الإعلام يتناغم مع السياسة العامة وأصبح ساحة لـ«الرغي» والمصريون بين خياري الانتحار أو الفرار

حسنين كروم

Sep 21, 2017

القاهرة ـ «القدس العربي»: خصصت الصحف المصرية الصادرة أمس الأربعاء 20 سبتمبر/أيلول، خاصة القومية معظم صفحاتها لكلمة الرئيس عبدالفتاح السيسي التي ألقاها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومقابلاته مع رؤساء الدول، خاصة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، للبحث في إيجاد حل للقضية الفلسطينية. وكان السيسي قد توقف عدة دقائق عن قراءة كلمته ليرتجل كلمة أخرى طالب فيها بانتهاز هذه الفرصة للوصول لاتفاق لحل نهائي للقضية الفلسطينية، وحرص على أن يحددها بحدود الرابع من يونيو/حزيران سنة 1967، وأن القدس الشرقية عاصمتها، ثم استأنف القراءة من الكلمة المكتوبة.
وواصلت الصحف الاهتمام بالمصالحة التي نجحت مصر في إتمامها بين حركة حماس في غزة والسلطة في رام الله، وحل الحركة اللجنة الإدارية والتخلي عن السلطة في غزة، وتسليمها للرئيس محمود عباس، وترك الأمر نهائيا في يد مصر وفتح المعابر بشكل دائم، وتقديم دولة الإمارات الدعم المالي المطلوب.
وعموما لا يزال الاهتمام الشعبي يتركز حول الأسعار التي لا تتوقف عن الارتفاع، وكذلك مباريات كرة القدم وبدء العام الدراسي الجديد للثانوي والاعدادي، السبت المقبل. وكانت الجامعات قد بدأت الدراسة فيها السبت الماضي. ومثلما حدث في السنوات السابقة فلم يقم طلاب أي جامعة، خاصة جامعة الأزهر بأي أنشطة سياسية، أو تجمعات أو مظاهرات، رغم أن أماكن التجمعات الطلابية والعمالية هي البيئة الخصبة لأي مظاهرات أو احتجاجات، بما يثبت أنه حتى داخل كل جماعة أو مهنة، لم تعد روح التضامن موجودة، والدليل أن إضرابات العمال السابقة كان يقوم بها عمال كل مصنع بعيدا عن المصانع الأخرى المشابهة وعن اللجنة النقابية واتحاد العمل. وتابع السياسيون والمثقفون توابع كتاب عمرو موسى. واستمرت المناوشات والخلافات التي امتلأت بالسخرية بسبب فتوى الدكتورة سعاد صالح بإجازة معاشرة أناث البهائم، وفتوى زميلها الدكتور صبري عبد الرؤوف بإجازة ممارسة الزوج الجنس مع زوجته فور وفاتها، والغريب أن تنفجر المعارك قبل أيام من العام الهجري الجديد، حيث يعيد التلفزيون الحكومي والفضائيات عرض الأفلام القديمة عن ظهور الإسلام والهجرة، وغزوة بدر والأحاديث والمقابلات عن هذه المناسبة الكريمة، أعادها الله علينا مسلمين ومسيحيين عربا بالخير واليمن والبركات، لتفرض علينا قضية تنقية التراث من الأحاديث المدسوسة، التي تتنافي مع القرآن الكريم وسيرة نبينا صلى الله عليه وسلم خاصة أنها جمعت بعد أكثر من مئتين وخمسين سنة على وفاته، وإلى ما عندنا من أخبار متنوعة..

