المجتمع والثقافة الاجتماعية

سعيد يقطين

Sep 20, 2017

إذا كانت الثقافة الشعبية وليدة الشعب الذي يتناقل الإبداعات التي ينتجها أحد أفراده، بدون أن يكون لها حق نسبتها إلى أصحابها، لأنها تصبح ملكا مشاعا. وكانت الثقافة العالمة نتاج الكتابة والطباعة. وجاءت الثقافة الجماهيرية وليدة الإعلام الذي تمتلكه المؤسسة، وتعمل من خلال الوسائط الجماهيرية التي تمتلكها لنشر وإشاعة المعلومات التي تريد. جاءت الوسائط المتفاعلة لتكون ثورة حقيقية على مستوى إنتاج المعلومات وتلقيها، ولتستجمع مختلف الوظائف التي كانت تقوم بها كل الوسائط التي أنتجها الإنسان عبر التاريخ، فصارت بذلك تعطي لأي فرد الحق في إنتاج المعلومة وتداولها مع الآخرين.
من ثقافة عامة الشعب إلى ثقافة خاصته (العلماء)، وصولا إلى ثقافة الجماهير كانت تتطور العلاقات الثقافية دائما خطيا من مرسل إلى متلق. لكن مع الوسائط المتفاعلة، برز الوسيط الرقمي ليعطي بعدا جديدا لما نسميه «الثقافة الاجتماعية» التي يسهم كل أفراد المجتمع بصفاتهم الذاتية والشخصية في إنتاج المعلومات وتداولها. إن الانتقال من «العامة»، إلى «الخاصة» إلى «الجمهور»، إلى «المجتمع» جاء نتيجة تطور العلاقات بين الأفراد بهدف إشراك الجميع في تحسين تلك العلاقات ومدها بالوسائل التي تضمن تحقيق الرفاه للإنسان.
تركت لنا الثقافة الشعبية رصيدا هائلا من الإنتاجات تشكل من خلالها متخيل جماعي ما يزال له حضوره الضمني في حياة الأمم والشعوب. كما أن الثقافة العالمة ساهمت في تطوير رؤية الإنسان إلى العالم، وبذلك تطورت علاقته بالعالم، وصارت معرفته به أكثر وضوحا، وبات استغلال ما يزخر به المحيط الطبيعي الذي نعيش فيه ملكا للإنسان. ولعبت الثقافة الجماهيرية في إتاحة الفرصة للعديد من الناس على فتح العين على ما يجري. أما الوسيط الرقمي، في بعده الذي أدى إلى «الثقافة الاجتماعية»، فأتاح للجميع إمكانية إثبات الحضور، والتواجد مع الاخرين، على قدم المساواة في التعبير عن الذات وما يتصل بها. لكن، إذا استثنينا ما يتعلق بدور تلك الوسائط المتفاعلة في إدماج أفراد «المجتمع» في تبادل المعلومات وإنتاجها، يفرض علينا السؤال التالي ذاته: ماذا يمكن أن يبقى من هذه الثقافة مع مرور الزمن؟ وهل يمكن لما ستخلفه أن يكون له الموقع الذي خلفته الثقافات المتعاقبة في التاريخ الإنساني؟ أم أنها ستظل تقريبا، مثل الثقافة الجماهيرية ذات بعد طارئ وعابر ومتغير باستمرار؟ تفرض هذه الأسئلة نفسها علينا إذا ما أردنا أن نعطي للثقافة الاجتماعية بعدا ضروريا للتطور، يتناسب مع ما توفره هذه الوسائط الجديدة على المستوى العربي.
إن مستوى الآثار التي يمكن أن تنجم عن استخدام الوسائط الجديدة، مرتبط بالمستوى الذي حققه «المجتمع» على مستوى تفاعله مع محيطه الطبيعي والاجتماعي، وكذا على مستوى تطور العلاقات بين مختلف مكوناته. وتطور المجتمعات في العصر الحديث ليس متساويا. فالمجتمع الغربي تشكل في صيرورة طبيعية جعلت منه مساهما في بناء الدولة. أما في الوطن العربي، لظروف تاريخية خاصة، تأسست فيه الدولة، ولكنها لم تسهم في تشكيل المجتمع. إن انتماء أي فرد في الوطن العربي لا يتحقق إلا بامتلاكه «بطاقة وطنية» تثبت هويته ونسبته إلى وطن، على المستوى الظاهري. أما على المستوى الباطني، فهو إما ابن العشيرة، أو العرق، أو الطائفة. وهو في الوقت نفسه، إما ابن العامة (الشعب/ العوام / الخدام)، أو ابن الخاصة (الأعيان/الشرفاء/ أصحاب رؤوس الأموال). وحين تتحدد العلاقات على هذا النحو، تظل التمايزات الاجتماعية بين الأفراد لا تقوم على أساس الانتماء إلى الوطن، أو المجتمع.
فكيف يمكننا الحديث عن المجتمع حين ترتكز العلاقات بين الأفراد على هذه الصورة؟ وكيف يمكننا التساؤل عن «الثقافة الاجتماعية»، التي تستغل هذه الوسائط الاجتماعية للارتقاء بالمجتمع إلى مستوى مختلف يتناسب مع طبيعتها ووظيفتها التي تحققها في المجتمعات التي أنتجت هذه الوسائط؟ إننا، ونحن نستهلك هذه الوسائط الجديدة، نوظفها بطريقة غير ملائمة لأن تصورنا عن المجتمع ما يزال غير متحقق بالصورة التي تجعلنا نتجاوز الرؤى ما قبل الاجتماعية، لذلك حين سميت «وسائل التواصل الاجتماعي» كما هي في الدول المتقدمة «الوسائط الاجتماعية»، بأنها «وسائط شعبية جديدة» في ثقافتنا، كنت ألح على هذا البعد «الشعبي» الذي يغيب في صورة «المجتمع» المنظم والمؤطر في «جماعات» اجتماعية تهدف إلى تقديم خدمات للمجتمع ككل، وليس لفئة، أو طائفة، أو هوية ما، بغض النظر عن الجماعة الاجتماعية المنتمى إليها. جاءت الوسائط الجديدة، لتطوير العلاقات بين الناس، وليس لإثبات الهويات الفردية أو الجماعية الخاصة. وما «المجموعات» التي تتيحها هذه الوسائط للتواصل والإنتاج والتلقي سوى دليل على ذلك. إن الانخراط في هذه المجموعات التي تتيحها «الوسائط الاجتماعية» من بين أهدافها الأساسية خلق دينامية جديدة لتطوير العلاقات الاجتماعية، وتحقيق التقارب بين الناس، والارتقاء بها إلى خدمة المجتمع. هذه هي الوظيفة المركزية لهذه الوسائط: خلق «ثقافة اجتماعية».
حين يغيب «الاجتماعي»، لا يحضر سوى «الشعبوي». فما الفرق بين كتاباتنا، هنا والآن، في الفيسبوك، وكتاباتنا التي كانت على جدران المراحيض؟

