ماذا يحصل في الإعلام السعودي: نهاية كبت الإعلاميين أم بداية صراع الأمراء؟

أنور القاسم

Sep 21, 2017

يعتبر السعوديون من أكثر الشعوب العربية انفتاحا على وسائل الإعلام ووسائط التواصل الإجتماعي، إلا أن تأثيرهم الإعلامي داخليا كان دائما أقل بكثير من أن يترك أثرا في الحياة السياسية والاجتماعية، بسبب قيود محكمة متراكمة، تفوق أحيانا مجموع القيود في باقي الحواضر العربية.
لكن «مملكة الصمت» لم تعد صامتة، فقد ساهمت وسائط التواصل في خلق جيل جديد بدأ يخرج من كبت مزمن في التعبير، فما عاد شراء الصحف والمجلات والفضائيات داخليا وخارجيا يجدي نفعا، فقد فعل بعض السعوديين، سواء كانوا ناشطين أو أمراء وأميرات عبر وسائط التواصل ما تعجز عنه ترسانة من الفضائيات التي تسيدت ردحا من الزمن. ومنذ بداية هذا العام بدأت سجالات إعلامية تشعل صفحات السعوديين وتمتد الى المواقع والساحات العربية، وليس آخرها دخول أمير سعودي بملاسنة مع مواطنه الصحافي جمال خاشقجي، المقيم حاليا في واشنطن.
خاشقجي، وفي تغريدة على حسابه عبر «تويتر»، قال إن «الولاء للقيادة والوطن يكون بكلمة حق ونصيحة صدق، وهو ما فعلته وسأفعله». بعد حديثه لصحيفة «واشنطن بوست» حول رؤيته لمستقبل بلاده. تغريدته لم ترق للإعلام الرسمي السعودي، الذي فتح عليه النار بشكل منظم منذ أكثر من أسبوع لتصل للأمير السعودي خالد بن عبد الله آل سعود، الذي ردّ على خاشقجي أمس بتغريدة قال فيها: «وفّر نصائحك لنفسك؛ فقيادتنا الرشيدة في غنى عن نصائح أمثالك».
و اعتبر خاشقجي أن تغريدة الأمير لا تليق، قائلا له: «تواضع قليلا سمو الأمير، القيادة التي لا تسمع لشعبها تفقد الكثير وليس من شيمها أن تميز فتقول (في غنى عن أمثالك)». وأضاف: «كلنا نشترك في الوطن». وبحسب خاشقجي، فإن «السعودية لم تكن دائما كما هي الآن»، موضحا أن السعوديين يستحقون أفضل من واقعهم.
فيما ختم الأمير خالد الملاسنة، قائلا لخاشقجي: للنصيحة آداب وطُرق يجب على الناصح أن يتقيد بها».
في هذه الأثناء تشهد المملكة حملة غير مسبوقة على نشطاء التواصل الاجتماعي ورواده، الذين باتوا يكسرون المحظورات، وانشغلت مواقع التوصل السعودية مؤخرا بقصة فتاة تدعى «خلود» بعدما نشرت صورا ومقطعا مصورا لها على وسائل التواصل وهي ترتدي تنورة قصيرة في أحد شوارع الرياض لتشغل البلاد والعباد، فتحتجز لدى الشرطة، ثم تخرج من الحجز، وتفتح بابا جديدا الى الحرية.

حرب شرسة بسبب أشهر ناشطة سعودية

ارتفاع مستخدمي تويتر في السعودية بنسبة ستمئة في المئة مؤخرا يعني أن التغريد عبر «تويتر» أصبح أكثر شعبية من وسائل الاعلام كلها، خاصة لدى المستخدمين من الجيل الجديد المعروفين ببراعتهم في استخدام التكنولوجيا وتعطشهم لموضوع المدونات، مما جعلهم محل مراقبة وملاحقة من كافة الجهات الحكومية.
فقد كتبت مريم العتيبي، التي تعد أشهر ناشطة سعودية على «تويتر» تغريدة على حسابها تؤكد خروجها من السجن وعودتها للتدوين على مواقع التواصل، قائلةً: «تستطيع أن تنجز ما قد هيأت عقلك له، وما وثقت بأنك قادر على فعله، فقط لا تجعل الآخرين يظنون أنك تعتقد أنك لا تستطيع». وأطلقت الناشطات السعوديات في مجال الدفاع عن حقوق المرأة، وسماً على موقع «تويتر» في ما يشبه الاحتفال بإطلاق سراح الناشطة العتيبي، التي أصبحت صورها رمزاً للسعوديات المطالبات بمنحهن مزيداً من الحقوق.
ووصل الأمر أن تنشط بعض الأميرات على مواقعهن في وسائط التواصل، سواء في الطرح أو الدفاع، مثل موقع الأميرة نوف بنت متعب، التي تجد تفاعلا معها يصل الى أرقام بمئات الآلاف.