مشاكل وانتقادات

وإلى المشاكل والانتقادات ومنها مشكلة التحرش الجنسي والاغتصاب، وكيفية مواجهتهما وهو ما قدمته الدكتورة أمنة نصير أستاذة العقيدة والفلسفة في جامعة الأزهر وعضو مجلس النواب في حديث لها في «المصري اليوم» اجراه معها خالد الشامي تناولت فيه موضوعات متفرقة ومما قالته عن التحرش والاغتصاب: «ليست القوانين هي التي تواجه تلك الظاهرة، بل هناك عوامل كثيرة منها التربية في المنزل، التي غابت كثيرًا، لذلك أعاتب الأمهات اللاتى تركن أولادهن في فترة المراهقة في الغرف المغلقة أمام أجهزة الحاسب الآلي، كما أن الإعلام بكل وسائله خصوصًا المرئي تقع عليه مسؤولية كبيرة، فالآن لا نشاهد سوى مسلسلات القبح والشراسة والدم، وآخر مسلسل شاهدته هو «الضوء الشارد» وأعمال السيناريست أسامة أنور عكاشة، كما أن هناك عبئا كبيرا يقع على عاتق المدرسة، فالمعلم انصرف عن أداء رسالته من أجل الدروس الخصوصية، نظرًا لتدني راتبه، لذلك يجب إعادة النظر في مجانية التعليم التي تعتبر «أكذوبة» وأفسدت التعليم وقضت عليه، فإذا ضاعفنا مصروفات المدارس الحكومية وأنفقنا من خلالها على رواتب المعلمين لعادت رسالة المدارس من جديد، التي يجب أن تعود إليها وسائل الترفيه والثقافة والمسرح والتمثيل والأنشطة الطلابية بكافة أنواعها، وللأسف ما تم إقراره في الدستور بالنسبة للتعليم والصحة ذهب أدراج الرياح. بالنسبة للمغتصب فالسجن المؤبد هو العقوبة اللائقة تجاه هذا العمل الإجرامي البشع، الذي يقضي على حياة ومستقبل أي فتاة، فهي لن تكون زوجة طبيعية ولا يغادرها هذا الفكر، فمن قتلها حية لابد أن يحظى بالسجن المؤبد المشدد، ولا يتزوجها، كما يسعى البعض لذلك. وبالنسبة للتحرش اللفظي فإنني أرغب أن يتم إنزال عقاب كنوع من «التجريس» خاصة أن أغلب من يقوم بهذه الفعلة صبية صغار في فترة المراهقة، ويجب أن يتم حلق شعرهم في أقسام الشرطة دون التعرض لإيذاء بدني بالإضافة إلى وضع «وشم» في يديه أو على جبينه حتى تلاحقه تلك الجريمة حتى لو استطاع إزالتها من خلال عملية جراحية».

التفتت الطبقي

أما في «الوفد» فكتب رئيس تحريرها الأسبق عباس الطرابيلي في عموده «هموم مصرية» عن مشكلة المنتجعات الجديدة بعيدا عن المدن، وقال عنها تحت عنوان «الغيتو اليهودي والكومباوند هل هناك فرق؟»: «دائما ما تفكر الأقليات في أن تحمى نفسها في السكن، وأيضا في مناطق العمل، وربما تكون فكرة الغيتو اليهودي، هي خير مثال طلباً للأمن والأمان، أي كان اليهود- في كل مدن العالم- يعمدون إلى السكن بجوار بعضهم بعضا، فالتجمع هنا يعطي قوة ولو نفسية في أقل الأحيان، وكذلك محال النشاط، وإذا كان اليهود المصريون التزموا هذا المبدأ فأقاموا مساكنهم بجوار بعضهم في القاهرة، وربما حارة اليهود هي المثال الأبرز، حيث الأزقة ضيقة والحواري لا تسمح بأي عدوان، ويسهل الدفاع عنها، فإننا نجد الشيء نفسه في الأنشطة التجارية التي كان يزاولها اليهود، سواء عملوا في تجارة الأقمشة والمانيفاتورة فتجمعوا في منطقة الحمزاوي والموسكي والسكة الجديدة، أو عملوا في العطارة أو إصلاح الساعات. وإذا كان الغيتو اليهودي- وهو للفقراء- طلبًا للأمن الجماعي، أي الاحتماء بالجماعة، فإن الثانية أي «الكومباوند» أصبحت هروبًا من متاعب الفقراء، ولكن النتيجة واحدة هي «الانعزال» عن الأكثرية عن العامة، وهذه كما أدت في النهاية إلى انعزال الطائفة اليهودية عن المجموع السكني الشعبي، سوف تؤدي الثانية أي «الكومباوند» إلى عزلة طائفية عن باقي فئات المجتمع، حتى إن كان الكل من شعب واحد، وربما كان ذلك بسبب ما عاناه سكان المناطق الملاصقة للسلطة والسلطان، وما أحداث لاظو أوغلي أو محمد محمود أو مجلس الوزراء وقصر العيني، واضطرار السلطة إلى إغلاق هذه المناطق، ما هذه إلا نموذج لما نقول. ترى ممن يحتمي سكان الكامباوندات الآن؟ وهل ذلك بسبب انشغال الداخلية بالأمن السياسي أكثر من الجنائي؟ على كل حال أخشى من ذلك أن يصاب المجتمع المصري بداء التفتت الطبقي وما أدراكم ما هو هذا التفتت أو التفكك».