٭ كاتب مغربي

المجتمع والثقافة الاجتماعية

سعيد يقطين

- -

5 تعليقات

  1. فما الفرق بين كتاباتنا، هنا والآن، في الفيسبوك، وكتاباتنا التي كانت على جدران المراحيض؟
    -
    يبدو انه لا فرق فقط تم تغير الوسييط من جدران المراحض الى حائط ازرق رقمي
    -
    ولم يتغير الفاعل في الحائطين
    -
    اذا كان السيد يقطين قد بين أن الدولة في عالمنا العربي قد تأسست دون اي حضور
    -
    للمجتمع فيحق لنا ان نتساءل هل تلك الوسائط لدينا اجتماعية ام سوقية ؟
    -
    تحياتي

  2. دائمًا رائع دكتورسعيد يقطين.وتتناول موضوعًا من الواقع برؤية تسموعلى الواقع.مودتي.

  3. ياسلام يا أستاذ يقطين على هذا المقال الاعلامي بامتياز وسؤالك الاخير هو الأبلغ، وأنا أقول بأنه لا يوجد فرق كبير بين المقارنين. وذلك لسبب اساسي أرجو ان اكون صائبا في تحليله: في علم الاعلام يقول العالم ابراهام مول إن كل مجتمع ينتج علماءه، وفنانينه، ومبدعيه، ولكن كذلك ينتج ايضا مجانينه ومرضاه، وسفهاءه.. والفرق بين المجتمعات هي في هذه النسب، فما ينتجه مجتمع مثل السويد مثلا من نسب من مثقفين وعلماء ومختصين.. اكبر بكثير مما ينتجه الصومال مثلا او ليبيا او سورية او مصر لأن المشكل الاساسي في ذلك هو وسائل الاعلام فهناك دورة اعلامية كالناعورة في الماء، اي ان وسائل الاعلام التقليدية من مهمتها في الأنظمة الديمقراطية ان تعيد انتاج الابداع عن طريق بثه إلى المجتمع ككل في عملية تثقيف جماعية دون تدخل الدولة والرقيب، وبذلك يقوم المجتمع بإنتاج المزيد من الابداع لأن هناك تراكم ثقافي جماهيري يدفع الى القراءة والاطلاع، اما في العالم العربي فالدورة الاعلامية تدخل في عنق زجاجة تدخل السلطة ومراقبتها واجراء عمليات تصفية لكل ما يخالف تسلطها وعليه فإن عملية التثقيف الجماهيري تصبح ضحلة جدا وبالتالي لا يوجد تراكم ثقافي يدفع الى القراءة والاطلاع فيعم التسطح بل والامية الثقافية، وهذا ما نلمسه اليوم في الوسائل الرقمية التي باتت جدران مراحيض رقمية كون المستخدم ينضح كالإناء بما فيه

  4. أما مقولة الدولة التي تشكلت ولم تسهم في بناء مجتمع في البلدان العربية فالتاريخ سجل أن العالم العربي لم ينتج دولة في تاريخه بل أمبراطوريات قائمة على السلطة المعتمدة على العبيد ؛ منذ العباسيين مرورا بالعثماتيين الخ . السلطة المفارقة واﻻجنبية. وزاده بلة النزول الغربي في العصر الحديث، الذي أضاف رأس ثاني للتنين القديم، “الإدارة الكولونيالية” لتكتمل البهجة لهذه المجتمعات السيئة الحظ. فتصبح البلدان العربية فضاء واسعا، محميات وخزانات اليد العآملة للرأسمال الكولونيالي يغترف منها متى شاء ويتخلى عنها انى شاء كذلك. كان بإمكان هذه الشعوب أن تحقق انعتاقا ، نوعا ما، لو كان حضرها قليل من الوعي في لحظة الصراعات بين الشرق والغرب الأوروبيين فتكتلت اقتصاديا وثقافيا وانسانيا، ؟ لكنها فعلت العكس وحكمت على نفسها بالعبودية المؤبدة.

  5. المقال عميق ، ويطرح إشكالا عويصا يتمثل حله في ترشيد الناس كأفراد حتى يتسنى لهم معرفة ما لهم وما عليهم ، فالاختلاف الحاد بين المتواصلين تغلب عليه الفردانية والمصالح الشخصية، مما أنتج تشرذما صارخا بيننا ،في الوقت الذي نعتبر جميعا أن الاتحاد قوة لصالح الأوطان والمواطنين.
    تحياتي لكم.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left