هجوم ناصر القصبي على الدعاة

أثار هجوم الممثل السعودي ناصر القصبي، المحسوب على التيار الليبرالي في السعودية على مواطنه، الداعية المعروف ناصر العمر، جدلا واسعا في موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، كما تثير هجماته على التيار المتشدد وبعض الدعاة مؤخرا ردودا كبيرة. فالقصبي، وبعد أسابيع من هجوم شنه على الداعية المصري عمرو خالد، ووصفه حينها بـ”المعتوه”، تهجم على الشيخ ناصر العمر، الذي راجت أنباء قبل أيام عن توقيفه لساعات، والتحقيق معه من قبل السلطات السعودية. هجوم القصبي على العمر، كان بسبب فيديو تحدث فيه الأخير عن قصة طفلة كانت تخرج والدتها، وتتركها مع الخادمة وحدها، وعندما رآها رجل أراد أن يفعل الفاحشة معها، برغم صغر سنها، إلا أنه ورغم إغرائه الخادمة بالمال من أجل أن تفسح له الطريق للدخول، كان يستعصي عليه الوصول إلى الطفلة، رغم تكراره المحاولات. وقال العمر إن الرجل حصل على رقم والدة الطفلة، واعترف لها بخطته التي لم ينفذها، مستفسرا منها عن السبب، وقالت له إن محافظتها على الأذكار اليومية هي السبب في ذلك. بدوره، علق ناصر القصبي على الفيديو قائلا: «صدعوا رؤوسنا طوال 30 سنة بهالقصص المفبركة البلهاء الساذجة الركيكة».
وأضاف أن هذه القصص «تفيض بفكر جنسي شاذ ومريض. إهانة لعقولنا تصديق مثل هذا الهراء». وتباينت ردود فعل المغردين على هجوم القصبي على العمر، إذ قال بعضهم إن الممثل السعودي دأب على تصيد أخطاء الدعاة، وشيطنتهم. فيما أيد مغردون هجوم القصبي على العمر، قائلين إنه وخلال السنوات الماضية، راجت ظاهرة القصص المثيرة التي يرويها دعاة. وقال مغردون إن غالبية تلك القصص كانت تعتمد على الإثارة والعاطفة، بعيدا عن المنطق، وتقود المجتمع الى التجهيل والكبت والتخويف والخضوع.

اعتقال الدعاة: التكميم ومنع الصمت

في هذه الأثناء تتواصل عمليات اعتقال الدعاة الناشطين على وسائط التواصل لتزيد عن عشرين، وأبرزهم سلمان العودة وعوض القرني وعلي العمري. ويرجع اعتقال الشيخ العودة، مثلا إلى تغريدة دعا الله فيها أن «يؤلف القلوب»، بعد نبأ الاتصال الهاتفي بين أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. واحتل وسم «اعتقال الشيخ سلمان العودة» لساعات المرتبة الثانية عالمياً في موقع «تويتر»، والأولى في السعودية.
وقال الناشط الحقوقي السعودي المقيم في لندن يحيى عسيري إن السلطات السعودية لا تصدر في العادة بيانات رسمية بشأن مثل هذه الاعتقالات. وكان قد قال في مقابلة سابقة مع «الجزيرة» إن سلطات الرياض أصبحت لا تطلب من الناس فقط أن يصمتوا وألا يقولوا ما هم مقتنعون به، بل أصبحت تطالبهم بأن يقولوا ما ينسجم مع رغبات السلطات. وقد أثارت اعتقالات الدعاة السعوديين ضجة في مواقع التواصل الاجتماعي، وكانت أغلبها منددة بهذه الاعتقالات.
وكان التعليق الأكثر تداولاً وانتشاراً يُشير إلى انتقال السعوديّة من منع حريّة التعبير إلى منع حريّة الصمت. وقال أحد المغردين «لم نعد نتمنى حرية الرأي، أصبحنا نتمنى حرية الصمت». وغرد المعارض السعودي سعد الفقيه قائلا «اعتقال الشيخين العودة والقرني ليس إلا مقدمة لحملة على علماء الصحوة»، وكتب المغرد العماني زكريا المحرمي «نصيحة محب: لا تخرسوا أصوات الاعتدال والحكمة».
في المقابل، انبرى البعض في تويتر لتبرير اعتقالات الشيخ العودة وبقية الدعاة والمفكرين، ومن هذه التبريرات تغريدة لناشط سعودي قال إن العودة وعوض القرني «حرضا على الثورات وإسقاط الحكام وتسببا في تفقير وتهجير الشعوب وبالتالي يستحقان أشد العقاب».

