قنابل العسكر وأفلام «بوجي وطمطم»!

سليم عزوز

Sep 23, 2017

عندما تفشل أنظمة الحكم، تحاول شغل الرأي العام بالتافه من الأمور وباستهداف الإثارة، لشغل الناس بعيداً عن هذا الفشل!
في السابق، كان يتم تفجير قضايا آداب لتحقيق هذا الهدف، بالإعلان عن شبكة لممارسة الدعارة، تقدم من خلالها السلطة نفسها على أنها الحارس الأمين على مكارم الأخلاق، ويا حبذا لو كانت هذه الشبكة من فنانات، أو بوجود إحداهن فيها، لزوم ما يلزم، وكان آخر تفجير في هذا السياق، عندما تم الإعلان في عهد مبارك عن القبض على مجموعة من الفنانات شكلن شبكة في ما بينهن للتعامل مع الخليجيين، قبل أن يعترف رئيس الحكومة بأنها قضية ملفقة، ويطلب من النائب العام الإفراج عنهن، وهو ما حدث فعلا!
وكان الهدف قد تحقق، فقد اهتمت وسائل الإعلام لأكثر من شهر، بالخوض في أعراضهن، ونشر تفاصيل لا لزوم لها، وكيف أن حارسة السجن، عندما نظرت إلى إحداهن، وكانت متواضعة البنية، قالت لها لو كنت رجلاً لما دفعت فيها خمسين جنيها!
ولم تكن الصحف حاضرة في السجن في هذه اللحظة التاريخية، فقد كانت وزارة الداخلية تمد الصحافيين بأخبار الإثارة. وربما لو لم يكن هناك خلاف بين وزير الداخلية ورئيس الحكومة، لما كان الأمر الحكومي للنائب العام بالإفراج عن أعضاء الشبكة قد صدر، وهو ما استجاب له على الفور، مع أن النيابة هى التي حققت القضية وحبست الفنانات على ذمتها، حبساً احتياطياً، وروعي التجديد في الموعد!
مؤخراً أراد «أهل الحكم»، لفت انتباه الرأي العام، بعيدا عن السلطة، فكان الخبر الذي نشر في أكثر من موقع ذات ليلة، هو القبض على الفنانة «كنده علوش»، وزوجها الفنان «عمرو يوسف»، بعد تفتيش سيارتهما واكتشاف وجود مخدرات بها. وقد انتشر الخبر على نطاق واسع، قبل أن نكتشف أنه فبركة، ووجود السيوشيال ميديا، وإن ساهم في نشر الأكاذيب، فقد ساهم كذلك في سرعة كشف زيفها، وبعد هذا تأكد لأهل الحكم أن اللجوء للقضايا الفارغة هو الخيار الأفضل!

