هل يزحف شبح الانفصال والتقسيم على أوروبا؟

بلال التليدي

Sep 22, 2017

التطورات الأخيرة التي يعرفها إقليم كاتالونيا الإسباني، والتصعيد الذي نشب بين الحكومة المركزية وحكومة الإقليم على خلفية إصراره على إجراء الاستفتاء لتقرير مصيره، تؤشر على تحول خطير من الممكن أن يصل إلى حد تغيير خريطة أوروبا التقليدية.
قد تبدو الأزمة في أبعادها الوقائعية متحملة، إذ ليست هذه هي المرة الأولى التي يحصل فيها التصعيد بين الحكومة المركزية وحكومة الإقليم التي تتمتع بحكم ذاتي أوسع مقارنة ببقية الأقاليم الأخرى، لكن رصد مسار التحول في حركة الانفصال الكاتالوني تؤشر بأن الأمر لا يتعلق فقط بظاهرة محدودة ومؤطرة بالسياق الإسباني، وإنما يرتبط بظاهرة تمتلك سمات التوسع كلما نضجت شروطها وحيثياتها الخاصة بها.
نعم، ثمة معطيات تاريخية تفسر هذا الجنوح نحو الاستقلال، فالكاتالان يحتفظون بلغة خاصة وتاريخ خاص ومشاعر قومية خاصة، أي أنهم يتمثلون أنفسهم، في وعيهم كما في ذاكرتهم التاريخية، أمة قومية لها لغتها وتاريخها وثقافتها وتقاليدها وأحلامها الترابية.
لكن ذلك وحده، بالنسبة لأوروبا التي تمثل قوة دولية كبرى، لا تكفي اللغة والتاريخ والثقافة في بعض قوميات أوروبا لصناعة الدولة المستقلة عن الدولة الفدرالية المركزية، فلأوروبا ما يكفي من التجارب الدستورية التي تستوعب هذا التعدد والتباين حتى ولو وصل مستوى من الحدة والاصطفاف، وأخذت الأزمة على خلفيته مدى زمنيا أوسع كما حدث ويحدث في بلجيكا على سبيل المثال. فكاتالونيا تتمتع بوضع دستوري يمنحها حكما ذاتيا واسعا، وهي لا تشعر في ظل الدولة الإسبانية المركزية بأي تمييز أو انتقاص من زاوية اللغة أو الثقافة، وإنما مشكلتها في مكان آخر غير الأبعاد التي في الغالب ما تكون مفسرة للانفصال.
منعطفات تاريخ حركة الانفصال في كاتالونيا، تؤكد بأن مطلب الانفصال لم يكتسب بعده السياسي والقانوني والمؤسساتي إلا بعد الأزمة الاقتصادية العالمية التي كانت تداعياتها قاسية على إسبانيا، ففي لحظات الرفاه لم يكن «الاستقلال بالموارد الاقتصادية» و»عدم تحمل مسؤولية وضعية الندرة في المناطق الإسبانية المتضررة» يمتلك مساحة كبيرة في خطاب حركات الانفصال، لكن، بعد أن وصلت الأزمة الاقتصادية بإسبانيا مستويات بالغة خصوصا في السنوات القليلة الماضية، أصبح المطلب الضريبي هو الهدف الرئيسي لحركة الانفصال في هذا الإقليم، وأصبح الشعار الأكثر رواجا في برشلونة:»نحن لسنا مسؤولين عن المناطق الفقيرة في إسبانيا، والحكومة هي المسؤولة عن تدبير الأزمة، ونريد اتفاقا ضريبيا جديدا يضمن للإقليم حق التصرف بعائدات الضرائب لمواجهة أزمة ديونه». ثم بعد الأزمة تحديدا، انتقل سلوك حركات الانفصال في كاتالونيا من استعمال ورقة الانفصال لتقوية الموقع التفاوضي مع الحكومة المركزية إلى مرحلة التنفيذ والدخول مع الحكومة في معركة كسر العظام.
التطورات في بعدها الوقائعي، قد تدفع في المدى القصير إلى محاولة احتواء للتصعيد لأن استمرار وتيرته ستضر الطرفين معا، لكن لا يظهر في الأفق أن هناك خيارات أكيدة لتسوية هذا التصعيد، فالحكومة المركزية لا يمكن أن تقدم شيئا مقنعا يكف شهية الكاتلان عن الانفصال، لأن شرعيتها كحكومة مركزية، مؤسسة على توزيع الفائض وضمان التوازن بين المناطق الغنية والمناطق الفقيرة، وأي مسعى من جهتها للمضي في اتجاه اتفاق مقنع للكاتلان سيضر بهذه المعادلة وسيخرج المناطق الفقيرة إلى دائرة الاحتجاج، وستصبح حركات الانفصال ظاهرة عامة تستهدف وحدة إسبانيا وتدخلها في أزمة سياسية غير مسبوقة.
لكن، بعيدا عن النظر في البعد الوقائعي في هذه التطورات، فالاستقراء لهذه الحالة، ينبئ بوجود قانون يصعب تجاوز خطوطه، فالتوليفات والأنظمة الدستورية في أوروبا الصناعية ستصير في مقتبل الأيام عاجزة عن استيعاب المجموعات أو القوميات التي لا تزال تحتفظ بلغتها وقوميتها وثقافتها وتحتفظ بنموذج دولة في مخيالها لاسيما عندما تشعر بالميز أو الاستغلال الاقتصادي، كما أن أطروحة التضامن لن تجد من مستند فلسفي أو ثقافي ليقنع هذه المجموعات بالتراجع، وذلك لأن النسق الرأسمالي الأوروبي لاسيما في صورته المتوحشة يأخذ اتجاها معاكسا لهذه الأطروحة.
تركيب التناقض في هذه الحالة، أن الدولة الأوروبية المركزية التي كانت تمتلك آليتين لإخضاع هذه المجموعات: النظام الدستوري المرن، وشرعيتها الديمقراطية المؤسسة لإيديولوجية التضامن بين التضامن، ستكون عاجرة عن احتواء الحركات الانفصالية، لأن هذه الحركات صارت مع الزمن تمتلك ثلاث أسلحة قوية، الأول يستند إلى بنية التفكير الرأسمالي الذي يعاكس أطروحة التضامن، والثاني، يستند إلى منطق التجريب الذي انتهى بهذه المجموعات للإقرار باستنفاذ الأطر الدستورية المرنة لأغراضها، والثالث لغوي وثقافي يهيج نزعات الانفصال ويمنحها طابعا شرعيا، بل ويعزز قوتها بإضفاء طابع المظلومية على هذه المجموعات.
ولذلك، خلف التطورات التي تجري في كاتالونيا، اتجاه عميق يسير تحت السطح بقوة، يؤشر على قرب اندلاع حركات انفصالية في العديد من دول أوربا، خاصة في الدول التي تحتد فيها الفوارق بين الولايات، وبالأخص في الولايات التي تهيمن عليها مجموعات تمتاز بخصوصية لغوية وثقافية ومخيال تاريخي يتمثل القومية في شعورها ووجدانها الثقافي.
من سوء الحظ، وخاصة في لحظات الأزمة الاقتصادية وتداعياتها، أنه ليست هناك خيارات كثيرة لمنع هذا الاتجاه العارم نحو الانفصال والاستقلال سوى إحداث تغيير في النسق الرأسمالي الحاكم، والبحث عن خيارات ثقافية لتأسيس أطروحة التضامن واقتسام الوفرة والندرة، وهي خيارات أشبه ما تكون بالمستحيلة في أوروبا، لأن من شرط نجاحها تأسيسها في الذات، وهذا يطرح بشكل جذري قضية إعادة النظر في الفلسفة الفردية برمتها.

