البارزاني وتقرير المصير: كلمة حق أريد بها باطل!

جلبير الأشقر

Sep 20, 2017

لا شك في أن الأمة الكردية تشكّل هي والجناح المشرقي للأمة العربية الضحيتين الرئيسيتين للتقاسم الاستعماري الأوروبي/التركي لتركة الإمبراطورية العثمانية. فحيث كانت الأمتان مضطهَدتين في إطار الإمبراطورية تخضعان لحكمٍ عثماني شهد تتريكاً متصاعداً خلال القرن التاسع عشر بما انعكس تصاعداً في الاضطهاد العثماني/التركي للقوميات غير التركية، أدّى انهيار الإمبراطورية إلى تقسيم أراضي القوميتين العربية والكردية التي كانت واقعة تحت سيطرة الباب العالي.
إلا أن مصيبة الكرد كانت أعظم من مصيبة العرب: فحيث جرى تقسيم المشرق العربي إلى ثلات دول هي العراق وسوريا (التي اشتُقّ منها لبنان ولواء إسكندرون تحت الانتداب الفرنسي) وفلسطين (التي تقاسمت أراضيها المملكة الهاشمية والحركة الصهيونية في ظل الانتداب البريطاني)، ونتجت عن ذلك أربع دول عربية ذات سيادة قانونية (وأراض محتلة في فلسطين وإسكندرون)، فقد جرى ضمّ كافة الأراضي الكردية بصفة مناطق أقليات بلا سيادة في كل من تركيا والعراق وسوريا.
والحال أن الأمة الكردية في كل من المناطق الثلاث (ناهيكم من أرض كردستان الواقعة ضمن حدود الدولة الإيرانية) عانت من شتى أنواع الاضطهاد من قِبَل حكومات التعصّب القومي في أنقرة وبغداد ودمشق وتعرّضت لسياسات التتريك الكمالية والتعريب البعثية، لا يضاهيها في المعاناة إقليمياً سوى الشعب الفلسطيني. ومن مفارقات التعصّب القومي العربي أنه كان ينادي بوحدة الأمة العربية وبحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وينكر على الأمة الكردية حق كل جزء من أجزائها في تقرير مصيره وحقها في التوحّد القومي، بل حتى حقها البسيط في الوجود. ولا معالجة ديمقراطية للمسألة القومية في منطقتنا سوى بتحقيق حق الأمة الكردية بكافة أجزائها في تقرير المصير، بما فيه الانفصال والتوحّد، حيث تشكل أكثرية سكانية، على أن يتم إيجاد حل حضاري ديمقراطي توافقي للأراضي المتنازع عليها التي شهدت تغييرات سكانية بنتيجة التخطيط القومي الاضطهادي.
غير أن قرار مسعود البارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق، إجراء استفتاء على استقلال الإقليم يوم الإثنين القادم لا يمت بأي صلة إلى الأفق الديمقراطي الموصوف أعلاه.