عودة إلى الجامعة

«بدأت الجامعة عامها الدراسي بمشهدين محل انتقاد. الأول تحية العلم، التي رأى البعض ومنهم سامح فوزي في «الشروق» أنها ليست من صميم حياة الجامعة، فضلا عن أنها تنقل الأجواء المدرسية إلى التعليم العالي. الثاني مشهد بعض الطالبات يؤدين إحدى الرقصات في أحد أفنية الجامعة. كلا المشهدين حضرهما وزير التعليم العالي، والقيادات الجامعية. لا أرى غضاضة أن يحيي الطلاب في الجامعة العلم، فهو رمز له احترامه، ولكن ليس بالكيفية التي جرت، والتي أثارت حفيظة البعض، فقد ظهر في الصورة بضع قيادات جامعية يصطفون أمام العلم لتحيته، بينما في خلفية المشهد طلاب وطالبات في نقاشات ولهو لا يعنيهم الأمر في شيء. وأيضا لا أعتبر الرقص خطأ أو عارا، وكم عانينا من فرض أجواء من التحريم والتكفير في الحياة الجامعية تحديدا، لكنني أظن أنه ينبغي أن يجري في سياق طبيعي لممارسة الفنون، وأن تقدم العروض بشكل منظم، بحيث يكون هناك طلاب وطالبات مبدعون، ومشاهدون ونقاد وتقييم أداء، ومناخ يسمح بذلك، وليس بالأسلوب الذي حدث، والذي يشبه ــ للأسف ــ حلقة الحاوي، حيث أحاط بعض قيادات الجامعة، والطلاب، عددا من الطالبات في دائرة وهن يمارسن الرقص في داخلها على إيقاع موسيقى صاخبة في أحد شوارع الجامعة. قد يرى البعض في كلا الأمرين شيئا عابرا، لا يستحق التوقف أمامه، لكنه يشكل مناسبة للتفكير في الجامعة المصرية، التي ساهمت في النضال الوطني ضد الاستعمار، وخرّجت علماء ومثقفين، وقيادات تكنوقراط، شغلوا الوظائف العليا في الدولة المصرية على مدار أكثر من نصف قرن.
تحية العلم واجبة، لكن لا تختزل الوطنية في ذلك المظهر. لأن الجامعة إذا أرادت أن تكون مثالا في الوطنية ينبغي أن تسهم في بناء المجتمع، سواء من خلال التكوين الفكري والثقافي للطلاب، وتوفير البحث في إطار من الحريات الأكاديمية، وإتاحة مساحات للمشاركة، وتخريج الكوادر البشرية التي تستطيع أن تملأ المؤسسات، وتكون لديها القدرات التنافسية. هناك شكوى منذ سنوات من تراجع مستوى التعليم الجامعي، وتزايد أعداد الخريجين في ما يشبه الأرقام التكرارية، الذين لا يقدمون إبداعا في المجتمع. الجامعة مؤسسة علم. في الدول المتقدمة لا تحيط بها أسوار دلالة على انفتاحها على المجتمع، الهدوء يلف أرجاءها، طرقاتها عادة بها أعداد محدودة من الطلاب والطالبات، بينما الغالبية إما في قاعات الدرس، أو المكتبة، أو حتى في أماكن للأنشطة الترفيهية. تقدم الجامعة مساحات واسعة لممارسة الفنون بشتى ألوانه. هذه هي الجامعة في خبرة الدول التي أرادت أن تسهم هذه المؤسسة التعليمية في تقدمها، وتعظيم مقدراتها، وتفعيل دورها. أخشى أن تكون المظاهر غالبة، والشكل يأتي على حساب المضمون، والمظهر يسود على الجوهر وفق تعبير آريك فروم، ونختزل أدوار المؤسسات الحقيقية في مظاهر شكلية لا تحقق الغرض منها، وأن يكون تقييم الأداء وفق هذه المظاهر، وليس تجسيدا لإنتاج حقيقي».

