التجهيل يبدأ بالأطفال على فضائيات مصرية… مليون ملاحظة على السينما الأردنية

مالك العثامنة

Sep 20, 2017

يخفق قلبي دوما لكل طفل مبدع، ومثلي مثل أي مشاهد عربي، أفخر حد الانتشاء بأي طفل عربي يبرز في موهبة ما، لكن حين أشاهد على قناة «دي أم سي» مهزلة وإسفافا يستهدف استغفال المشاهد والمحتوى الإعلامي نفسه والأطفال ومصر بعظمتها وتاريخها فإنني أتساءل ما الذي يريد بعض الإعلام المصري الوصول إليه؟ هل الغاية خبيثة بتسفيه الواقع المصري إلى حد الفضيحة على الفضاء؟ أم هو مجرد غباء إعلامي يديره هواة أو موظفون يبحثون عن أي كلام يعبىء الهواء فيقبضون رواتبهم وينتشون لوطنية كاذبة يتوهمونها؟
القناة المذكورة أتحفتنا في برنامج مسائي لها، بطفلة مصرية جميلة وبريئة جدا، برفقة والدتها «تحمل لقب دكتورة!» واسم الطفلة فريدة طارق.
قدمت القناة فريدة على أنها عبقرية زمانها في: الرياضة والغناء والاختراعات والعمليات الحسابية في زمن يقاس بالثواني!! وكذلك متميزة بالدوائر الكهربائية!
طبعا، انتبهت متشوقا لهذا الإبداع الذي أسبغه الخالق في هذا الكائن الجميل، لننتهي في نهاية الفقرة والمقابلة بشعور خزي وخجل و حرج مما شاهدناه.
الطفلة عمرها خمس سنوات ونصف السنة، وكل إبداعها أنها حولت بالونات مملوءة بالماء والاسفنج إلى كرات ضغط مضادة للعصبية (Unstress Balls)، وهي حسب المركز القومي للبحوث لديها نسبة ذكاء عالية، حسب فحوصات أجراها المركز وهي في عمر السنتين! هكذا تقول أمها في مقابلة أخرى بحثت عنها في «اليوتيوب» على قناة «تي إي أن» المصرية.
الطفلة الجميلة، التي من المفترض أنها عبقرية في الحساب، أجرت مع أمها اختبارا لعمليات حسابية بسيطة بحركات مسرحية وكانت أمها تسألها عن الجمع والطرح بلغة إنكليزية ولهجة مصرية تفكك الكلمات بشكل يذكرك بإنكليزية الرئيس الراحل السادات.
تلك العمليات الحسابية نراها يوميا في أوروبا ولا نشك أنها موجودة لدى كثيرين من العمر ذاته في العالم العربي، وهي تحتاج ذكاء متقدما نسبيا، لكنه غير نادر الوجود، ولا يحتاج أن تحتفل مصر بالشخص الخطأ ممثلا للعبقرية المصرية، فالطفلة عبقرية الجمال لا يوجد في مواهبها ما يميزها، ولا نفهم كيف يمكن الادعاء أنها اخترعت كاميرا موبايل من «جرابات « قديمة، أو أن عرضها للوح بلاستيك موصول ببطاريات وضوء هو عبقرية في الدوائر الكهربائية!! هذا لوحده تجده في أي مختبر مدرسي لطلاب الابتدائي.
إن ما نشاهده من مواهب على برامج مثل «أرابز غوت تالنت» من أطفال بالعمر ذاته وأصغر فيه إبداع أكثر من ذلك بكثير، ولو – لا سمح الله – تقدمت فريدة للبرنامج، فإنني أكاد أتخيل خيبة أملها الكبيرة أمام كمية «الإكسات» من لجنة التحكيم في الثواني الأولى، وهو ما يضعها أمام أول صدمة نفسية.
في مصر، مواهب وإبداعات أكبر من ذلك بكثير، وكفى فضائح في «مدرسة اللواء عبدالعاطي للكباب» وعلاج الإيدز.