والحقيقة أن كردستان العراق قد تمتّعت منذ ما يزيد عن ربع قرن باستقلال يفوق بالتأكيد استقلال الدولة العراقية، كما تمتّعت معظم هذا الوقت بظروف من الأمن والرفاهية تميّزت بحدّة عن المأساة بلا نهاية التي عانت منها مناطق العراق العربية. فبعد الحرب الأمريكية الأولى المدمِّرة على نظام صدّام حسين سنة 1991 وبعد أن كانت واشنطن قد أتاحت لهذا الأخير قمع الانتفاضتين الناشبتين في جنوب العراق وشماله، مما أحدث موجة كبيرة من لجوء الكرد العراقيين إلى كردستان تركيا مثيرةً قلق أنقرة وكذلك قلق عواصم أوروبا الغربية من فتح تركيا أبوابها لانتقال اللاجئين إلى دولها (مثلما حصل لاحقاً مع اللاجئين السوريين)، قرّرت الولايات المتحدة تأمين الحماية لكردستان العراق وفرض حظر جوّي فوق أراضيها.
وكانت النتيجة أن كردستان العراق، وبعد مخاض عسير ودموي، استقرت على نظام توافقي بين جناحي الحركة الكردية العراقية أتاح للإقليم أن ينعم بازدهار اقتصادي نجم بشكل رئيسي عن وساطته التجارية بين نظام صدّام حسين (لا بل عائلة صدّام حسين!) وتركيا. وبكلام آخر فإن كردستان العراق كان المستفيد الأكبر من الحظر المجرم الذي فرضته واشنطن على العراق والذي عانى منه الشعب العراقي ولم يعانِ منه قط الطاغية صدّام حسين وأقاربه.
وعند احتلال العراق واستكمال تدميره من قبل الولايات المتحدة وحلفائها كانت كردستان العراق بمثابة جنّة مقارنة بالجحيم الذي ساد في مناطق العراق العربية، فضلاً عن تمتّع كرد العراق بقوة عسكرية تفوق ما تبقّى لدى الدولة العراقية في ظل الحراب الأمريكية. فكرّست التطورات الدستورية والعملية استقلال «إقليم كردستان العراق» الفعلي بينما كان سائر العراق يقبع تحت الاحتلال الأمريكي ومن ثم تحت الهيمنة الإيرانية، أي أن الحكم الذاتي الذي تمتّع به الإقليم كان استقلالاً فعلياً بما في ذلك الجيش والعلَم، لا ينقصه لكي يكون كاملاً سوى اعتراف دولي و قطيعة اقتصادية رسمية مع الدولة العراقية.
وحيث أن كردستان العراق واقعة على تخوم دولتين مضطهِدتين للأمة الكردية، ألا وهما تركيا وإيران، وليس لديها منفذ خاص بها إلى أي بحر، اقتضت مصلحة كرد العراق أن يستمر الإقليم ببناء ذاته مستفيداً من وضعه الخاص حتى تتسنّى ظروف تاريخية تسمح بتسوية ديمقراطية شاملة كالتي تم وصفها أعلاه. بيد أن مصلحة كرد العراق ليست ما يعمل مسعود البارزاني بوحي منه، بل لا يحرّكه سوى مصلحة نظام الفساد والمحسوبية الريعي الذي أرساه في الإقليم على حساب شعبه وعلى الطراز المعهود لدى الحكام العرب. لا بل يجازف البارزاني اليوم بكل ما تيسّر لكردستان العراق خلال العقدين الأخيرين إذ يتشبّث حتى الآن بإجراء استفتاء ترفضه بغداد ويرفضه حتى أصدقاؤه في واشنطن وأنقرة.
كل هذا أدركه المتنوّرون من سكان الإقليم الذين عارضوا الاستفتاء وندّدوا بسلوك البارزاني الذي يعرّض كردستان العراق لأوخم العواقب بغية تحقيق مطامعه الأنانية الضيقة. لقد أدركوا أن تحجج البارزاني بحق تقرير المصير إنما هو مثال ساطع عن ذلك السلوك الذي وصفه الإمام علي بن أبي طالب بعبارة خالدة: «كلمة حق أريد بها باطل».

