كردستان وإسرائيل: حلف الأحلام وحدود الدم

صادق الطائي

Sep 20, 2017

مع تصاعد أزمة الموقف المحلي والإقليمي والدولي، إزاء استفتاء إقليم كردستان في 25 سبتمبر المقبل، تبدو إسرائيل الدولة الوحيدة المرحبة والداعمة لهذا الاستفتاء بدون قيد أو شرط، بل إن اسرائيل سخّرت قوتها الناعمة المتمثلة في الجالية اليهودية – الكردية في اسرائيل ليبدو الامر امام عدسات الصحافة وكأنه عرس كردي اسرائيلي مشترك، فلماذا هذا الاهتمام الاسرائيلي بكردستان؟ ولماذا يدعم الاسرائيليون الكرد بدون حدود؟ وما هي الاستراتيجية الاسرائيلية التي تحكم مستقبل العلاقة بين الدولتين في حال استقلال كردستان؟ وهل يقايض الكرد علاقاتهم المتعددة ومصالحهم مع دول الاقليم جميعها بعلاقة مميزة واحدة مع دولة منبوذة في الشرق الاوسط؟
بدون الدخول بحملات التسقيط والاتهام والتخوين ونظريات المؤامرة، سنحاول بحث مديات العلاقة بين اسرائيل والكرد عبر قراءة موضوعية، في محاولة للوصول إلى تقييم علمي لمستقبل المنطقة. كثيرا ما يشار إلى دور الجالية اليهودية الكردية، وما مثلته من لحمة بين كردستان واسرائيل، بسبب خصوصية هذه الجالية، لكن بنظرة مدققة يمكننا دحض هذا الادعاء، فالكرد اليهود لم يختلفوا عن بقية الجاليات اليهودية في دول الشرق الاوسط العربية وغير العربية، وكانوا متعايشين مع محيطهم، ولم يسعوا إلى الهجرة لاسرائيل بشكل مختلف أو متميز عن الجاليات اليهودية الاخرى في مدن العراق او في مدن ايران او سوريا او مصر.
تشير المصادر إلى أن هجرة اليهود الكرد ابتدأت بشكل ملحوظ في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، بدعم وتحفيز من المنظمة الصهيونية العالمية، وبما أن الغالبية من اليهود الكرد كانوا يمتهنون الزراعة، فقد تركزوا في هجرتهم إلى فلسطين في مناطق صفد، وحاولوا أن يعيشوا حياتهم كفلاحين يهود في مهجرهم، وبحسب إحصاءات الانتداب البريطاني على فلسطين وصل عدد اليهود الكرد قبل عام 1948 إلى حوالي 8 آلاف. ومع اشتعال التمرد الكردي عام 1961 بقيادة الملا مصطفى بارزاني ضد حكومة بغداد، ابتدأ نوع من التنسيق بين اسرائيل والمتمردين عبر القناة الايرانية، المتمثلة تحديدا بالسافاك الايراني، وكان رئيس الموساد الإسرائيلي الاسبق، مئير عميت هو عراب العلاقة مع الزعيم الكردي ملا مصطفى بارزاني، وقد تلقى التمرد الكردي دعما من اسرائيل تمثل بشحنات اسلحة ومعدات اتصال، بالاضافة إلى تواجد كوادر من الموساد الاسرائيلي في المناطق التي كان يسيطر عليها التمرد الكردي، الذي كان يبرر هذه العلاقة بانه يأخذ دعما حتى من الشيطان ليستمر في القتال دفاعا عن الحقوق التاريخية للكرد، وكان الدافع الاساس لهذا الدعم هو المساعدة التي سيقدمها الحزب الديمقراطي الكردستاني في تهجير ما تبقى من اليهود الكرد في كردستان العراق إلى اسرائيل، وكانت اعدادهم تقدر حينها ببضعة الاف، بالاضافة طبعا لضرب النظام (الثوري) الجديد الذي يقوده العسكر، والذي أطاح بالملكية في العراق وغير توازانات المنطقة بتحويل العراق من كفة حلف بغداد وولائها للامريكان إلى حليف للاتحاد السوفييتي، ابان حقبة الحرب الباردة.
بعد حرب الخليج الثانية وتحرير الكويت 1991 وما تبعها من فرض قوات التحالف لمنطقة آمنة في كردستان شمال خط العرض 36، انتشرت الكثير من الاشاعات حول نشاط منظمات اسرائيلية في كردستان العراق دون وجود أدلة على ذلك، واستمر الحال على ما هو عليه بعد إسقاط نظام صدام عام 2003، حيث تم تداول العديد من القصص التي لم يتم إثباتها بأدلة واقعية عن نشاط الموساد الاسرائيلي في العراق، منطلقا من كردستان العراق، مثال ذلك ما طرحة صحافي أمريكي اسمه وين ماديسون المتخصص في نظريات المؤامرة بدءا باحداث 11 سبتمبر وصولا إلى نشاطات الموساد في كردستان وتعاونها مع تنظيم «الدولة».
