هل أضاع الإسلاميون الثورة أم ضاعوا فيها؟

بشير عمري

Sep 21, 2017

لم يفوت الرئيس التونسي الأسبق محمد المرزوقي فرصة استضافة الإعلامي المصري أحمد منصور له ضمن حلقات برنامج «شاهد على العصر» في قناة «الجزيرة»، ليفتح النار بشكل عنيف على شريكه في الحكم، بعد انهيار بنيان سلطة بن علي البوليسية وبقاء دولته. معتبرا إياهم سببا في ذلك، وفي نجاح الثورة المضادة لعدم قدرتهم على إجادة عملية تسيير اللحظة الثورية وقيادة أهداف الثورة للتحقق في واقع الناس، وذلك بالإجهاز على فلول النظام القديم وضرب مواقعها الكامنة في مفاصل الدولة، ما جعل الارتداد أو الردة على الثورة تكون على نطاق واسع، بعد أن استغلت تلكم الفلول المساحات الكبرى من الإخفاق النهضوي في مجال التسيير لتعيد البلد إلى المربع الصفري القاتل.
هجوم المرزوقي له أكثر من دلالة بحسبانه يأتي من رجل يتماس كثيرا مع المشروع الوطني، الذي تداعت إليه قوى نصرة الثورة، منها الإسلاميون النهضويون، لكن ما الذي تسبب في ارتكاسة تجربة تسيير الثورة في تونس، وإن لم يكن على شاكلة وحجم ما حدث في مصر؟ هل آثرت حركة النهضة تضييع الحكم، وبالتالي الأمانة الثورية على أن تضيع هي كما حدث للإخوان المسلمين في أرض الكنانة؟
وبالتالي يطرح بقوة المنطق السؤال الكبير، ما الذي احتاجت له النهضة كآليات لاستيعاب اللحظة الثورية، وبالتالي رسم خريطة طريق موضعية تحفظ للوطن سلامته وللثورة استمراريتها؟ ما يمكن ملامسته من نقد المرزوقي لشراكة الإسلاميين النهضويين في الحكم، عقب نجاح الثورة التونسية في إسقاط جدار الخوف الشعبي، من سلطة دولة الاستقلال الفرعونية عربيا وليس فقط محليا، وبقطع النظر عن موضوعية مضمونه من عدمها، يتيح للباحث في العقل الحركي الإسلامي أن يكتشف مكامن القطيعة من هؤلاء، مع حقل المعاني الدلالية للعلم المركب للسياسة والدولة بمفهومها الحديث، لأن الفكر الحركي الإسلامي ذي الخطاب النقدي الشمولي للإنسان بوصفه منحرفا عن أمانة الاستخلاف، لا يمتلك أدوات عملية متجددة لنقد التاريخ، كونه منجزا تراكميا بتراكم التجربة المعرفية للإنسان، فالثورة بحسبانها أداة تغيير مجتمعي على المديات الكلية للمجتمع، تنبع من لحظة الانبثاق إلى المخاض ثم الولادة، لتمضي وفق سيرورة جدلية نحو الاستكمال، ليست من مشمولات الفكر الحركي، ولا حتى مبادئ الفكر السياسي في الإسلام، لذا ظهر الاغتراب الإسلامي جليا في كيفية استيعاب معادلة الاشتغال في النطاق الثوري ذي الأصول المطلبية غير الحركية، وبفاعل متعدد (أيديولوجيا، تنظيميا) يعلو كثيرا عن الخطاب المؤدلج والمختزل للثورة في أيديولوجية بعينها.
أيضا من المسائل التي عرّاها نقد المرزوقي للأداء السياسي والتسييري للنهضة، هي أن الإسلاميين الحركيين لا يزالون يعتقدون أن بنية الحركة وطرائق اشتغالها القائمة على هرمية الهيكل وطاعة التراتبية، هي ذاتها التي تشكل بنية الدولة ووسائل إدارة نشاطها، ذلك لأن الفكر الحركي بشمولية مرجعيته التأسيسية القائمة على مطلب استعادة النطاق الدنيوي للدين (الدولة) التي أضاعها المسلمون صاغ مبادئه السياسية وفق أبجديات الدعوة بكليانيتها بدعوى أن السياسة دعوة والدعوة سياسة، وعليه صار كل حركي سياسي بالضرورة والعكس صحيح، الأمر الذي كذبه الواقع من خلال الشراكة الإسلامية للآخر في تسيير اللحظة الثورية، أين بدا من تدرجوا في مدارج الحركة وارتقوا في صفوفها ومراتبها عقودا عدة أدنى بكثير من أن يسبروا غور السياسة ويفقهوا أبجديات تسيير الدولة الحديثة ذات العلائق المتشاركة والمتشابكة والضاربة بجذورها في أعماق التعقيد، فالدولة العربية التي تلت الاستعمار جعلت من السياسة خاصتها دونما غيرها من شرائح الجماعة الوطنية مع الحرص التام على أن يقف الوعي لدى الفرد والجماعات الوطنية عند حدود «الوطنية» التي ألبست معنى النشاط السياسي بغرض تأكيد الولاء والبيعة الدائمة لسلطة دولة الاستقلال التي لا تزال مستمرة ومستديمة في غالب إن لم يكن كل القطريات العربية.