٭ كاتب وأكاديمي من لبنان

البارزاني وتقرير المصير: كلمة حق أريد بها باطل!

جلبير الأشقر

- -

7 تعليقات

  1. ” فحيث كانت الأمتان مضطهَدتين في إطار الإمبراطورية تخضعان لحكمٍ عثماني شهد تتريكاً متصاعداً خلال القرن التاسع عشر” إهـ
    سياسة التتريك بدأت في القرن العشرين !
    وبعد عزل آخر خليفة للمسلمين (السلطان عبد الحميد الثاني) سنة 1909 بيد حزب الإتحاد والترقي الماسوني القومي
    ولهذا ثار الشريف حسين ومعه الحجاز والشام ضد سياسة التتريك
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. قامت امريكا بغزو سنة 2003 بهدف بسط سيطرة مطلقة على منابع النفط بالخليج و مواصلة سياسة احتواء إيران.
    لم تسر الحرب حسب ما تشتهي أهواء امريكا حيث ورطتها إيران في حرب استنزاف أدت إلى مقتل آلاف الجنود الأمريكيين و جرح عشرات الآلاف اضطرت بعدها التفاوض مع إيران و سوريا لايجاد حل يحفظ مصالح امريكا و يحقق مصلحة إيران و سوريا في العراق.
    تم الاتفاق سنة 2007 و كان الاتفاق يقضي بتسليم الجنوب إلى إيران، و ابقاء الوضع في الشمال دون تغيير تحت سيطرة الاكراد حلفاء امريكا. و تأجيل حسم الوضع في الوسط.
    بدأت الحرب في سوريا في ظل هذا الاتفاق. كان هدف إدارة أوباما واضحا من حرب سوريا في ما يتعلق بالعراق: إسقاط النظام في سوريا يمنحها الامتياز في تحديد مصير وسط العراق، و تغيير ظروف المواجهة مع إيران في العراق.
    ابتداء من سنة 2014، ظهر لأمريكا جليا ان هدف حربها في سوريا يصعب تحقيقه و قامت بتفعيل الخطة البديلة لإسقاط النظام.
    كانت الخطة البديلة تقتضي الاستعانة بتركيا و بقايا جيش النظام العراقي السابق لخلق كيان جديد يسيطر على وسط العراق و شرق سوريا لعزل إيران و سوريا عن بعضهما البعض. سمي هذا الكيان داعش و تم استغلال هذه التسمية لاحقا للتغطية على الفوضى التى تحقق مصلحة امريكا في كل مناطق العالم.
    لم تتردد إيران في مواجهة الخطة البديلة و ساهم تطور الأوضاع في سوريا و سوء التنسيق بين تركيا و امريكا في وأد فرص نجاح الخطة البديلة و شكل تدخل روسيا المباشر في حرب سوريا النهاية الفعلية لهذه الخطة.
    في ظل هذه الخيبة غادرت إدارة أوباما و جاءت إدارة أمريكية جديدة تبدو عازمة على التنصل من اتفاقياتها مع إيران و خلط الأوراق من جديد في العراق على كل الجبهات بما فيها الجنوب و الدفع لاستقلال الاكراد في الشمال و اندماجهم مع اكراد سوريا للسيطرة على شمال سوريا. و يمثل ذلك اللعب بأخر ورقة تمتلكها امريكا في الصراع على العراق. و يبدو أن امريكا ستقوم لتحقيق ذلك بالاستعانة بإسرائيل وكل حلفائها العرب و قد يشكل ذلك أول تنسيق علني بين الدول العربية الحليفة لأمريكا و إسرائيل.
    و في ظل الفشل الأمريكي في سوريا، و رفض تركيا لإعطاء دور للأكراد في المنطقة، والتقاء مصلحة تركيا و ايران، و وصول الجيش الروسي إلى حدود العراق، يبدو ان ايام امريكا في العراق باتت معدودة و ان أول من سيدفع ثمن الفشل هذه المرة هم الاكراد.

  3. ان الكرد لا شك قد ظلمهم التاريخ والجغرافيا والعرب والغرب ومن حقهم ان يطالبوا بحقوقهم في المساواة، لكن بناء دول داخل دول ستصطدم لا شك بمصالح هذه الدول، والدول كما قال ابن خلدون تدافع عن نفسها كالأشخاص، وهذا ما سيدفع لحروب عرقية بعد ان تنتهي او لا تنتهي الحروب الطائفية، وافكر في نفسي بعض الاحيان في قراءتي للتاريخ ان الاكراد الذين حكموا الشرق الاوسط بكامله ووصلوا حتى اليمن في عهد الدولة الايوبية بعد انتصار صلاح الدين الايوبي وتحرير القدس ( لكن ورثته سلموا القدس للصليبيين بعد تحريرها في عهد الملك الكامل ملك مصر واعطى مفتاح القدس للامبراطور فردريك الثاني) لماذا لم تستمر دولتهم ( وقد قبل بها العرب دون اي منازع تحت مقولة لا فرق لعربي على اعجمي الا بالتقوى كما حصل مع العثمانيين الذين دخلوا بلاد العرب في معركة مرج دابق ضد المماليك في العام ١٥١٦) او لماذا لم يبنوا دولة لهم وكان لديهم كل الامكانيات في ذلك بل فضلوا حكم العراق وسورية ومصر واليمن والحجاز وتقاتلوا فيما بينهم. وبعد انهيار دولتهم بقي الاكراد مقيمين في البلاد وذابوا في المجتمعات العربية، وأول من خانهم هو الغرب الميكيافيلي الذي وعد ببناء جمهورية مهاباد ثم تخلى عنهم، اليوم يجب تحكيم العقل والحكمة والعبر ليست ببناء دول ولكن ببناء شعوب متراصة متحابة تتمتع بالحرية والمساواة رغم اختلافاتها العرقية والدينية والدول الناجحة اليوم هي الدول المتعددة الاعراق كالولايات المتحدة وكندا واستراليا وجنوب افريقيا