عبدالعزيز بن فهد

من الظواهر اللافته كذلك النشاط الكبير للأمير عبدالعزيز بن فهد، الذي انخرط في الهجوم القاسي وغير المسبوق إعلاميا على ولي عهد أبو ظبي وشخصيات إماراتية كبيرة، وهذا ما لم يكن يحصل حتى في الدوائر المغلقة جدا، ويسجل كذلك للأمير الوليد بن طلال نشاطه الإعلامي الجديد الذي تحول الى السياسة، والذي يبدو أنه حل مكان والده في هذا المجال، لكنه عجز عن اطلاق فضائيته «العرب» حتى في مهجرها.
والسؤال المفتوح الآن، هل تشهد المملكة ثورة إعلامية داخلية، أم أن الأمر مجرد منتديات ومتنفس لتمهيد الطريق أمام العهد السعودي الجديد؟

كاتب من أسرة «القدس العربي»

ماذا يحصل في الإعلام السعودي: نهاية كبت الإعلاميين أم بداية صراع الأمراء؟

أنور القاسم

- -

6 تعليقات

  1. ” وكان التعليق الأكثر تداولاً وانتشاراً يُشير إلى انتقال السعوديّة من منع حريّة التعبير إلى منع حريّة الصمت. وقال أحد المغردين «لم نعد نتمنى حرية الرأي، أصبحنا نتمنى حرية الصمت».” إهـ
    سبحان الله
    أصبح الصمت ممنوعاً بعدما كان من الذهب في الأمثال !
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. من محبتنا وتقديرنا للشعب السعودي ( وأنا مضطر ان اكتب سعودي رغم اني افضل الجزيري نسبة للجزيرة العربية وليس نسبة لعائلة) نتمنى له التحرر والتقدم والتخلص من سطوة رجال السياسة والدين، وهذا البلد الذي يضم اقدس مقدساتنا لا نتمنى له سوى الخير ونسأل الله ان يهدي القائمين عليه ويتنبهوا ان سياسة القهر والظلم والصبينة لاتودي الا للخراب ومثال سورية ماثل امام الجميع فبعد نصف قرن من القمع والظلم والتعسف وتسليم الحكم لوريث أرعن اودى ببلادي الى التهلكة، واعتقد ان كاتبنا الكبير عبد الرحمن منيف رحمه الله، وصحافينا القدير جمال الخاشقجي، والأمير عبد العزيز بن فهد وكل المعارضات والمعارضين لما يجري في المملكة هم على حق، وعلى المملكة ان تعيد التفكير في حساباتها

  3. هذه ليست ثورة إعلامية بل تنفيس عن الكبت السياسي والديني والاقتصادي اللذي يعاني منه كل الشعب السعودي الثورة الإعلامية ستكون حقيقية عندما نرى وسيلة إعلام يقودها سعودي تقوم بفضح كل الممارسات المشينة لآل سعود منذ توليه الحكم إلى يومنا هذا

  4. ان هذا ما يريده ولي العهد الجديد فهو يريد ان ينهي اولا سلطة رجال الدين الذين يعتقدون ان وجودهم هوسبب امن المملكة وجعل الناس لا يخرجون عن طاعة ولي امرهم وكذلك المتشددين منهم الذين يريدون بلد ليس فيه اي دور للمراة لقد امنت العائلة السعودية البلد وعددهم الكبير قياسا بعدد افراد العوائل الحاكمة الاخرى في الممالك والامارات الاخرى وكذلك ولاء القبائل الاخرى ومبايعتهم لهم من خلال نظام التزويج بنساءهم او العكس فكل امير او ملك له عدد من الزوجات من بنات شيوخ القبائل

  5. تسعى امريكا والغرب وايران باستخدام الامارات

    الى بعثرة الاوراق في السعودية ضنا منها انها تضعف الحكومة وتدفع بها الى نهج العلمانية الا ان النتائج ستكون اوسع من الاحتوى فان دعم الثورات المضادة سينتهى اذا اشغلت الحكومة السعودية بنفسها وسيكون الشباب اقدر على الالتحاق بالجهاديين ولن يرى العالم نهاية لمأساته بعدها ولن يحصى مكاسب المسلمين الا الله وانها سنة الاستبدال وانتشار الدين وقوة الامة ولن تجد لسنة الله تحويلا

  6. ستكون السعودية اللقمة القادمة لحكام الامارات اذا قدرت على قطر .

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left