نكاح الميتة

فهل هي مصادفة، أنه في أسبوع واحد يتم تفجير قنبلتين، عبر قناة فضائية بعينها، في موضوعين تافهين، بهدف الإثارة، وبواسطة إثنين من أساتذة جامعة الأزهر، حيث لم يعد هناك شك في أنهما تم استدعاؤهما أمنياً للقيام بدور في حملة لفت الأنظار واستغفال الشعب المصري؟!
كما تم تفجير قنبلة أخرى، في قضية مشابهة، وفي فضائية أخرى، لكن لحسن الحظ أنه رغم أن القناة هى الأكثر شهرة، من القناة السابقة، فإن القنبلة كانت متناهية الصغر، لأن من فجرتها وتم تقديمها على أنها «الأديبة الكبيرة»، ليست معروفة، فعدد الأديبات في مصر أكثر من عدد القراء، ليس لانصراف الناس عن القراءة، ولكن لأن ليس كل ما ينشر أدباً!
الأولى، قناة لا أظن أنني ذهبت إليها يوماً، وما أراه له هو مقاطع فيديو «سابحة في فضاء الفيسبوك»، وقد تبين أن القنبلتين لم يتم تفجيرهما فقط عبر فضائية واحدة، ولكن عبر برنامج واحد، يقدمه مذيع في التلفزيون المصري، اسمه «أحمد عبدون» تقريباً، وقد راعني أن الفتى كان يعمل في قناة «توفيق عكاشة»، التي تم إغلاقها، وكثيراً ما جلس في «حضرة الدكتور» يسأله بصفته «الدكتور» وينتظر الإجابة من «الدكتور»، ويخاطبه بـ «الدكتور» في إسراف، كاشف عن مدى إعجابه بما تجود به قريحة «الدكتور»، لكن «الدكتور توفيق عكاشة»، الذي طالما أمتعنا بالحديث عن مهمته التعليمية في واشنطن، تبين أنه لم يحصل على درجة الدكتوراه أصلا، ولا توجد ولو جامعة مزيفة منحته هذه الدرجة العلمية، كما حدث مع «الدكتور» سيد القمني!
في الأسبوع الماضي، حكم القضاء بتأييد حكم «عكاشة» بتهمة تزوير الدكتوراه، وهو حكم مبالغ فيه، مع افتقاد قضية التزوير هنا لأركانها، فلم يستفد من ادعاء الدرجة العلمية إلا من حيث جلوس «حياة الدرديري» في حضرته، وهى تخاطبه، كما «عبدون تقريباً» بـ «الدكتور»، لكنه حكم للردع، وفي تقديري أنه ليس للتنفيذ، فضلا عن أنه لا يراد القضاء المبرم على «الدكتور»، فالقضية الأكثر اثارة من الدكتوراه المزيفة، هي تكوينه جمعية «الإعلاميين الشبان وأسرهم وغيرهم» وتمكينها من خمسة آلاف فدان!
ما علينا، فلم أكن أعلم أن»عبدون تقريباً» انتقل لفضائية أخرى، بعد إغلاق قناة «الفراعين»، إلا بعد تفجير القنبلتين من خلاله، وفي انتظار ظهور «حياة الدرديري» على قناة أخرى بعد انتهاء مهمة «الدكتور» الأمنية!
القنبلة الأولى، هى الخاصة بإعلان شيخ أزهري، محتفى به في إعلام السلطة، وهو «صبري عبد الرؤوف»، جواز معاشرة الزوجة الميتة، ليصيب الناس بالقرف العام لأنه يتجاهل «حرمة الموت “و«جلال اللحظة»، ويصور المسلمين على أنهم قوم همج، مشغلون بإشباع غرائزهم الحيوانية في لحظة تعن فيها الوجوه للحي القيوم. وهى قضية فيها من الإثارة ما فيها، حيث الزوجة الميتة، والرجل الذي غلبته شهوته!
أما القنبلة الثانية، فقد فجرتها الاستاذة بجامعة الأزهر أيضاً «سعاد صالح»، وتم استدعاؤها للرد على زميلها «صبري» فقالت إن بعض الفقهاء أجازوا معاشرة البهائم. وهى قضية فيها من الإثارة ما فيها، حيث غلبت الشهوة انسان، حد امتطاء بهيمة الأنعام!
ولو انتهى الأمر عند هذا الحد، لما انتبه الناس لما أذيع في البرنامج، فليست القناة معروفة للمصريين، لكن الترويج لما أذيع تم في فيديوهات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ونشره وبثه بعناوين الإثارة هو لاستكمال مهمة شغل الرأي العام بعيداً عن السياسة!
سيقول قائلهم إن المجلس الأعلى للإعلام اتخذ قراراً بإيقاف المذيع «عبدون تقريبا»، لنفي تورط السلطة وأذرعها في هذا الأمر، ونرد عليهم بأن هذا القرار هو «لزوم ما يلزم»، وقد ضبط البرنامج متلبسا بالجرم، فكان لابد من هذا لإبراء الذمة. وبالمناسبة، لماذا لم يتحرك المجلس الأعلى هذا، فيتخذ نفس الإجراء في قضية مثلت خروجاً على قيم المهنة وتقاليدها، عندما استضاف «معتز الدمرداش»، ابنة السفير «عبد الله الأشعل»، لمناقشة قضية خاصة، على الشاشة، يمنع القانون على محكمة الأحوال الشخصية مناقشتها في قاعة المحكمة، مع وجود العشرات، فتنظرها، لحساسية هذا النوع من القضايا، في «غرفة المداولة»؟!