ولعل أبرز ما اخفق فيه الإسلاميون النهضويون، وغيرهم من إسلاميي سلطة ما بعد الربيع العربي، هو استدعاؤهم للقاموس التاريخي الإسلامي في التعاطي مع خصوصيات وأبجديات اللحظة الثورية، وذلك في ظل عوزهم التام لأدوات الخطاب والممارسة اللحظية الواقعية، وهو، حسب الرئيس التونسي الأسبق المرزوقي، ما صعب كثيرا عملية التوغل السريع في أعماق الدولة العميقة وتفكيك أصولها كتفاعل وتفعيل ثوري، يعمل على تخليص المجتمع من تبعات وبقايا النظام السابق، بما يتيح للقطيعة في الوعي كما في الممارسة من أن تجد لها سبيلا للحدوث في المجتمع.
فاستعارة قاموس الفتح النبوي لمكة وإسقاط مدلولاته معانيه على الحالة الثورية، كان تعبيرا واضحا عن العجز في المخزون الخطابي السياسي للحركة الإسلامية، ناتج عن بالضرورة عن شمولية نابعة من المصدر أي بنية الحركة التي تقوم في إنتاج تراثها وأثرها على الجمع بين الدعوة والسياسة جمعا عضويا ووظيفيا، ما فوت عليها لربما، فرصة تحقيق الاندراج الثوري، وقضى بالمرة بعدم قدرتها على قيادة المجتمع، لتحقيق الأهداف اللحظية لانتفاضة شعب كسر لعقود الطغيان إرادته في العيش الكريم، حيث راح الإسلاميون يصفون بعض خصوم الثورة من الفلول بالطلقاء، والمؤلفة قلوبهم، في محاكاة غير سليمة وغير موضوعية للفتح النبوي لمكة، حيث كانت عناصر القوة مختلة تماما ولا تشكل ولا بأي منطق شبها للحظة الثورية الحالية، حتى لو ضربنا صفحا عن دلالات الاصطلاحية للخطاب النبوي وما إذا كانت تتمتع بشرعية الانبساط.
كل تلك المثالب عملت على تفكيك عُرى العلاقات التركيبية بين الحركة والمجتمع، الحركة والفاعلين في الشهد السياسي والحركة ذاتها في ما بين أعضائها، وليس فقط سنحت لتيار الموج المعاكس للثورة أن يجرف التجربة النادرة في التحول من نمط قطري إلى آخر، بل رهنت مستقبل الرهان مجددا على حركة الشارع للتغيير في عالم عربي تتواطأ القوى المناوئة للتغيير في الداخل والخارج من أجل إبقائه مرتعا للمصالح على حساب واقع ومستقبل الشعوب. لكن السؤال الحري بالطرح، هل أعادت الحركة النظر في قدراتها المفاهيمية التي بدت، كما مر بنا، أهزل من أن تحمل وتشمل واقعا متجددا يفوق في أثقاله منحوتات التراث السياسي الذي تأبى طبيعة التاريخ اجتراره بتلك الإسقاطات غير الموضوعية في التجربة والمصطلح، بحيث تتواضع لهذا الواقع؟ وهل أفضت تجربة المشاركة في القيادة القطرية للدولة في أصعب مراحلها إلى معاودة النظر في صيغ التعاطي مع مسألة الدولة بوصفها أثقل وأجل من بُنى ونشاط الحركة الدعوي؟
هي إذن أسئلة تفرض نفسها في ظل حالة الضعف الكبير الذي أبان عنه الإسلاميون ليس في تونس فقط، بل في جل دول الربيع العربي، في كيفية المساهمة في تحقيق التحول التاريخي الذي أرادته الشعوب وضحت من أجله بخيرة شبابها في الشوارع، وهذا بسبب الخلط الكبير في أولويات الحلول وأبجديات التدبير وضرورة عدم الارتجاع الواسع إلى أقاصي الماضي في الزمن لإضفاء معنى لحالة سياسية استشكالية في الواقع هي وليدة زمن جديد متجدد قاطع مع الماضي معنى ومبنى، والوعي خصوصا بأن السياسة ليس لها برامج ومشاريع جاهزة فقط، بل هي فن تمكين هاته المشاريع والبرامج للتجسيد على أرضية الواقع، سياسة تحتاج لرجال ليسوا بالضرورة تقنيين ولا «يقينيين» بالمفهوم العميق للكلمة، ولا للدعاة متكلمين بل لدُهاة متمكنين عارفين بسبل النفاذ إلى أعمق أعماق الواقع والسيطرة عليه، كما كان الحال مع معاوية مثلا، الذي أكد البروفيسور أبو يعرب المرزوقي أن النهضة استلهمت من دهائه الاستراتيجي خيار دعم السبسي على حساب المرزوقي في الرئاسيات السابقة، وهنا يحق للبعض التساؤل إذا كان نموذج النهضة في الدهاء السياسي الإسلامي الذي ارتجعت له معاوية، فأي مرجع لهذا الأخير في التأسيس لفكره السياسي؟ أكيد ليس فترة النبوة ولا الخلافة الراشدة عبر تجارب مدارسها الأربع، هو الإبداع ولا شك الذي يحتاجه العقل الحركي الإسلامي ليجدد خريطة طريقه صوب الحكم على مدرج السياسة.

