في مديح القراء الرائعين

إبراهيم نصر الله

Sep 21, 2017

يفرح القارئ حين يعثر على كاتب يفاجئه، ويفرح الكاتب حين يعثر على قارئ يفاجئه أيضًا.
ولكل كاتب، في ظنّي، تجارب كثيرة مع هذا النوع من القراء، الذين يبزغون فجأة ويبثّون في نصه حياة أخرى لم يكن قد تنبّه لوجودها، بحساسيتهم وثقافتهم، وعمق بصيرتهم؛ وهؤلاء، ليسوا أقلّ إبداعا من أفضل نقاد أدبه؛ وإن كان ثمة شيء في القارئ المختلف، قد لا نجده في الناقد المختلف! ففي قراءة الأول للنص، يتجاوز العملُ حدوده المرسومة في الصفحات، إلى حضوره الحيّ، فإذا بالكتاب يسير على الأرض، ويكبر، يتنفّس، ويغدو جزءًا أصيلا من أرواح قارئاته وقرائه وأحلامهم، وأفكارهم وحواراتهم وعلاقتهم بالعالم.
في هذه قد يتفوق القارئ على كثير من النقاد، أو لنقل على كثير من النقد.
لا أبالغ هنا، إذا قلت إن هنالك قراء أثّروا في حياتي، وفي كتابتي، وباتوا جزءًا من حيوية النص لدي، وجزءا من حيويتي الإنسانية، وفكرتي عن الكتابة، وفكرة الكتابة عن نفسها، وموقعها في هذا العالم.
بعض هؤلاء، القارئات، والقراء، تحوّلوا إلى أصدقاء حقيقيين لي، وبتُّ أعتمد على تصوّرهم ورأيهم في كل كتابة جديدة لي، لأنهم باتوا يقرؤون كتبي قبل صدورها، إلى جانب أولئك الأصدقاء التاريخيين الذين أعتمد على تلقيهم لكل جديد أنجزه، وأنتظر رأيهم فيه بلهفة، وأسمعه باحترام، فينير لي في كثير من الأحيان جوانب مهمة، قبل أن يمضي الكتاب إلى المطبعة، ليعتمد على نفسه، في شق طريق حياته المستقلة عن كاتبه.
ولا يبالغ المرء كثيرا، إذا قال، إن بعض القارئات والقراء يحمِّلونك من المسؤولية، أكثر مما يحمِّلك النقاد – والنقد ذكوري عادة، متجهّم!- لأن النقاد يتحدثون انطلاقا من العلميّة الرّصينة، التي تحرص في أغلب الأحيان على ألا تُظهر عواطفها، عكس القراء الذين يقدّمون عاطفتهم أولا في لقائهم مع الكاتب، ثم ينتقلون إلى الجانب العقلي الذي جعلهم يتعلقون بهذا الكتاب أو ذاك، أو بما يكتبه عموما.
ولذا، لا أخفي أنني أخاف على قارئاتي وقرائي، وأخشى أن يصيبهم أي مكروه؛ بعضهم أخاف عليه من الموت، بسبب التقدم في العمر، وبعضهم أخاف عليه من طاقة الشباب التي فيه، وأتابع أخبار المواجهات مع القوات الصهيونية، والمواجهات مع الأنظمة العربية، ويدي على قلبي، وأحيانا أخاف عليه بسبب شيء كتبه على صفحته. وهناك قارئات وقراء أخاف عليهم وأنا أتابع أخبارهم في السجون، وحين يبدأ إضراب عن الطعام، أتحوّل مثل أمهاتهم وآبائهم، الذين لا تفارقهم وجوه أبنائهم، ولأن بعضهم لم ألتقه من قبل، إلا عبر الرسائل والمكالمات الهاتفية المختلسة من وراء القضبان، أرسم صورَهم، وأنتظر زيارات إخوانهم أو أحد أفراد أسرهم لي، لأن الأسرى يوصونهم على إحضار هذا الكتاب أو ذاك، ودائما أطلب أن أرى صورهم.
.. وهناك قارئات وقراء، لا تتاح لك فرصة لقائهم، لأنهم في أماكن بعيدة، أو ظروف حياة صعبة. وهناك قارئات وقراء ممن تحوّلوا إلى أصدقاء حقيقيين، فاجأك الموت واختطفهم، هكذا، بمقدمات أو من دون مقدمات. هنا أحس بأن كل نص جديد لي، يتيمٌ من دونهم, وأنه قد دخل متاهة من نوع ما، فهم لن يكونوا مشاركين في تلقّيه، لا قبل صدوره، ولا بعد صدوره. هنا يفقد الكِتاب حياة غالية من حيواته التي كان يمكن أن يعيشها في رحابة أرواحهم، ومدى بصيرتهم وروعة شفافيتهم، ويفقد الكاتب أحبة استثنائيين وبوصلة سامية.
أعرف أن كثيرا من القارئات والقراء، يتطلعون للحظة تجمعهم مع كاتب ما، أحبوه كثيرا، ولكن الكاتب نفسه، يتطلع في حالات كثيرات للقاء قارئة أو قارئ.
في الأمسيات، غالبا ما أحس بأنني أقرأ أو أتحدث لشخص واحد، وقد كتبتُ عن ذلك بتوسع قبل خمسة عشر عاما. يحدث أحيانا أن لا تجد ذلك الشخص المنشود، ولذا تكون تلك أسوأ الأمسيات، بالنسبة لي، مهما كانت موفقة، لأنني أحس بأن الكلمات ظلت طافية في الهواء، لا محلقة في قلب المستمع، وعينيه.
هذه المعادلة بالتأكيد، هي خارج النمط الأفقي للعلاقة بين الكاتب وقارئاته وقرائه، العلاقة التي يُستهلك فيها الكِتاب، مثل أي وجبة مُشهيّة، أو غير مُشهيّة، تنتهي، فتنتهي العلاقة، فيبدأ البحث عن علاقة جديدة بكتاب جديد ليُستهلك!
هذه معادلة الشغف، والقراءة بالروح، لا بالعينين، وبالبصيرة لا بالبصر، وهي علاقة يتمنّاها المرء لا في مجال القراءة وحسب، بل في كل مجال آخر، حبا كان، صداقة، أسرة، هدفا، أو وظيفة.
رحلت قارئات وقراء، تركوا فراغا كبيرا في الروح والكتابة، وأنتظرُ لقاء كثيرين آخرين في الحرية، خارج القضبان، ولقاء آخرين لم أعثر عليهم بعد، ولذا لن تكتمل الكتابة، إلا بهم.
وبعد:
دائما أتساءل من كتب القصيدة
الشاعر؟
أم القارئ الذي أحبَّها إلى هذا الحدّ؟!
وبعد أيضًا:
هل يَكتُبُ من لا يُقرَأ؟!