  4. أن الخطأ التاريخي الفضيع الذ ي وقع فيه الكرد هو انكارهم للذات اي نكارهم للكفاح من أجل قوميتهم في غياب وسبات فكري فحاربوا وناضلوا واستبسلوا وأعطوا كل ما يملكون لرفع شأن الاسلام وتوسيع الإمبراطورية الإسلامية وعندما استيقظوا من سباتهم وجدوا أنفسهم وبلادهم محاطة باسوار المسلمين في العراق وتركيا وسوريا وإيران ناكرين لوجودهم ولقوميتهم ولحقوقهم مكافأة لما قاموا من خدمة الإسلام والمسلمين وهكذا أضاعوا الخيط والعصفور كما يقول المثل العراقي فلو كان نضالهم من أجل وطن قومي لكانوا في مصافي الدول القوية التي تحسب لها الف حساب وحساب فكل نضالهم ودمائهم ذهبت هباء منثورا واليوم يجنون ثمار ما قام بها صلاح الدين ومظفرالدين و…ً

  5. بل انها كلمة حق يراد بها احقاق الحق لشعب اضطهد من قبل العرب والترك
    والفرس على مر التاريخ. اين كانت الاقلام
    التي بدات تخرج لتحلل وتستنتج وتكتب
    كما يحلو لها. ليعلم الجميع ان الاستفتاء
    اصبح مطلبا جماهيرياً وهو حق طبيعي
    كفلته القوانين الالهيه والوضعيه.نحن
    ماضون في الاستفتاء ورفضها من قبل
    بعض الشوفينيين ليس بغريب علينا
    ولو انتظرنا قرونا اخرى اتعتقدون يظهر
    فرعون عربي،فارسي.اوتركي لكي يربي
    موسى كردي

  6. سوالي للسيد كاتب المقال والذي اختتم قوله بقول
    الامام علي كرم الله وجهه( كاتب المقال لم يضف
    هذه العباره بعد ذكر اسم الامام)،لماذا قتل الامام
    الم يكن بسبب دفاعه عن المظلومين.لماذا ثار الامام
    الحسين سيد شباب اهل الجنه الم تكن ثورته من
    اجل الحريه ونصرة المظلومين. اترضون بان تكون
    الى جانبكم امة مسلمة مضطهدة محرومه من حقوقها
    .حقوقنا سلبت ولازالت مسلوبه ناضلنا ونبقى مناضلين
    من اجلها حتى تحقيقها فالساكت على الحق شيطان
    اخرس وما ضاع حق وراءه مطالب.

  7. اولا: هناك كردستان رابعة كانت في الاتحاد السوفياتي مابين ارمينيا و اذربيجان. ومن المعروف ان ملا مصطفى البرازاني والد الرئيس الحالي لجأ اليها مدة 10 سنوات
    ثانيا: اكراد العراق موحدين قسرا بين جماعتين على الاقل. و هناك فروقا اكبر ما بين اكراد العراق و ايران و تركيا. و للاسف فان اللغة الكردية او اللغات الكردية التي تكتب بحروف عربية و فارسية وروسية و لاتينية قليلة الانتاج بل تكاد ان تكون معدومة تاريخيا حيث ان معظم الكتاب و المفكرين الكرد كتبوا بلغات دولهم الكبرى

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left