كما طعنا الفلسطينيين نطعن الروهينجا

نزار بولحية

Sep 20, 2017

إلى متى ننفي وننكر؟ وإلى متى نرفض الحقيقة كاملة من غير نقص ولا اجتزاء ونلف وندور حول حلقة مغلقة ذارفين دموع التماسيح على الروهينجا ونحن نعلم أكثر من غيرنا أصل مأساتهم وندرك أن بعض جذورها وأسبابها موجود فينا وداخلنا؟
والى متى نقول بأننا واثقون ومتأكدون الفا بالمئة من أن الصورة باتت واضحة ومكشوفة بالكامل، وأنه لم يعد هناك داع للكلام على الكلام، بعد أن عرف العالم بأسره أدق تفاصيل الجريمة، وتيقن من أنه لا فرق ولا اختلاف بالنهاية بين ضابط عسكري وراهب بوذي وزعيمة سياسية ذات صيت عالمي، ماداموا جميعا متورطين ومشتركين في حملة الابادة المسعورة ضد هؤلاء المضطهدين؟
إلى متى نواصل قول ذلك ونحن ندرك في قرارة أنفسنا أن كلامنا ليس سوى نصف الحقيقة وأنه الجزء الظاهر والمكشوف من لوحة دموية كبرى قد يكون ما أخفي وغيب عمدا من باقي قطعها واجزائها اكبر واعظم، وربما حتى اشد مأساوية وفظاعة مما نتصور؟ يكفي أن ندقق في وجوه السفاحين الذين مسكوا السكاكين وغرزوها بخسة ووحشية في بطون الامهات الحوامل، والذين لم يرحموا شيخا أو امراة أو رضيعا، وأحرقوا وأبادوا قرى وبلدات بأكملها، ودفعوا الالاف للتشرد والهروب في البراري أو القوارب نجاة بارواحهم ونتأمل ملامحهم وتصرفاتهم حتى نقفز على الفور من مقاعدنا الوثيرة وراء شاشات حواسيبنا وتلفزيوناتنا، صارخين لهول المفاجأة بأننا شاهدنا في مناسبة ما الوجوه والملامح والتصرفات ذاتها، وأن ما نراه ليس سوى استعادة لمشاهد رأيناها رأي العين، أو عاصرناها أو على الاقل سمعنا وقرأنا عنها في كتب التاريخ المعاصر.
إن الشبه عجيب ومذهل ويكاد يبلغ حد التطابق التام بين الملامح والتصرفات التي تظهر الان في ميانمار وملامح وتصرفات اخرى ظهرت وتكررت في أماكن وازمنة اخرى قريبة وبعيدة. لكن لسوء حظنا نحن العرب والمسلمين فان كل المآسي التي حلت بنا، رغم تعدد اسمائها وعناوينها، فهي بالاخير نسخة واحدة طبق الاصل. أنظروا إلى اساليبها وخططها وفظاعاتها، وستتأكدون من أنها فعلا كذلك، بل تأملوا حتى في ردات فعلنا المستخفة والسلبية إزاءها، وتعاملنا القاصر والمهزوز معها، وستلحظون أن المواقف والشعارات العنترية الجوفاء نفسها والاخطاء والحماقات والخيانات التي قادنا ومازلت تقودنا لتلك المصائر الاليمة هي التي تعاد وتتكرر والى أجل غير معلوم. ألا ترون ألا فرق بين ما جرى ومازال يجري للروهينغا وما حصل مثلا في تسعينيات القرن الماضي للمسلمين في البوسنة والهرسك أو لالبان كوسوفو أو لمسلمي كشمير أو للايغور في أوقات اخرى؟
ألا تعتقدون أن الامر ليس محض صدفة، وأن هناك صلة وعلاقة بين مجازر كالتي حصلت في دير ياسين وصبرا وشاتيلا وغيرها وما نسمعه ونراه على الشاشات من مجازر وانتهاكات فظيعة بحق من تطلق عليهم الامم المتحدة لقب «اكثر الاقليات اضطهادا في العالم»؟ قد تقولون إن في الامر قدرا كبيرا من المبالغة، وقد تردون أيضا بأنه لا وجود إطلاقا لاي خيط أو رابط حقيقي بين حملات الابادة التي تعرض لها الفلسطينيون في الاربعينيات والثمانينيات على سبيل الذكر، وحملات الإبادة التي استهدفت ومازالت تستهدف الروهينجا إلى اليوم. فالعدو الظاهر للفلسطينيين ليس هو العدو الظاهر والمعلوم للروهينغا، والظروف والسياقات والمعادلات والتوازنات المحلية والاقليمية ليست بالطبع نفسها، ولكن الا تبدو لكم تلك السكين التي ذبحت الفلسطيني ونكّلت به وشردت شعبه وقطّعته على قارات العالم الخمس هي السكين ذاتها التي نكلت بالبوسني والكوسوفي والافغاني والكشميري والروهينغي، وروعت شعوبهم ودمرتهم؟ عودوا إلى كل المذابح والإبادات التي شهدناها على مر تاريخنا المعاصر وستدلكم تلك السكين على أن بصمات القاتل مهما تلونت أو تعددت تظل واحدة.