في مديح القراء الرائعين

إبراهيم نصر الله

- -

6 تعليقات

  1. وماذا عن المعلقين على مقالاتك بالقدس العربي يا أستاذ إبراهيم – ألا تخصهم بشيئ من الردود ؟
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. من لا قراء له ليس له سوى الجدران، والقراء كمشاهدي التلفزيون وبيدهم جهاز التحكم عن بعد، ينتقلون الى قناة اخرى بضغط زر ، لقد بنت قدسنا الغراء علاقة متينة بين كتابها وقرائها، لأنها فتحت صفحاتها لأفضل الكتاب من امثال واسيني الاعرج، والياس خوري، وصبحي حديدي، وغادة السمان، وابراهيم نصرالله، وعلي فخرو، وجلبيرت الاشقر، وسعيد يقطين، وسهيل كيوان، وهذا غيض من فيض اذ لايمكنني ان اعدد كل كتاب قدسنا الغراء، وما يفرق صحيفتنا عن غيرها من الصحف العربية ان الصحف العربية الأخرى تقرأ بدقيفة، كشارب لبن مسحوب الدسم،
    وكتابات استاذ ابراهيم يميزها اسلوبه الخاص المتفرد به، فهو اسلوب مكثف لا حشو فيه، تتركز فيه الفكرة كسكر العنب في الزبيب بعد ان يفقد ماءه. وأنا شخصيا استمتع بكتاباته القدسية، وكل ما نشر من روايات، وفي كل مرة ازور معرض كتاب ابحث عن جديده، ولا أخفي أن ما يجذبني أيضا إليه هو فلسطينيته كما كان يجذبني غسان كنفاني ومحمود درويش وسميح القاسم وإميل حبيبي فهم يعبرون عن دفين شعوري وشعور الملايين تجاه القضية الفلسطينية.

