ثلاث عقبات في طريق خريطة الطريق الليبية

بعد اكتمال تدويل الأزمة

رشيد خشانة

Sep 23, 2017

■ مع اعتماد الأمم المتحدة خطة عمل لإعادة السلم إلى ليبيا الأربعاء الماضي، وإعلان موفد الأمين العام إلى هذا البلد غسان سلامة، عن «خريطة طريق» مُتمرحلة لتنفيذ الخطة، اكتمل تدويل القضية الليبية.
وبسبب إمعان الزعماء الليبيين في التناحر والتنابذ على مدى ثلاث سنوات، وتحديدا منذ اندلاع حرب أهلية طرفاها جماعة «فجر ليبيا»، الخاضعة لنفوذ الجماعات الأصولية، و»عملية الكرامة» التي يقودها المشير المثير للجدل خليفة حفتر، تعذر التقريب بين شطري البلد، لا بل باتت المؤسسات الاستراتيجية، مثل المؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي مهددة هي الأخرى بالتقسيم.
لهذا السبب سحبت الدول الكبرى الملف إلى حظيرة الأمم المتحدة، لفرض توافق على القوى الرئيسة في البلد، بما يُفضي إلى إجراء انتخابات عامة في غضون سنة، تُفرز بدورها مؤسسات تحظى بالشرعية الكاملة.
صحيح أن التدويل بدأ منذ اجتماعات الصخيرات في المغرب عام 2015، أو بالأحرى منذ التدخل العسكري الغربي في 2011، إلا أن تنامي خطر تسلل الإرهابيين من ليبيا إلى أوروبا، في ظل انهيار مؤسسات الدولة، إلى جانب تعذُر مراقبة موجات المهاجرين غير النظاميين المتدفقين على الجنوب الأوروبي، حملا القوى الكبرى على استبدال الجزرة بالعصا، في التعاطي مع الفرقاء الليبيين. ويبدو أن تلك القوى الكبرى، التي تضع عيونها على ثروات بلد يمتلك أكبر احتياط من النفط في إفريقيا، مُصرة على اتخاذ إجراءات صارمة بحق أي شخص يُعرقل تنفيذ خطة الأمين العام للأمم المتحدة أنتونيو غوتيريش.

سوابق التدويل

سبق أن خضعت ليبيا إلى التدويل فتقاذفتها كلٌ من فرنسا وإيطاليا على امتداد القرن الماضي، إذ آلت ليبيا إلى إيطاليا في إطار تقاسم المستعمرات، بفضل دعم بريطانيا، التي حازت حوض النيل، والتي كانت لا ترغب بأن تكون فرنسا جارتها في ليبيا. واستثمر الفرنسيون مساهمة قواتهم الآتية من تشاد، في دحر القوات الايطالية عن إقليم فزان (جنوب)، خلال الحرب العالمية الثانية، ليبسطوا سيطرتهم على الجنوب الليبي بين 1943 و1956. وعلى الرغم من إحراز ليبيا على الاستقلال عام 1949 من الأمم المتحدة، استمر الوجود العسكري الفرنسي في جنوبها إلى 30 نوفمبر 1956. واليوم تتسابق الدولتان لتحصيل الحصة الأكبر من مشاريع استثمار النفط والغاز الليبيين وتسويقهما، إلى جانب صفقات إعادة الإعمار.

سبعة محاور

تشتمل استراتيجية التسوية السياسية في ليبيا على سبعة محاور متزامنة في غالبها، أولها معاودة تنشيط العملية السياسية، التي تعثرت بعد التوافق على وثيقة الصخيرات. وثانيها بناء الثقة والمصداقية مع الشعب الليبي، بعدما أخذ منه اليأس من دور الأمم المتحدة مأخذا، خاصة خلال الفترة الأخيرة من مهمة الموفد الأممي السابق الألماني مارتن كوبلر. وثالثها تعزيز الإجراءات الأمنية، وفي مقدمها معاودة بناء جهاز الأمن الوطني. ورابعها تنسيق المشاركة الدولية، بما فيها الجهود التي تبذلها دول الجوار، ما يعني أن الأمم المتحدة تعتزم وضع جميع التداخلات تحت رقابتها المباشرة. وخامسها تأمين السلع والخدمات، بما يؤدي إلى تحسين الأوضاع المعيشية، واستطرادا كسب رضى الليبيين على الدور الأممي. أما المحوران السادس والسابع، فيتعلقان بالسيطرة على ملف الهجرة وتأمين المساعدات الإنسانية لليبيين الذين يحتاجون إليها.
ستحاول الأمم المتحدة تشكيل حكومة وطنية موحدة، تضع حدا للهيئات الموازية، التي أقامت دويلات ميليشيوية، وكرست واقعا شاذا من مظاهره، أن عوائد النفط تُوزع على حكومتين متنافستين واحدة في الشرق والثانية في الغرب. وما من شك في أن القوى الدولية والاقليمية التي وضعت أقدامها بقوة في المشهد الليبي، بواسطة المال والسلاح، ستعمل على أن تبقى مؤثرة في مسار الحل السياسي، حتى آخر مراحله. وهذا ما يجعل المسار مُهددا بالاحتواء حينا والعرقلة أحيانا أخرى، ما لم تستجب الأمم المتحدة لضغوط هذا الطرف أو ذاك. وليس مستبعدا أن يُسمم الأجواء بعض أمراء المليشيات لعرقلة الحل السياسي، وتوحيد الأجهزة الأمنية والعسكرية، لأنه بداية نهاية نفوذهم. وتعكس المعارك الدائرة في صبراتة (غرب) منذ نحو أسبوع بلا انقطاع، صورة عما يمكن أن تضعه كيانات عسكرية مرتبطة بالخارج، من أحجار في طريق المصالحة والسلم الأهلي. غير أن الخطر الأكبر سيأتي من تنظيم «داعش»، الذي مازال منتشرا وقويا في عدة مناطق، على الرغم من هزيمته في سرت، والذي يعتبر أن من أولى واجباته الدينية تقويض المسار الرامي لإقامة «نظام علماني يأتمر بأوامر الغرب»، ونسف جميع الجهود الساعية لتحقيق هذا الهدف.