ما مفهوم الوطنية؟

«ليس بتحية العلم تحيا مصر ثلاث مرات هذا ما يراه هاني هنداوي في «البديل» إذ يبدو الهجوم وانتقاد قرار «تحية العلم» لا يستحق كل هذا الضجيج.. فكثيرون سيتهمونك بالانسياق وراء التفاهات ونسيان ما هو أهم وأعظم كمحاربة الفساد، وتدهور الاقتصاد والتآمر على مصر.. كثيرون سيلومونك لأنك أضعت الكثير من وقتك ووقتهم في ثانويات كان يمكن تجاهلها والتغافل عنها.. وسينبهونك حتماً بأن المقبل أخطر وأن المخلصين للوطن ندرة إذا ما قورنوا بجسامة وقسوة التحديات. القرار الأخير هو دلالة على مستوى العقول الفارغة التي تُدير الوطن، وهو ليس ببعيد عن القرارات الجهنمية مثل «صبح على مصر بجنيه» و«هاتوا لي الفكة» و«اللي عايز حاجة يحط ايده في جيبه ويدفع». كما أنه ليس خارج سياق سياسات السلطة الحاكمة التي اعتادت طوال الوقت على تدوير فزاعات «المؤامرة الكونية» و«إسقاط الدولة» وإلقاء تهم التخوين والعمالة على كل من لا يُسبح بحمد وعظمة قرارات فخامة الرئيس. لا نحتاج إلى «تحية العلم» في مدارسنا وجامعاتنا لنتعلم منها الوطنية، بل نحتاج إلى تعليم جيد غير موجه لنتعلم كيف نتصرف ونُحسن الاختيار.. نحتاج لتعلم احترام القانون وألا نُسخره أو نتلاعب به يومايً لحساب أغراضنا وأهوائنا.. نحتاج لحرية أوسع حتى نتمكن من ردع المخطئ ومحاسبته بدون مخاوف من التنكيل والاعتقال.. نحتاج إلى سلطة تخدمنا لا أن نكون نحن خداماً لدى أصحاب القرار.. نحتاج إلى وطن يسعنا جميعاً بلا فوارق ولا تمييز ولا اضطهاد.. نحتاج لأن نشعر بآدميتنا التي تُهدر كل يوم تحت وطأة العوز ونعال الكبار. ونخشى يوماً أن ينتهي بنا الحال إلى أن نصبح محاصرين بين خيارين مريرين، فإما الانتحار أو حلم الفرار. يا سادة «وطنية العلم» هي وطنية تصلح فقط للبلهاء، أما وطنيتنا فراسخة في الوجدان منذ ولدنا وستبقى كما هي حتى الممات.. واقتبس هنا قولاً للأديب البريطاني صمويل جونسون يختصر حال هؤلاء الذين يتمسكون بوطنيات فارغة وحمقاء، حيث قال عبارته الشهيرة والموحية: «الوطنية هي الملاذ الأخير لكل نذل».