٭ كاتب صحافي جزائري

هل أضاع الإسلاميون الثورة أم ضاعوا فيها؟

بشير عمري

- -

4 تعليقات

  1. لقد أخفقت حركات الإسلام السياسي في الحكم إلى حد الآن، وإذا نجحت يوما ما في الوفاء بمتطلبات الحكم، فإن ذلك يعني أنه تخلت عن تركيزها على طابعها الإسلامي، على الأقل بالمعنى المتداول هذه الأيام.
    هدف السياسة والحكم هو تقديم أفضل الخدمات الممكنة إلى المواطن، بالمعنى المقصود في القرن الحادي والعشرين، في حين يبدو أن أولويات الحركات الإسلامية هي أسلمة المجتمع حتى على حساب الحريات الفردية التي أصبحت من مسلمات الحياة اليومية في عصرنا هذا.
    والحركات الإسلامية التي لم تساهم أصلا في اشتعال ثورات الربيع العربي واختطفتها في غفلة من شعوبها أضاعت فرصة ثمينة على نفسها للخروج من أسر الإيديولوجية والدخول في معترك السياسية العصرية، باستثناء حركة النهضة التي يرشحها اعتدالها النسبي، في نظري، إلى اعتناق ديمقراطية حقيقية أرجو أن تنجو من محاولات الإجهاض الداخلية والخارجية.

  2. يقول المثل التونسي البليغ: “المتفرّج فارس″. وهو مثل يصلح لأن يتأمله الرئيس السابق المرزوقي، وكاتب المقال معا؛ عسى أن لا يذهبا في النقد مذهبا حالما..

  3. التجربة السابقة أثبتت ان اى نزوع بالدين إلى السياسة يؤدى حتما للخراب و هذا فى حد ذاته إنجاز كبير من طرف الإسلام السياسي… حركات الإسلام السياس ليس امامها حل آخر إلا إعلان عن فصل الدين عن السياسة و الدولة و الانحياز التام إلى الدولة الوطنية المدنية و العلمانية الحديثة ….اظن ان حركة النهضة فهمت الموضوع لكن أمامها وقت طويل لتثبت ذلك فى الواقع و القوانين ذات العلاقة بالدين…لكن لا ننام على اذنينا و نبقى على أهبة الإستعداد لصد اى انحراف على مسار الدولة المدنية ….لانه لا ثقة فى من له فى ابجدياته الضرورات تبيح المحظورات …..
    اما المرزوقي فهوى يثبت يوم بعد يوم انه ليس رجل دولة و لن يكون كذلك و هذه حقيقة راسخة فى أذهان اغلب التونسيين….تحيا تونس تحيا الجمهورية

  4. الإسلام السياسي ليس بالضروره ما تمثله حركه النهضه أو حتى الإخوان المسلمين..
    الحكم على فشل الإسلام السياسي من خلال حكم الإخوان والنهضه حكم تنقصه المعرفه والدخول في التعميم من ناحيه والغاء حكم الإسلام السياسي على مدار تاريخ دوله الإسلام..
    الإخوان المسلمين لهم أخطاءهم وأهمها المبدأ في الحكم وطريقه الحكم والهدف من الوصول إلى الحكم،،أما حركه النهضه فهي مثال حي لحزب شبه علماني ومتأثر بأفكار زعيمها الغنوشي والذي بدوره يطبق الإسلام على الطريقه الإنجليزيه أي العلمانيه وتصريحاته معروفه بهذا الخصوص و التعليق الأول شهاده لها بهذا الخصوص.
    هناك تيارات اسلاميه لم تجرب من قبل وعندها مشاريع فكريه سياسيه واقتصاديه تستطيع تطبيق الإسلام الصحيح والذي لا ينبذ الأخر ولا يمارس سياسه الإقصاء ومستعده للعمل في المجتمع بما يتسق مع توجه ألامه وتحقيق تطلعاتها وأهدافها بغير تبعيه ذليله تقلد الغرب في كل شيء،،
    التطور الغربي (المبهر للبعض) هذا التطور ليس من أسباب ديمومه الحضارات التي لا تقوم على قيم ومباديء وأخلاق.
    عصر الانحطاط هذا الذي نعيشه فقط لاننا ابتعدنا عن تعليم ديننا واستوردنا أفكار الغرب والتي لا تصلح لديمومه المجتمعات ولا تتناسب مع الثقافه الجمعيه للمجتمعات العربيه والإسلاميه.
    نعم المستقبل للإسلام،،والحل هو الإسلام شاء من شاء وأبي من أبى.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left