البحث عن الذات في مستقبل الخليج العربي

سامح المحاريق

Sep 22, 2017

حلقت الطائرات العمودية على مسافة منخفضة، واندفعت السيارات المدرعة في الشوارع، كان منظراً مستغرباً في بلد هادئ مثل الإمارات، ومدينة صغيرة مثل العين، خاصة أن هذه المظاهر العسكرية لم تعلن عن نفسها بهذه الطريقة حتى أثناء التهديدات التي ترافقت مع الغزو العراقي للكويت وحرب الخليج الثانية.
لم تستغرق هذه الحالة سوى ساعات حتى استقرت الأوضاع، وبات واضحاً أن المنطقة الصناعية، التي تشهد تركزاً للعمالة الباكستانية والأفغانية لن ترتكب أعمالاً انتقامية واسعة النطاق ضد الهنود، على خلفية هدم مسجد بابري على يد المتطرفين الهندوس في ديسمبر 1992، وبقيت المشاهد العابرة ضئيلة بصورة لا تحتل سوى حيز صغير في الذاكرة، ففي النهاية كانت لقمة العيش تفوق بالنسبة للباكستانيين الغيرة الدينية، التي أقلقت المسؤولين الإماراتيين، وهذه نقطة لم يستطع أن يتفهمها الخليج مع باكستان وغيرها.
باكستان ليست مجرد بلد بالنسبة لدول الخليج العربي، فالسند التي هي في مقابل الوعي الخليجي، المقابل الموضوعي للهند، اعتبرت طويلاً احتياطياً استراتيجياً بالنسبة للخليجيين، الذين استقبلوا جاليات باكستانية كبيرة خلال العقود الماضية، وقدموا للباكستانيين أموالاً طائلة، للدرجة التي أوصلت باكستان الجنرال ضياء الحق، لتكون البديل المقبول لايران الشاه، ولتشكل ضغطاً عسكرياً وبشرياً على الإيرانيين، لا يمكنهم أن يضعوه خارج حساباتهم، ولكن أظهرت الأيام أن باكستان بقيت اختياراً فاشلاً واستثماراً خاسراً للخليج، يضاف إلى استثمارات خاسرة أخرى كثيرة ما زالت تتراكم وتستنزف الدول الخليجية.
واصلت دول الخليج البحث عن الحلفاء، وتعلقت كثيراً بأوهام بناء علاقات وجودية وطيدة، وبالطبع كانت باكستان القلقة، التي انفصلت عن الهند على أساس ديني، تظهر وكأنها موعد ضربه القدر لدول الخليج، فتجذر الدين في المجتمع والتعصب حوله، مع وجود القبيلة وروابطها، بالإضافة إلى علاقات تاريخية قديمة تطورت منذ الفتوحات الإسلامية، جميعها عوامل جعلت دول الخليج ترتبط بباكستان وتعتبرها ورقة رابحة في مواجهة جولات متتابعة من تهديدات الطموحات الإقليمية من مصر إلى إيران إلى العراق، وتغذت هذه الجولات المرهقة من دول الجوار، اغراءات الثروة النفطية المترافقة بهشاشة سكانية واضحة، ولذلك تقبلت الدول الخليجية بعض المعادلات المجحفة، ولعلها أحياناً رضخت للابتزاز من الجيران، ممن يمتلكون العمق السكاني المفقود في الخليج، ومن صدام وأسطورة البوابة الشرقية، إلى علي عبد الله صالح وفواتيره غير المنتهية، تراجعت الحلول الخليجية، ومع باكستان التي تبدو مرتعشة ومترددة ومنكمشة أمام التمدد الإيراني، تكون الأوراق الخليجية وصلت تقريباً إلى النهاية، ولم يعد أمام عواصم الخليج سوى البوابة الأمريكية، التي يمكن أن يعول عليها بالقطعة أو بالصفقة، من دون وجود أي ضمانات أبعد من ذلك.
أكانت باكستان وهماً خليجياً منذ البداية، أم أن تركيبة الخليج نفسه تحول دون أن يكون له أصدقاء يمكن التعويل عليهم؟ وما هو الحل الذي يمكن للخليج أن يبحث عنه ويستثمر فيه على المدى الطويل ويخرجه من عالم المراهنات الفاشلة والصفقات الخاوية؟ عملياً يجب على الخليج أن يتفهم أنه من الضروري أن يبحث عن (نواة) ذاتية، وأنه لم يعد ممكناً الحديث عن الحلم الخليجي بالبراءة نفسها التي شهدتها الثمانينيات، وأن الأمور لا تقوم على التكاتف والتراص والتعاضد وجميع هذه العينة من الكلمات، لأن البداية ونقطة الأصل هي التوقف عن التزاحم، والايمان بأن دول الخليج يجب أن تتقاسم الأدوار، وأن تقتنع بأنها جميعاً في حاجة لبعضها بعضا، وأنه من غير الضروري أن تخوض تنافساً ذاتياً مضنياً وفارغاً من أي معنى بهذه الطريقة من حلبات السباق ولغاية ناطحات السحاب، وأن الاستثمار يجب أن يكون موجهاً ضمن منظومة مجلس التعاون بصيغة قريبة من الكونفدرالية، بسوق مفتوح وعملة واحدة ومناهج دراسية متقاربة، وعدا ذلك فإن الجميع سيحقق الفائدة من حالة المخاوف الخليجية، باستثناء دول الخليج ذاتها، فالأمر ببساطة أن العديد من الدول وجدت في فوضى منظومة التعاون الخليجي، فرصاً من أجل عرض خدماتها غير المجانية، واستدراج الخليج لصراعات ممنهجة واستنزافية، في ما يمكن وصفه بواحدة من أطول عمليات الابتزاز وأكثرها تكلفة في التاريخ.
دول المركز العربي تتحمل جانباً من المسؤولية لأنها التي تحدثت أولاً عن فكرة تقاسم الثروات تحت طائلة الدعاية القومية، وهذه الفكرة في حد ذاتها لا تختلف عن السلوك الإيراني، الذي يرى من غير العدل أن يشاركه أحد في ثروته الخاصة في مياه الخليج (الفارسي)، ويتناسى الجميع بأن أحداً لم يقدم للخليج شيئاً يذكر عندما كانت تضربه الجوائح ومواسم الجدب، وتأكل أبناءه مياه الخليج شديدة الملوحة، فهل توقف العرب ليستمعوا وقتها للشجن والحزن الذي يتردد في أغنيات مراكب الصيد والغوص، بحثاً عن اللؤلؤ، قبل أن تفور الأرض بالذهب الأسود، وكيف فقدت دول المركز العربية تأثيرها على أجيال كاملة من أبناء الخليج تلقوا تعليمهم في القاهرة ودمشق وبيروت؟
النواة الخليجية بقيت برسم التدخلات الخارجية التي انفردت بكل دولة لتفرض نفسها صديقاً لم يطلبه أحد، وليس لديه ضرورة تذكر، وكل مبررات وجوده في أن آخرين فرضوا أنفسهم على المشهد ليقدموا صداقة لا تتعدى في جوهرها (أكل العيش)، وتجذرت هذه الثقافة في الخليج العربي لتفقد أهله ثقتهم بأنفسهم وتجعلهم يعيشون هذه الحالة من المراهقة الصعبة التي يمكن مشاهدتها على المستوى الفردي، في جملة من الاضطرابات النفسية التي يعانيها الابن الوحيد الذي يعوزه وجود أشقاء، فيعيش صداقات صعبة ومتوهمة تجعله عرضة للاستغلال العاطفي التعويضي، ولكنه عند الوصول إلى النضج سيستطيع أن يدرك مدى عبثية إيمانه بالصداقة تعويضاً عن النقص في الحماية الذي يمثله غياب الشقيق.
مرة أخرى، لم يكن لدول المركز العربي الدور اللائق أو المشرف في استيعاب الخليج، ولم يكن الخليج يتصرف خارج (صدمة) الحراك الاجتماعي الصاروخي، الذي لم يمكّن الأحفاد من التزود بما يكفي من حكمة دهرية تراكمت في صمت الخليج (القديم الفقير)، وفي النهاية فإن الخليج سيدرك مع الوقت أن وكلاء ومندوبي الصداقة، مثل باكستان وغيرها لا يعدو الأمر بالنسبة لهم (لقمة العيش) أو (البيزنس) بتعبير أنيق، وأن الحل يكمن في مئات آلاف المبتعثين الذين أوفدتهم بلدان الخليج للحصول على تعليم متقدم، ويحتاجون فقط بنية ديمقراطية ومنفتحة للتعبير عن ذواتهم، وأن هذه الفئة تحديداً ستتمكن وقتها من أن تشكل (نواة) مستقبل خليجي يتشكل من مجتمعات مستقرة تعيش خارج الصور سابقة الصنع، والمجهزة بصورة حافلة بالمكر واللؤم. وقتها سيمكن للخليج، أن يقول (باي باي لندن) ومعها واشنطن وإسلام أباد ودلهي واسطنبول وبكين وموسكو.

كاتب أردني

البحث عن الذات في مستقبل الخليج العربي

سامح المحاريق

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left