ثنائية الدعاية والتحريض

وننتقل الى الإعلام ومقال محمود خليل في «الوطن»: «موضوع الطباخ الذي تم تقديمه كخبير أو محلل سياسي – كما وصف نفسه- عبر عدد من النوافذ الإعلامية، أثار لغطاً كبيراً. المشكلة ليست في المحلل السياسي الذي لا يعيبه أن يكون طباخاً أو بائع ساندويتشات، المشكلة في البرامج والجرائد التي استعانت به، لمجرد أنه «يرغي بكلام» – انطلاقاً من أن الإعلام برمته أصبح ساحة للرغي- يتناغم مع توجّهات القائمين على البرامج، والسياسة العامة التي تحكم القناة، ببساطة الضيف المفضل لدى الكثير من البرامج هو الذي يقول الكلام المطلوب، بما يتناسب مع الظرف والمرحلة، فيمدح حين يكون المطلوب المدح، ويقدح حين يكون القدح مرغوباً، ولا يهم أن يكون طباخاً أو خبازاً أو نقاشاً. المهم أن يقول المطلوب. المعدّ هو المسؤول عن الاتصال بالمصادر في البرامج التلفزيونية، وفي بعض الأحوال يوحي إليهم بما يُقال وما لا يُقال، حتى يخرج البرنامج على الصورة المطلوبة، كمنشور دعائي أو كمنشور تحريضي. الخطاب الإعلامي المصري أصبح منذ مدة من الزمن يدور في واحد من الفلكين: فلك الدعاية أو فلك التحريض. الدعاية أمرها مفهوم، فهي تعبّر عن رسائل تحمل دفاعاً وتبريراً للأحداث والسياسات، وتجتهد في تعبئة الجمهور حول فكرة أو شخص أو مؤسسة معيّنة. أما «التحريض» فيعني تحويل وسائل الإعلام إلى أدوات لتشويه الواقع والتركيز على سلبياته – سواء بالحق أو بالباطل- من أجل تأليب الناس، ودفعهم إلى تبني اتجاهات مضادة له. كلا الأمرين، سواء ما يتعلق بالدعاية أو التحريض، يستلزم الاعتماد على مصادر للمعلومات تستطيع أن تُحقّق الهدف، وبالتالي يتم اللجوء إلى أي شخص من المعلوم عنه الاحترافية في «غناء المواويل» في حالة الدعاية، أو شخص مشهور بالقدرة على «الردح والهري والتشويه» في حالة التحريض. ثنائية الدعاية والتحريض أخرجت الإعلام عن محض وظيفته، ودفعت الرأي العام إلى العزوف عنه، لأن لوسائل الإعلام أدواراً محدّدة، تتمثل في تقديم المعلومات الصحيحة حول الأحداث وتحليلها، من خلال شرح مغزاها ودلالاتها، والتعليق عليها بحيادية وموضوعية، بصورة تساعد المتلقي على تكوين وجهة نظر متوازنة حولها. الثنائية المقيتة (الدعاية/ التحريض) حوّلت الإعلام عن مفهوم «الدور والرسالة» وجعلته «سبوبة» يرتزق منها البعض… والنتيجة التي ترتبت على حالة التشوه التي أصابت الإعلام المصري أن تراجع أداؤه بشكل كبير، فلم يعد بمقدورنا منافسة غيرنا على أي مستوى من المستويات، حتى في برامج «المنوعات» تفوق علينا الآخرون.. حتى التهليس لم يعد لدينا قدرة عليه.. قدراتنا أصبحت متمركزة في «الطبيخ»».