ألم يروج اليهود حين عزموا على إفراغ فلسطين من أهلها على إنها «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» ثم قادوا بعدها حملات الإبادة في القرى والبلدات الفلسطينية وفقا لذلك النهج الفاشستي الصارم، وهو وضع كل مدني أمام واحد من خيارين اثنين «إما أن ترحل أو تموت». لقد قال جاك دورينيه مندوب الصليب الاحمر الدولي في القدس، وكان اول شخصية اجنبية تدخل دير ياسين بعد إبادة اهلها عن بكرة ابيهم في شهادته على ما رآه حينها في البلدة، «إن افراد العصابة اليهود، سواء الرجال منهم أو النساء كانوا جميعا مدججين بالسلاح، يحملون الرشاشات والمسدسات والقنابل اليدوية والسكاكين الطويلة. وكان معظم السكاكين ملطخا بالدماء، واقتربت مني شابة ذات عينين مجرمتين وأرتني بتباه سكينها التي كانت ما تزال تقطر دما، وكان واضحا أن هذا هو فريق التطهير للاجهاز على الجرحى، وانه كان يقوم بمهمته خير قيام». ولو أخذنا تلك الفقرة الصغيرة بمفردها من دون أن نقرأ مئات الشهادات التفصيلية الاخرى التي تضمنت روايات اقسى واشد منها، فسنخلص بالتأكيد ايضا لذلك الاستنتاج السابق.
لاحظوا جيدا أن ما جرى اواخر الاربعينيات في دير ياسين هو ما تكرر بالحرف في التسعينيات في سيربرينتشا، وايضا في كشمير ومور وبالفلبين، ويتكرر الان في اقليم أركان بالوحشية والحقد ذاتهما وبالقدر من التصميم نفسه على محو كل اثر للوجود الانساني، بالإعدام التام لاي اثر للحياة، وتشويه التاريخ والسطو على الجغرافيا وتبديل كل ملامحها. لقد حوصرت دير ياسين وسط صمت وتواطؤ دولي، ولم يختلف الامر في سيربرينتشا أو في اي قرية من قرى الروهينجا. ومن قبل أن يجهز العدو على الاهالي المدنيين العزل بوحشية تفوق الوصف، دفع هؤلاء حياتهم ثمنا لتصديقهم وعود الشقيق والصديق. لقد قال لهم الاول إن الجيوش العربية الجرارة ستهب لنصرتكم وستحميكم لو حصل وتأخرت لسبب من الاسباب، فان كل السلاح الذي تحتاجونه للدفاع عن انفسكم سيكون بين ايديكم في الحال. وقال لهم الثاني إنكم في حماية الشرعية الدولية، ولن نسمح لأي احد كائنا من كان بأن يعتدي عليكم أو يخرجكم من ارضكم ودياركم بالقوة. اما النتيجة فيعرفها الجميع. فهل نلوم اذن الاسرائيلي والصربي والبورمي فقط؟ أم نلوم قبل ذلك انفسنا على كم النفاق والخيانة والتنصل من الوعود والعهود لمن وصفناهم باخواننا في العرق والدين، الذي قد يوازي ويعادل كم الغل الحقد والوحشية الذي دفع القتلة لارتكاب تلك المجازر؟ ألسنا نحن من قدمهم لقمة سائغة وعلى طبق للاعداء؟ ونحن من سعى ويسعى الان ليعيد السيناريو نفسه مع الروهينجا ويحول قضيتهم إلى مجرد قضية لاجئين يطلبون ويبحثون عن اغاثات ومساعدات انسانية؟ ثم اخيرا ألم يحن الوقت بعد لنملك الشجاعة ونعترف بأن ما يسميه البعض تقاعسا عن نجدة الفلسطينيين والبوسنيين والروهينجا، هو في الاصل تلك السكين الحادة التي طعناهم بها في الظهر قبل أن يكمل الباقون المهمة؟
كاتب وصحافي من تونس