٭ كاتب وباحث مغربي

هل يزحف شبح الانفصال والتقسيم على أوروبا؟

بلال التليدي

- -

2 تعليقات

  1. على هامش مقال ذ/ التليذي الذي تناول بدقته المعهودة اثر بعض المكونات الذاتية في المنظومة الراسمالية في دعاوى الانفصال التي تستعر في مناطق من اوروبا…، فانني ارى ايضا ان العامل التاريخي له قوته التاثيرية على مستوى الحشد والاقناع بمثل هذه المسارات.ومن ذلك الاحساس بان الكيان الموحد كان ثمرة لهيمنة احدى القوميات على الباقي ..ونتيجة لفرض الامر الواقع بالاذعان للعصبية المستند اليها التي ترتبط بالمؤسسة الدينية في الغالب..وهنا لابد من استحضار دور الكنيسة الكاثوليكية في دعم السيطرة العسكرية لبعض المناطق والاسر الحاكمة على جهات لم تكن في الاصل كيانات ضعيفة او لها روابط قوية مشتركة بها على مستوى اللغة والبنيات الاجتماعية والمصالح الاقتصادية. ..ولازال هناك احساس قوي لدى الكاتالانيين بالظلم والتنكيل الذي لحق بهم بعد سقوط برشلونة في يد الفلانخيسط بقيادة الجنرال فاريلا اثناء الحرب الاهلية في نهاية الثلاثينات..علما بان هذه المدينة شهدت قبل ذلك تشكيل نواة سياسية للتسيير الذاتي وفق ادبيات اليسار المتناغم الى حد ما مع التيارات الماركسية…..،وعلى العموم فان هذا التوجه يظل غير قابل للقياس او التعميم على اساس ان نقط الافتراق فيه اكثر من نقط الالتقاء …وان الامر يتعلق بفءة تمتلك التفوق الاقتصادي والرقي الاجتماعي مقارنة مع باقي المكونات …اي ان الدافع الى الاستقلال تزدوج فيه الرغبة في الابتعاد عن ماهو ادنى بهذا المفهوم … والنزوع نحو تحقيق نوع من الانتقام لما شهدته محطات تاريخية من تبخيس للانا القومية بمعناها الاثني الضيق.وشكرا.

  2. من أراد تفكيك أوروبا فعليهم بتعبئة الكيانات ودفعها للإنفصال. فعلى سبيل المثال يمكن تفكيك فرنسا بفصل بعض مناطق عنها كـ البروفان والأكيتان وبروتانيي . . . حيث تصبح فرنسا رقعة صغيرةأو بالأحرى حصر سواحلها في الكيانات الإنفصالية حتى لا تنفذ لا إلى المتوسط ولا إلى المحيط والمونش. وبذلك تتدهور قوة فرنسا.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left