زمن الحوار الراقي

ونبقى في «الوطن» ومع خالد منتصر ومقاله الذي جاء بعنوان «مضى زمن الحوار الديني الراقي»: «في الليلة الظلماء يفتقد البدر، وفي محيط فتاوى البورنو ولغة السباب والفحش، يفتقد زمن حوار محمد عبده وفرح أنطون الراقي، ليست مصادفة أنني كلما شاهدت مناظرة لداعية أو سلفي أو إخواني أو بحثت عن حوار لهؤلاء على وسائل التواصل الاجتماعي، أجد لغة متشنجة وسباباً وشخصنة وردحاً وتهديداً وضيق صدر بالحوار أصلاً، أترحم على الزمن الذي مضى عليه أكثر من مئة وأربعة عشر عاماً، حين أصدر المفكر المسيحي فرح أنطون كتاباً عن ابن رشد وفلسفته، ضمّنه مناظراته مع شيخ الأزهر محمد عبده، مناظرات راقية بلغة محترمة ليس فيها كلمة سباب ولا جملة شخصنة، فرح أنطون يدعو للعلمانية الصريحة والشيخ محمد عبده يعترض، أنطون يكتب في مجلة «الجامعة»، وعبده يكتب في «المنار»، لم يتهمه الشيخ محمد عبده بالزندقة، ولم يجرجره في المحاكم بتهمة الازدراء، ولم يصرخ في وجهه لحوم العلماء مسمومة وعظامهم ملغومة وغضاريفهم محمومة.. إلخ، بل على العكس كتب أنه يحترم الكاتب ويقدر المجلة، ومضى قطار وزمن هذا النوع من الحوارات الراقية يا ولدي، وكتب علينا أن نعيش زمن الحوار بالسكاكين، التي تخلع فيها العمامات لارتداء قفازات الملاكمة وخلع الأحذية ونهش الأعراض أمام الشاشات، أدعوكم لقراءة كتاب أنطون، الذي أحتفظ بنسخته الصادرة عن سلسلة المواجهة من مكتبة الأسرة، التي أنادي بإعادة طباعتها ثانية، لتطّلعوا على كيف كان الحوار محترماً، ولضيق المساحة سأقتبس بعض ما كتبه فرح أنطون لتعرفوا وتخمنوا ما هو رد فعل دعاة أيامنا المتشنجة لو كتب أنطون كلماته الآن، يقول أنطون: «الإنسان يجب ألا يدين أخاه الإنسان، لأن الدين علاقة خصوصية بين الخالق والمخلوق. وإذا كان الله سبحانه وتعالى يُشرق شمسه في هذه الأرض على الصالحين وعلى الأشرار معاً، فيجب على الإنسان أن يتشبه به ولا يضيّق على غيره لكون اعتقاده مخالفاً لمعتقده، فليس إذن على الإنسان أن يهتم بدين أخيه الإنسان أياً كان، لأن هذا لا يعنيه. والإنسان من حيث هو إنسان فقط، أي بقطع النظر عن دينه ومذهبه، صاحب حق في كل خيرات الأمة ومصالحها ووظائفها الكبرى والصغرى، حتى رئاسة الأمة نفسها. وهذا الحق لا يكون له من يوم يدين بهذا الدين أو بذاك، بل من يوم يولد، فالإنسانية هي الإخاء العام الذي يجب أن يشمل جميع البشر ويقصر دونه كل إخاءٍ. وبناءً على ذلك إذا كان زيد مسلماً، وخالد مسيحياً، ويوسف إسرائيلياً، وكونوا بوذياً، وسينو وثنياً، وديدرو كافراً معطلاً يجحد كل الأديان لا يعتقد بشيءٍ قطعياً، فهذه مسألة بينهم وبين خالقهم عزَّ وجل لا تعني البشر، ولا يجوز لهؤلاء أن يتداخلوا فيها»، ويتحدث عن التسامح، الذي يسميه التساهل «هل تطيق الأديان أن تصبر على أحد يجحدها، نحن نعلم أن كل الأديان لا تطيق ذلك على وجه الإطلاق. وإذا أطاقته اليوم فما ذلك إلا لأنها أصبحت تقدم الشرع المدني على الشرع الديني، فالمسلمون يسمّون جاحدي الأديان «زنادقة»، وهم يوجبون قتلهم. والمسيحيون يسمّون هؤلاء الجاحدين «كفرة»، وهم يوجبون استئصالهم من بين الناس كما يُستأصل الزوان من الحنطة، ولذلك قتل الأكليروس المسيحي منكرى الأديان في زمن ديوان التفتيش في إسبانيا، وقتل المنصور الزنادقة». يعود فرح أنطون إلى كلام الأستاذ محمد عبده، ويردّ عليه من جديد، فيقول: «ولكن من التناقض الغريب أن الأستاذ حلل هذا القتل والتمثيل في الإسلام، وحرّمه في المسيحية على يد ديوان التفتيش، فهل الفضيلة أو الرذيلة تتغير وتتبدل بتغيّر الزمان والمكان؟ أم تكون فضيلة أو رذيلة في كل زمان ومكان؟ أما العلم فإنه يحرّم الأمرين معاً. فهو يقول لقاتلي الزنادقة في الإسلام وقاتليهم في المسيحية إنكم كلكم مخطئون في قتل من تسمّونهم زنادقة، وإن كان هؤلاء قد أخطأوا خطأ ما بعده خطأ. ذلك أن الحياة التي منحها الله للبشر لا يجوز لإنسان أن يسلبهم إياها بأي حجة كانت وبأي سبب كان. وهنا يحدث أيضاً الانفصال بين العلم والدين، لأن العلم يدافع عن حق الإنسان المجرد كل دفاع، والدين لا يطيق التساهل إلى ذلك الحد خوفاً على نفسه».