  3. مقال رائع وجميل من استاذ لطيف وصادق تجاه القراء والمتابعين وقضايا مختلفه , واليوم تركز على البصيرة _ وبصيرة الحب لها مستقبل للمحبه اولا بين الازواج ..
    وبالنسبه للكروي الكبير بمقامه وسنه لغضبه, فهو اصلا من القراء قبل ان يزيد لنفسه ويعلق ويعبر ويغضب ..
    هنالك موضوع يحتاج من المثقفين التوضيح للقراء, المهتمين بالمعرفه الحره,,( لما يذهب للامم المتحده اشخاص فقدوا وظائفهم السابقه واختلفت اعمالهم او وزراء او مستشاريين ممحددين من قبل دولهم وترضى الامم المتحده لاعتبارهم افضل المتوفر ؟؟
    الا يمكن ان يكتفي وزير الخارجيه مثلا وغيرهم بالمناصب التي حصلوا عليها بالسابق ولم يستطيعوا اظهار انجازات متقدمه لدولهم, فقط الحفاظ على الموجود وعمل دعايه لاعمالهم ونشاطهم داخليا وخارجيا! هل يمكن فعلا ان يقدموا المشوره الحقيقيه لمجلس الامم المتحده لاعمال تخص امن العالم ؟ ام انهم مجرد حمام زاجل ينقلون رسائل من المسوؤل القديم والذي لم يستطع كثيرا حل القضيه الفلسطينيه بالسابق كمثال بسيط ؟؟
    ايمكن ان يكون المجلس اكثر واقعيه ويطلب شخصيات مرشحه من احزاب ومدرسين اساذه معمرين ومثقفين بارزين _ لجعل الامور اقرب لايجاد الاسباب الحقيقيه للارهاب , والاسباب الذي يمنع المجتمعات الفقيره الالتزام بمعايير صغيره بحقوق الانسان واحترام الجيران ..
    اريد المعرفه من مثقف , وليس شرطا ان يكون سؤالي مهم فاحيانا اسأل امور لا واقعيه وبعضها خيالي او احلامي ولا يمكن تطبيقه ,, ولاكنني احتاج لمعرفه تلك المسألة بالمستقبل ان شاء الله لي ان استزيد بجميع العلوم والثقافات والمعارف والقوانيين الدوليه التي تخص البشر .
    وشكرا لصباحنا

    • حياك الله أخت دينا وحيا الله الجميع
      نعم يا أختي فأنا قارئ منذ سنوات عديدة للقدس العربي وتعلمت التعليق من أستاذي سامح
      أنا قارئ أكثر من معلق ! والدليل أني لا أُعلق على الكثير من المقالات المميزة والرشيدة
      نعم أغضب لفلسطين وللأمة ولثوابتنا الإسلامية – ألا تغضبين كذلك يا أختي العزيزة ؟
      ولا حول ولا قوة الا بالله

  4. مقال رائع من كاتب رائع يتفاعل مع قراءه .
    إنها المعادلة الكيميائية بين النص الكاتب والقرى.
    ما النص إلا ناتج من هم القارئ الذي يمر عليه الكاتب ببصره وبصيرته ويصهره بقلبه فيسيل مدادا بين ثنايا صفحات الكتاب فيمهل منه القارئ فزاد نشوته ويطلب المزيد المزيد.
    ويعود الكاتب لتبل الكلام من ملح دموعه وماء قلبه .فطوبى للكاتب الذي مداده دمع وعرق شعبه.
    تحياتي وتقديري لك يا ملحنا الكاتب آبراهين نصرلله

  5. كم أوافقك الرأي الكاتب الرائع إبراهيم نصرالله..يفرح القارئ والكاتب في لقائهما المفاجئ.
    لأن الكتابة هي بوح ومناجاة، رحلة سرمدية في خفايا النفس وكشط التئام جفاف جروحاتنا.
    تنمو وتنتشي الكتابة في لقائها مع ذات قارئة، متأملة، متفاعلة..تحلل وتبني جسور معارفها وقناعاتها وفهمها للحياة من جديد.
    ثنائية الانصهار والتشكل، بل الموت والانبعاث، هي طرفا المعادلة، لا جواب بغيرهما ولا حلول..
    لا يكتب من لا يقرأ ولا يقرأ من لا يكتب، وهل يزفر من لا يشهق؟؟
    تحياتي وتقديري

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left