع الهوياتي ملتهب داخل كل دولة. ويضيف الباحث أن «هذا النزاع الإثني / الديني قادر على إنتاج لاجئين كثر، ذلك بأن المواطنية، أساس العضوية الاجتماعية في الدولة الوطنية الحديثة، قُزمت في الشرق الأوسط بسبب التعددية الثقافية والحدود المفروضة استعمارياً وسياسات النخب. كما أن أي دولة في المنطقة لم تغامر بمنح جميع سكانها صوتاً كاملاً ومتساوياً، لأن الأصل، لا مكان الولادة، هو الأساس الفاعل للجنسية، تاركة أولئك الذين لا يرتقون إلى هذا التصنيف لاجئين بلا دولة أو مقيمين مهمشين.»
لم يعد اللاجئون الفلسطينيون استثناء، وإنما باتوا القاعدة بين شعوب لاجئة ونازحة تفكر في هجر المنطقة. والوجه الآخر لهذه الكارثة هي أن إسرائيل لم تعد استثناء بتوحشها وتهجيرها وهدمها للمدن والبلدات، أو جرفها للأحياء.
أنظمة تفقر الناس وتذلها وتهجرها عن أرضها، وسط صحراء تتمدد، وعندما تعترض فئات واسعة من الناس مطالبة بالكرامة والحرية والعدالة، تشن السلطات حروب هوية ضدها، وتحوّلها إلى نازحين ولاجئين لا يعرفون أين يلجأون.
كلنا مشروع لاجئين بوجود مثل هذه السلطات، وما نراه اليوم في سوريا وفلسطين والعراق واليمن وليبيا والمغرب والصومال وإيران ليس إلاّ مقدمات للمنطقة ككل، والتسارع ملحوظ. ورفع شعار «كلنا لاجئون» هو الرد الملائم على السياسات التي تهجّر الناس، وضد السلطات التي تتعامل بفوقية وعنصرية لدى استقبالهم.
ومع ضمان حق عودة اللاجئين، يقترح علينا اللاجئون فكرة أن عبور الحدود حق إنساني، فيطرحون إعادة التفكير في الهوية الوطنية / القومية التي لا مكان فيها للاجىء، والفارغة من مكونها المشترك مع «الآخرين».
كثيراً ما كانت هذه المنطقة تحمل تعددية إثنية ودينية وطائفية. ولا بد لدولها من أن تنجز استقلالاً فعلياً عن نواة تشكلها على أساس هويات متحاربة وخائف بعضها من البعض الآخر، في وقت تغتنم أقليات حاكمة الأرض وسكانها وتهجرهم، كما لا بد من أن تكون موضوعات العدالة الاجتماعية والحرية والمساواة ومواجهة التصحر هي الأولويات، بدلاً من إشهار العصبيات الهوياتية للتعمية عن الموضوعات الإنسانية الفعلية.
كتب محمود درويش ذات مرة عن رسام الكاريكاتير الذي ملأت رسومه خيم اللاجئين: «احذروا ‘ناجي’، فالكون عنده أصغر من فلسطين، وفلسطين عنده هي المخيم، إنه لا يأخذ المخيم إلى العالم، ولكنه يأسر العالم في مخيم فلسطين… وليس فلسطينيو «ناجي العلي» بالوراثة وحدها، كل الفقراء في عالم ناجي فلسطينيون، والمظلومون والمسحوقون والمحاصرون والمستقبل والثورة.. كلهم فلسطينيون..»

باحث فلسطيني

*ينشر المقال أيضا في العدد الجديد من مجلة الدراسات الفلسطينية الذي يصدر غدا

كلنا لاجئون: حرب عالمية على اللاجئين

عمرو سعد الدين

- -

1 COMMENT

  1. هناك فرق بين اللاجئين والمهاجرين
    فاللاجئين يخافون الموت من أنظمة شمولية دكتاتورية
    أما المهاجرين فهم يخافون الموت من الجوع ! ولكنه موت أيضاً !!
    ولا حول ولا قوة الا بالله

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left