طرح وين ماديسون نظرية غريبة مفادها أن الموساد الاسرائيلي بالتعاون مع ميليشيات (هكذا) تقوم بتهجير المسيحيين من سهل نينوى، وبالتعاون مع حكومة الاقليم سوف تتم اعادة توطين اليهود الكرد في مناطق سهل نينوى حول مزاراتهم المقدسة حول أضرحة انبيائهم ناحوم، يونس، دانيال، حزقيل التي يعتبرونها جزءا من أرض اسرائيل، وتم تداول هذا الكلام بشكل هستيري بدون تدقيق او بحث عن ادلة، وأخذته قنوات تلفزة عربية تحظى بمشاهدة عالية كقصة اولى، بدون أن يلتفت احد إلى أن اسرائيل تتوسل لجلب وتهجير اليهود من كل انحاء العالم إلى اسرائيل فكيف تفرط بهم عبر عودة الاف اليهود الكرد إلى موطنهم الاصلي؟ وهكذا روي العديد من القصص الخارقة التي تقترب من الاساطير عن علاقات اسرائيل بحكومة الاقليم .. لكن هل كل هذا الدخان بدون نار؟
نشرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية في فبراير 2013 مقالا كتبه الكاتب الإسرائيلي عيران عوديد من مركز أبحاث الأمن القومي بالتعاون مع الباحثة الإسرائيلية المتخصصة في تاريخ الأكراد عوفرا بينجو من مركز «ديان» للدراسات، وقد أشار الكاتبان في هذا المقال إلى أن «من شأن كيان كردي مستقر وقوي في العراق أن يكون كنزاً استراتيجياً لإسرائيل، خصوصاً في حال ارتبط هذا الكيان، بحبل سرة مع الأكراد في سوريا وإيران وتركيا وخلق حضوراً إثنياً مهماً يتمتع بتواصل جغرافي». واعتبر الكاتبان «أن الأكراد يرون في إسرائيل قدوة تحتذى».
في 9 يونيو 2014 انسحب الجيش العراقي من المحافظات الشمالية (نينوى، صلاح الدين، كركوك) منكسرا بشكل غير متوقع امام هجوم مسلحي تنظيم «الدولة»، ما ادى إلى تمدد الوجود العسكري الكردي في المناطق المتنازع عليها وسيطرته على كركوك الغنية بالبترول، عقب ذلك بأسبوعين صرح وزير الخارجية الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، يوم 25 يونيو، خلال لقائه في باريس بوزير الخارجية الأمريكي جون كيري بأن «قيام دولة كردية شمال العراق بات حقيقة»، وقد جاء هذا التصريح بعد ساعات معدودة من تصريح مشابه للرئيس الإسرائيلي المنتهية ولايته، شمعون بيريز، الذي طالب قبل ذلك بيوم واحد، خلال لقائه الرئيس الأمريكي باراك أوباما، بالاعتراف بدولة كردية مستقلة، لأن «الأكراد اليوم يبيعون النفط بشكل مستقل، وهو ما قد يعرضهم لعقوبات قانونية دولية» وكان بيريز يشير بذلك إلى حقيقة تسلم إسرائيل، أول شحنة بترول من إقليم كردستان، عبر ميناء أسدود الإسرائيلي.
ونظراً لعمق اعتماد إقليم كردستان على الدعم الإسرائيلي لفكرة الاستقلال عن العراق، فقد كشفت صحيفة «معاريف» الاسرائيلية في عددها الصادر بتاريخ 9 مايو 2015 النقاب عن أن حكومة الإقليم قد أرسلت مستشاراً سياسياً للتباحث مع كبار المسؤولين الإسرائيليين حول سبل الدعم السياسي الذي يمكن أن تقدمه إسرائيل للتحرك الكردي نحو الاستقلال، كما نشرت الصحيفة في 30 يونيو 2015 مقالا لمعلق الشؤون العسكرية في الصحيفة ألون بن دافيد الذي وصف الاقليم الطامح للاستقلال بأنه «حليف الأحلام لإسرائيل» حيث تشير الدراسات إلى سعي اسرائيل الحثيث لهذه العلاقة لعدة اسباب يقف في مقدمتها قطع استمرارية وسهولة التواصل بين ايران والعراق وسوريا الأسد وحزب الله في لبنان المطل على حدود اسرائيل والمقلق لأمنها، وبالتالي فإن ولادة دولة حليفة لإسرائيل ستقلق وترهق جيرانها في العراق وايران وسوريا، وحتى تركيا رغم دفء العلاقات بينها وبين اسرائيل، وستشغل الجميع بالمشاكل البينية عن مواجهة اسرائيل، اذن ستلعب دولة كردستان المقبلة دور الحليف الاستراتيجي لإسرائيل في صراعاتها الاقليمية، بالاضافة إلى المكاسب الاستراتيجية المتمثلة في بترول كردستان الرخيص واحتمالية اتفاقيات مياه نتيجة الوفرة المائية التي ستسيطر عليها الدولة الوليدة، لكن من جانب آخر يبقى السؤال موجها إلى القادة الكرد؛ هل ستستطيعون الصمود والعيش وسط مناخ اقليمي متوتر ورافض لكم؟ وماذا ستقدم لكم اسرائيل بالمقابل؟ دعما فنيا ولوجستيا وتطويرا واستثمارات؟ كل ذلك حصلتم وستحصلون عليه من حلفائكم الذين تريدون اليوم أن تديروا ظهوركم لهم دون التفكير بمصالح شعبكم الكردي، فهلا اعدتم التفكير بالامر؟
كاتب عراقي