غلق المسار السياسي

« في مصر أكثر من مئة حزب لا يستطيع أي مصري أن يتذكر أسماء عشرة منها، ومن بين هؤلاء أحمد بان في «البديل»، إذ دائما ما تكرر دعاية النظام هذه المقولة في معرض التأكيد على ضعف الأحزاب وقوة النظام، عبث الأحزاب وجدية النظام، فشل الأحزاب ونجاح النظام.
لا يتحدث أحد عن هامش الحركة الذي أتيح للأحزاب حتى يمكن محاسبتها بعدالة عن نشاطها أو إنجازها. في أعقاب ثورة يناير/كانون الثاني، وفي ظل حالة اللايقين التي دفعت أركان الدولة العميقة إلى الانحناء، انطلقت موجة من موجات تأسيس الأحزاب، التي تقاسمت ألوان الطيف السياسي في مصر، ما بين ليبرالية وقومية وإسلامية، فشهدنا ميلاد عدد من الأحزاب الحقيقية التي تعبر عن قوى اجتماعية لها حضور حقيقي في مصر. ويبدو أن النظام السياسي فور إستعادته مهارات القمع أدرك أن السماح لهذه الأحزاب بهامش حقيقي قد يدفع إلى الساحة السياسية ببدائل حقيقية، تهدد الصمت في مواجهة فشله وأدائه العبثي في كل الساحات، وتؤسس لتشكل معالم دولة وليس شبه دولة، ومن ثم بدأت تدابير ناعمة برعت فيها الدولة المصرية عبر عقود في إلزام الأحزاب مقراتها، وحرمانها حتى من عقد مؤتمراتها العامة أو أي فعاليات تؤكد ماهيتها أو أهدافها. يحب النظام دائما أن يقدم نفسه للعالم باعتباره جاء ليستأنف مسيرة الدولة الوطنية الحديثة، التي تؤمن بالديمقراطية وتعدد الأحزاب وتداول السلطة والمجتمع المدني والحريات والحقوق بما يتوافق مع الكود الدولي المعروف في تلك المجالات، والنظام في ذلك يشبه ذلك الشخص الذي يشتري الشهادات بدون أن يحصّل أي لون من ألوان العلوم المؤهلة لتلك الشهادات، أو ينخرط في طلب العلوم المؤهلة لها، كما أنه ينزعج لأي شهادة سلبية تسجل تخلفه في تلك المجالات، وهو لا يدفع هذه التهمة بانخراط مخلص في تأمين مسارات سياسية حقيقية تسمح للأحزاب والقوى السياسية بالتعبير عن نفسها، وعن مشروعها السياسي عبر برنامج سياسي وتنمية لكوادر أحزابها وبناء رجال دولة يبقون ذخيرة حقيقية لأي حكومة تحظى بثقة الناخبين، طبعا هذا يبدو كلاما مغرقا في النظرية والخيال. يتصور عقل النظام أن السماح بحياة حزبية سيخلق بدائل ستطيح به فور اكتمالها، ومن ثم فهو يجفف منابع الخطر كما يتصور بخلق حالة من حالات اليأس لدى التيارات السياسية، عبر حصار ممنهج لهامش الحركة لمن يصر منهم أن يبقى ضمن دائرة السياسة، فتكون النتيجة إما دفعهم للخروج من بيت السياسة إلى بيت الطاعة، أو الخروج من البلد كلها لمن استطاع إلى ذلك سبيلا، أما من لعبت به الشياطين وتصور أنه قادر على منازلة النظام بالسلاح فقد حقق مراد النظام في إنهاء وجوده في الحياة بأيسر سبيل ودون دمعة واحدة حتى. قبل أن يحاكم أحدكم الأحزاب على ضعف أدائها وفشلها في تحقيق أي إنجاز، فليحاكم النظام على غلق مسار السياسة ودفع الناس دفعا للصدام أو الانسحاب بأي طريقة. كل غلق للمجال السياسي أكثر من ذلك لن يراكم سوى غضب في الصدور يصب في سردية تيارات العنف، التي تبدو كجمرات مشتعلة تحت رماد يعتقد النظام أن بإمكانه أن يدوسه بأحذيته الثقيلة. لماذا نراكم الغضب والعداوت بينما بالإمكان أن نفتح مسارات السياسة ونبني البدائل؟ لماذا نستثمر في صناعة الغضب بديلا عن مشاركة واسعة تنضج البدائل وتفتح أبواب الأمل لمستقبل يستحقه هذا الشعب؟ هل بالإمكان أن تخدع العالم بحديثك عن الديمقراطية وبناء نظام عالمى جديد، وأنت غير راغب في بناء نظام عادل في بلدك؟ لا أعرف كيف بالإمكان أن تتحدث عن رفض معايير مزدوجة أنت تكرسها بسلوكك! افتحوا فضاء السياسة لمن يصر على احترام قواعد الدستور والقانون، قبل أن تخلو الساحة لمن لا يؤمن سوى بالعنف والسلاح، هذه نصحية لمن يعقل داخل أروقة النظام السياسي المصري».