كما طعنا الفلسطينيين نطعن الروهينجا

نزار بولحية

- -

7 تعليقات

  1. نعم نفس المسلسل
    الفرق هو أنه كان بالأبيض والأسود والآن ملون ومباشر !
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. حياة البشر مقدسة وأي اعتداء على أي إنسان، أيا كان انتماؤه العرقي أو الفكري هو اعتداء على البشرية جمعاء.
    ولذلك يجب ألاّ يسقط الدفاع عن الإنسانية وحقوقها في فخ الإنتقائية، فتتعالى أصواتنا في حالات دون أخرى، وتفقد مصداقيتها، ولا يكون لها صدى.

  3. ما يحصل لمسلمي الروهينغا لا يشابه تماما ما حصل للفلسطينيين الذين طردهم مستعمر عنصري ديني مدعوما من العرب ليقتلع شعبا بأكمله من ارضه لبناء دولة جديدة فوق ارضة، ما حصل في بورما ( مينامار) هو نظام ستوتشي المدعي للحرية والديمقراطية يطرد جزءا من شعبه، شعب بورما لمغايرته دينيا ليحل محله اناس آخرون من نفس الشعب، المثال الاقرب إلى هذه الحالة هي الحالة البوسنية سابقا والسورية حاليا ( التي أغفلتها تماما ) فما يقوم به نظام بشار الكيماوي هو طرد سوريين من ارضهم لانهم مسلمون سنة وقصفهم بالطائرات والكيماوي ليهجرهم الى بلاد اخرى ليحل محلهم ” شعب متجانس″ حسب قوله من العلويين و شيعة العراق ولبنان وايران وباكستان وافغانستان، وهذا ما صرح به اكثر من شخصية في هذا النظام المجرم واخرهم العميد عصام زهر الدين الذي قال بالحرف الواحد: انصح اللاجئين بعدم العودة الى ديارهم لانه اذا سامحهم النظام فنحن لن نسامحهم” اي ان هناك تطهير عرقي وتهديد بالقتل لكل من يعود، بالتأكيد هناك تقصير ممن يدعي بأنه راعي الاسلام وعليه اليوم ان يثبت ذلك

  4. علينا ان لا نكتب ليتعاطف معنا الاخرين او القراء الذين من نفس الدين او القومية فلكل مشكلة لها اسباب تاريخية يتم حجبها لكي نصدق فقط الحقيقة التي يتم طرحها فقضية اضطهاد الروهيينغا ليست دينية بالاساس فقد حرموا من المواطنة كما حرموا الاكراد في سوريا والبدون في بعض بلداننا لاتهامهم بانهم ليسوا بلبناء البلد والبورميون يفكرون بنفس اسلوبنا فالانسان يولد على نفس الارض هو وسابع جد ثم يقولوا له انت في الاصل مهاجر وليس ابن البلد وحصل في العراق والى الان نستخدم اصطلاح التبعية العثمانية والتبعية غير العثمانية في تصنيف العراقي وفي اوربا تحصل على جنسية البلد بعد خمس او ثماني سنوات.انها قضية ثقافة اجتماعية في تقبل الاخر المختلف عرقيا او دينيا بالسلب او بالايجاب

    • @سلام : العرب و المسلمين اكبر من يعطى الدروس للعالم المختلف عنهم…و لكن فى اول امتحان و لو كان بسيط ليطبقوا ما يقولون به …..يفشلون والأغرب من ذالك يحملون أسباب فشلهم للغير بالطبع الماسونية و الصهيونية و الغرب الكافر و العلمانية هى أسباب فشلهم ….الروهينقا هم “البدون” من سكان ميانمار…..لا أكثر اكثر و لا اقل ….و كونوا…متاكدين ان اكثر من تعاليق الانترنت لن يفعلوا لهم شيئا….فى انتظار موضوع قادم مثير للجدل ….تحيا تونس تحيا الجمهورية

      • لا يكاد يخلو تعليق لك بدون الغمز واللمز من طرف الإسلام والعروبه،،،ألا تلاحظ معي أنك تزيدها كثيرا وخاصه أنك تفخر بأنك ليس عربي ،،ولا أدري عن مدى تمسكك بالاسلام ؟
        حتى عندما نتكلم عن اقليه مضطهده من الناحيه الإنسانيه قبل أن تكون مسلمه أو غيره نراك تتهكم لدرجه الاستفزاز؟
        رغم أننا نتجاهل ونتجاوز عن الكثير من تجاوزاتك إلا أنك تجبرنا للرد عليك لتذكيرك بمباديء الحوار الأساسيه…وانت الذي لا تتوقف عن الوعظ حول تقبل واحترام الأخر؟!!

  5. ملايين الروهينقا فى ما يسمى العالم العربي و الإسلامى….و لك ان تولى وجهك يميننا و شمالا….سكان دارفور اليسوا روهينقا …الاكراد الم يكونوا و ما يزالوا روهينقا ….السنة فى إيران و العراق روهينقا و الشيعة فى السعودية روهينقا ….اليمن كله روهينقا ….و الصومال روهينقا ….حنوب السودان روهينقا ….. ليبيا روهينقا ….سوريا روهينقا …..تحيا تونس تحيا الروهينقا

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left