كردستان وإسرائيل: حلف الأحلام وحدود الدم

صادق الطائي

- -

6 تعليقات

  1. سوف تولد هذه الدولة العنصرية الشوفينية شئنا ام ابينا ولادة طبيعية لكن بمولود ميتا. مغامرات الرئيس مسعود البرزاني( المنتهية ولايته منذ نيسان 2015) المتهالكة لا شك انها ستفشل وتكون دموية ومدوية ومتهورة ومدمرة لان مقومات الحياة ستكون معدومة جويا وارضيا وبحرينا. ننصحه ان يتخذ عبرة من قرأننا الكريم الذي قال “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة”

  2. كلام عاقل استاذ طائي اسرائيل لا بتحث الا عن مصالحها وكل همها هو تفتيت ما حولها ليتسنى لها قضم اراض جديدة والهيمنة على المنطقة ومن هذا المنطلق تصطدم اليوم بهيمنة اخرى هي الفارسية الصفوية وبقي العرب والاكراد لعبة بينهما

  3. ليس هناك أسوأ من القيادات القومية الكردية في تكتيكاتها …..كلما خطر ببالي أن جلال الطالباني ، الذي وقف بجانب القوات الإيرانية أثناء حرب ” بلاده ” مع إيران ، عجبت من أحكام الزمان و تقلباته الهوجاء

  4. الدولة الكردية موجودة منذ العام 1991 في العراق ولكن بصورة غير رسمية وبعد 2003 اصبحت شبه رسمية ومعترف بها من قبل من يعادي بغداد حسب الظروف والان ستصبح حقيقة والسبب هي السياسات الخاطئة التي مارستها الحكومات السابقة وسياسات صدام الطائشة.اعتقد ان الامر منتهي لان البرزاني لديه ظمانات من امريكا واسرائيل بعدم السماح لاي عمل عسكري ضده من قبل بغداد او تركيا (ايران لن تتورط باي عمل عسكري),ولا بد انه قد حسب حساب الحصار من قبل دول الجوارعليه ولكنه سيقوم بالتفاته بعد نجاح الاستفتاء وهو تاجيل قيام الدولة الكردية فعليا لحين انهاء المفاوضات مع بغداد حول الامور العالقة وبالتالي سننتظر لالانتخابات القادمة واي حكومة ستاتي بها الانتخابات وستكون القضية الكردية هي احدى اهم المزايدات للمرشحين

  5. طالما انت مهتم بالقضية الكوردية و الشعب الكوردي وانت كمثقف تكلم بنظرة محايدة وليس نظرة كانها قضية شعب من المريخ يريد يغتصب ارضك. بامكان الدول المحتلة لارض الكورد ان تترك لهم ارضهم وحريتهم واستقلالهم وتكون كوردستان حليفتهم بدل ان تدعمهم اسرائيل وانت تعارضون حتى مجرد الحكم الذاتي لهم وتطالبون الكورد انا يؤيدو فلسطين ويعادو اسرائيل
    نظرتك كمثقف عروبي هي نظرة قومجية بعثية صدامي لقضية شعب مسلوب الحق والارض….يحق لك ان تفتخر بقوميتك وعروبتك وتفتخر بعراقك المرسوم من سايكس بيكو واجدادك كانو نائمين. لكن لايحق الكوردي ان يطلب استقلاله وكل حقوقه المسلوبة ؟ انت ادنى من ان تسمو مثقفين ورواد مجتمع

  6. ان كانت لديكم مشكله مع اسراىيل فالكرد لامشكلة
    لديهم مع الدوله الاسراىيليه.تتهم قيادات الكرد بالتعاون
    مع اسراىيل في مغادرة العراق لماذا هاجر المسيحيين
    الصابىه وغيرهم من العراقيين لتطهر الجاليات العراقيه
    في شتى دول العالم اليس بسبب الظلم والاضطهاد
    الذي تعرضوا له في ظل الحكومات الديكتاتوريه التي
    حكمت العراق- منذ الاطاحه بالملكيه ووصول نظام
    تصفه بالثوري وحتى سقوط قاىد الضروره الذي
    جلب الويلات- تصف اسراىيل بالدولة المنبوذه
    اتحداك ان تقدم دوله عربيه احسن من اسرايل
    في المنطقه. اسراىيل لا تستخدم فقط قوتها الناعمه
    في مساعدة الكرد بل ازيدكم علما بان قوتها الخشنه
    والضاربه على اهبة الاستعداد للدفاع عن اقلبم
    كردستان في حال قيام اي احمق اوطاىش بالتعرض
    له.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left