ثقافة التظاهر

وقف عماد الدين حسين رئيس تحرير «الشروق» مبهورا وهو يشاهد مظاهرة في جنيف لأنصار جماعة نمور التاميل ضد حكومة سريلانكا ويتمنى أن يرى مثلها في مصر: «هل التظاهر سداح مداح في جنيف ويحق لأي شخص أو قوة أن تمارسه؟ نظريا يحق للجميع التظاهر، ولكن في إطار صارم من الالتزام بالقانون، من يريد التظاهر يتوجه إلى السلطات المختصة ويطلب إذنا أو ترخيصا قبل المظاهرة بثلاثة أيام على الأقل، وفي طلب الترخيص يحدد العدد التقريبي للمتظاهرين، والهدف من التظاهر، والوقت المحدد للمظاهرة. وبالطبع فإن أحد الشروط الجوهرية ألا تتسبب المظاهرة في تعطيل المرور أو المواصلات، وطبعا أن تكون سلمية. نزلت إلى الساحة ووقفت في المظاهرة لمدة عشر دقائق حاولت البحث عن عسكري شرطة فلم ألمح الا الشرطي الذي ينظم المرور. أكتب هذا الكلام ليس فقط لأقارن بيننا وبينهم، وحالما باليوم الذي نستطيع أن نصل فيه إلى الحالة السويسرية، بالطبع شرطتنا وجهازنا الأمني يتفنن في منع التظاهر، سواء اعتمادا على القانون المتشدد أو على ثقافة راسخة تكره المظاهرات، حتى لو كانت مؤيدة لوزارة الداخلية! لكن وفي المقابل فإن غالبية المتظاهرين عندنا وفي المنطقة العربية عموما لا تتوافر لديهم ثقافة التظاهر، ونقرأ عن أعمال تخريب للمنشآت، بل في الشوارع وملاعب الكرة، هل هناك أمل أن تتغير شرطتنا ومتظاهرونا لنصل أو حتى نقترب من الحالة السويسرية؟ السؤال متروك لحضراتكم».

عبد الناصر وعمرو موسى

تعرض عمرو موسي أمس إلى هجوم عنيف من علاء عبد الوهاب في «الأخبار» في فقرة من فقرات يومياته في الصفحة الأخيرة تحت عنوان «بأي يمين يا موسى؟» قال فيه: «موسى – بالطبع- حر في ما يخصه، لكن ما يتعلق بالآخرين، فإما أن يكون موضوعياً أو فليصمت. وهو – أيضاً- حر في رواية واقعة له فيها شركاء من الزاوية أو المنظور الذي يروقه، أما حين يتعلق بمن رحلوا وأصبحوا في ذمة خالقهم، فإن لم يكن ثمة سند أو دليل أو حتى منطق يتسق ويستقيم مع ما يذكره – باعتباره الحقيقة- فإن السكوت أجدي وأكرم. أحبب من تشاء واكره من تريد يا موسى، إفعل هذا وذاك حتى الثمالة، لكن لماذا تخسر حتى من توهموا ذات يوم أنك يمكن أن تملأ مقعد الرئيس؟ ثم لماذا تُقحم المقدس بالدنيوي؟ أشار محرر المذكرات إلى أن موسى استمد عنوانه من الآية الكريمة «فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ» (الحاقة 19) فالآية الكريمة تأتي في سياق عرض السورة لأحوال القيامة فبشرت أصحاب اليمين وأنذرت أصحاب الشمال، وعندما يزكي إنسان نفسه ويضعها ضمن من أُعطي كتابه بيمينه بعد أن أعد نفسه لهذا اللقاء، فالأجدر به أن يسعى ليكون بالفعل- في هذه المنزلة حتى لا يندم كمن أعطي كتابه بشماله، ويكتشف حين لا تنفع الحسرة أنه ما نفعه شيء مما ملكه في الدنيا بعد أن «هلك عني سلطانيه» (الحاقة 29). من حق عمرو موسى أن يختلف جذريا مع عبدالناصر وجزئيا مع السادات ويضع مبارك حيث يريد، لكن لماذا طاوعه ضميره كإنسان- وليس كدبلوماسي- الاستمرار في نظامين لا يروقه رأساهما؟ لماذا لم يلتحق بأخيه غير الشقيق ويعمل معه في «البيزنس» حيث هو؟ وبمناسبة أخيه؛ لماذا أخفي الكثير من الحقائق عن هذا الأخ ولا ذنب له أن أمه كانت «داية»، ولا يضير عمرو أن أخاه لم يكن فوق مستوى الشبهات تحليا بالصدق والموضوعية وحتى لا يدخل بسببه النار؟».

الإعلام يتناغم مع السياسة العامة وأصبح ساحة لـ«الرغي» والمصريون بين خياري الانتحار أو الفرار

حسنين كروم

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left