تعديل «الصخيرات»

أكثر من ذلك يُعتبر المشير خليفة حفتر، الذي يعتقد أنه لن تُنقذ ليبيا سوى قيادة عسكرية تبسط نفوذها على كامل البلد، عقبة رئيسة أمام تنفيذ الاستراتيجية الأممية. وسيتكثف الخلاف في اجتماع لجنة تعديل اتفاق الصخيرات، الذي دعا الموفد الأممي غسان سلامة إلى عقده الثلاثاء في تونس على الأرجح. وسيصطدم أعضاء اللجنة بالبندين السادس والثامن من الاتفاق، فالأول يُخضع القيادات العسكرية لمرجعية سياسية عليا، وهو ما يرفضه حفتر، والثاني يتعلق بتسمية رئيس مجلس الوزراء ونوابه وأعضاء المجلس، وهو البند الذي يقترح البعضُ تجميده، لكنه سيكون أحد محاور الخلاف لدى التفاوض على تشكيل حكومة وفاق جديدة، وتقليص عدد أعضاء المجلس الرئاسي من تسعة إلى ثلاثة. في هذا المضمار تبقى أسئلة عدة عالقة ومنها: كيف سيُدار التوافق حول هذه المسائل؟ وما هي الصلاحيات المتاحة للجنة الصياغة لوضع التعديلات وما حدودها؟ ثم ما هو دور الأمم المتحدة وما مدى قدرتها على فرض التوافق على التعديلات، إن لزم الأمر؟
أجاب غسان سلامة على بعض تلك الأسئلة بتأكيده على أن «ثمة توافقا واسعا في الآراء بشأن المسائل التي تتطلب التعديل»، والمأمول أن يتجسد هذا «التوافق الواسع» في الاجتماع المرتقب للجنتي الحوار عن مجلس النواب ومجلس الدولة.
وإذا ما تم اعتــماد التعديلات، ستنطلق المرحلة الثانية من خريطة الطــــريق والمتمثلة في عقد مؤتمر وطني من أجل فتح الباب أمام الكيانات التي تم استبعادها من اجتماعات الصخيرات، أو التي اختارت مقاطعتها من تلقاء نفسها، للانضمام إلى المسار، ما سيشكل إذا ما تحقق، خطوة مهمة في تكريس المصالحة، خاصة بين الغرماء في كل من مجلس النواب (شرق) والمجلس الأعلى للدولة (غرب).
وفي ظل الانقسامات الراهنة، وتعذر إجراء أية انتخابات في وقت قريب، سيُعتمد التوافقُ أساسا لاختيار أعضاء المؤسسات التنفيذية في المرحلة المقبلة، إلا أن هذا التوافق سيكون عسيرا بحكم الظلال الكثيفة التي تلقيها العداوات السابقة على العلاقات بين الفرقاء.
بهذا المعنى ستكون الخطوة الأولى المتمثلة بسن تشريع يُنظم إجراء استفتاء على الدستور، محكا لنجاح الخطة الأممية، لأنها ستفتح على الخطوة الأهم، وهي إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، إذا ما أخفقت محاولات تعطيل انطلاق قطار المصالحة. ولابد من التأكيد هنا على الدور المهم الذي يمكن أن تلعبه المجالس البلدية المنتخبة في استخدام خبرتها في الحوار والتوافق، وتأصيل المبادرات السلمية القائمة على الوسطية.

٭ كاتب تونسي

ثلاث عقبات في طريق خريطة الطريق الليبية
بعد اكتمال تدويل الأزمة
رشيد خشانة
- -

1 COMMENT

  1. الاستاذ رشيد خشانة افضل من كتب في الشأن الشمال افريقي شكرا على هذا المقال الذي يوضح الوضع الليبي الملتبس على كثيرمن الناس

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left