صحافة التقارير التلفزيونية

للإنصاف، كثيرا ما انتقدنا المحتوى الإعلامي للتلفزيون الأردني، وضحالة الإعداد فيه، إلا أنه صباح الثلاثاء، وبوقفة ريموت مترددة، أمام شاشة التلفزيون الأردني على برنامج «يوم جديد» تشعر بحجم الجهد المبذول في التقارير الميدانية المحلية، التي أعدها البرنامج ومراسلوه، بطريقة سلسة ومترفة نوعا ما.
كان واضحا أن الوقت الممنوح للتقارير ضغط التقارير نفسها، لكن ما تم تقديمه إجمالا كان يعكس جهدا نوعيا جديدا في التلفزيون، للعودة به إلى جذوره المحلية لكن بصحافة جيدة.
صحافة التقارير التلفزيونية هي مثل المجلة الصحافية المحترفة، ما يقدمه الصحافي فيها يجب أن يحترم عقل المشاهد، ويلامس ذائقته ويكشف له عن جماليات صورية لم يعرف عنها فيستزيد.

الفيلم الرئيسي لابن النقيب الأردني

لكن، التلفزيون الأردني نفسه، مع قنوات أردنية ومواقع أخرى، أتحفنا بلقاءات وتقارير عن مهرجان اسمه «مهرجان الأردن للأفلام»، ولأننا مهتمين نوعا ما بالأفلام ومهرجاناتها وأخبارها، فقد لفتنا أن في الأردن مهرجانا للأفلام، كما يلفت الانتباه وجود مشتل أوركيديا عالمي في الربع الخالي.
طبعا، صناعة السينما في الأردن ليست مؤسسية حتى اليوم، وهناك مليون ملاحظة على الهيئة الملكية للأفلام، التي تخفق في عشر خطوات قبل أن تنجح في خطوة واحدة، والسبب اغترابها النخبوي ولهذا حكاية أخرى.
لكن صناعة الأفلام في الأردن لها مقومات نجاح إذا ابتعدنا عن صناعة سحب الأفلام وهي صناعة أردنية ناجحة أساسا.
في المهرجان المذكور، تابعنا مقابلات متلفزة لمديره وهو ممثل درامي مغمور لا يتفوق كثيرا في موهبته على نقيب الفنانين الأردنيين نفسه، لنكتشف مع الأخبار الواردة عن المهرجان أنه يقدم فيلما رئيسيا من إخراج ابنه، هكذا بكل بساطة.
نتفاجأ أن المهرجان الآن في دورته الخامسة، يعني خمس كوارث متلاحقة بموازنة كبيرة لم تفض إلا إلى عبث مستمر باسم الثقافة، فلا المهرجان نجح ولا قام بتشجيع صناعة الأفلام، بل تخصص حسب الأفلام.
الموجع أن يتم الإنفاق بموازنات مالية على هكذا عبث، بينما الحكومة الأردنية عاجزة عن إنقاذ جمعية الأوركسترا الأردنية للموسيقى من الإغلاق بسبب عدم توفر داعم مالي، ومن الموجع أكثر أن تحتفل النخب بحضور حفل للفنان العالمي المبهر أندريه بوتشيلي في جرش، ولا أحد يهمس في أذن بوتشيلي عن المفارقة المبكية في حال الثقافة والموسيقى في الأردن.
ولأن الشيء بالشيء يذكر، فإنني ومن هم مثلي ممن يحفظون في الذاكرة تاريخ الدراما الأردنية المحترمة وشخوصها وأبطالها الحقيقيين (لا مسوخها ممن يقودون إداراتها الرسمية الآن)، نتمنى للفنان العربي الأردني زهير النوباني أطيب تمنيات الشفاء العاجل وقد ألم في قلبه وجع، وفي قلبنا جميعا أوجاع مما نراه ونسمعه ونشاهده يا فناننا الكبير.

إعلامي أردني يقيم في بروكسل

التجهيل يبدأ بالأطفال على فضائيات مصرية… مليون ملاحظة على السينما الأردنية

مالك العثامنة

- -

1 COMMENT

  1. الإعلام العربي لن يبلغ التميز ما لم يتحرر
    ولا حول ولا قوة الا بالله

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left