اقتداء بتونس

لقد تمثلت القنبلة الثالثة، في استضافة «لميس الحديدي»، لأديبة، لتناقش معها قضية إقرار حق المسلمة في الزواج من غير المسلم، اقتداء بالقوم في تونس!
لا أعرف وزن الضيفة كأديبة، وقيمة انتاجها الأدبي، لكن عندما تحضر للاستوديوهات ولا تناقش معها قضايا أدبية مهمة، وفي صلب تخصصها، ويكون موضوع الحوار قضية جدلية بهذا الشكل، فإن الهدف منها هو الإثارة، ضمن أعمال سلطة فاشلة، تريد أن تصرف أنظار الرأي العام بعيداَ عنها وعن مخططاتها التآمرية، بقضية تؤجج المشاعر الدينية، وكأن مصر حلت مشاكلها ولم يعد امامها إلا العائق الديني الذي يمنع زواج المسيحي من مسلمة، وسأسمح لنفسي بأن أجاري سيادتها، وسيادة «لميس الحديدي» في ذلك!
كم حجم المشكلة في المجتمع المصري، وهل هناك بالفعل علاقات حب، وقف الدين عائقاً أمام تكليلها بالزواج؟ وهل هذه العلاقات ظاهرة ينبغي أن تناقش تلفزيونيا، فتستدعى أديبة لتطالب بحل يتمثل في مخرج قانوني؟!
مشكلة «لميس» وصاحبتها، هو النظر إلى هذه القضية من الزاوية المستباحة الخاصة بالدين الإسلامي، مع أن القضية أكبر من ذلك، فلو وقفتا على أبعادها، لما كانت جرأة الخوض فيها. إذا اعتبرنا أن رؤية المجتمع المسلم هي التي ينبغي أن يتم انتهاكها تحت ضغط الحاجة الحضارية للحداثة، فما الرأي في رفض المجتمع المسيحي لذلك، فلن يقبل المسيحيون هذا، إلا على قاعدة التفوق الديني، ثم أن للموضوع بعداً آخراً هو هل تقبل الكنيسة زواج المسيحية من مسلم؟ ويحدث كثيراً أن ترفض فتاة مسيحية هذه القيود، فتهرب إلى زواج من مسلم، ليتم اثارة الموضوع خارجياً، بأنه اختطاف قاصرات، مع أننا نعلم ويعلمون بأنهن لسن قاصرات؟ فلماذا لم تتطرق «لميس» وصاحبتها إلى ذلك، وبمناقشة القضية من كل زواياها وأبعادها؟!
ومن بين أبعاد هذه القضية، هو حمل البابا شنودة ابتداء على قبول زواج المسيحية الأرثوذكسية من المسيحي البروتستانتي، أو الكاثوليكي، دون تحريم هذا الزواج وكأنه بين عقيدتين متنافرتين، وهو البعد الأكثر انسانية، ويمثل مشكلة حقيقية!
ولو تم الانتقال إلى قضية أكثر التصاقا بحقوق الانسان، وهى قضية الزواج الثاني عند المسيحيين، لقلنا إن «لميس» وصاحبتها يتحركن من دوافع مناقشة القضايا الانسانية فعلا، فهي أزمة ثلاثمئة مسيحي، تم الحكم قضاء لهم بالطلاق، وتمنعهم الكنيسة من الحق في الزواج مرة اخرى، وإذا كانوا قد وجدوا انفراجة بالثورة، فتظاهروا حول الكنيسة، فعلاقة البابا بالسلطة بعد الانقلاب، أعادتهم مرة أخرى للصمت والانزواء والعزلة، خوفا من بطش البابا بعلاقته برأس النظام الحاكم. ألا أدلكم على البعد الأكثر اثارة في هذا الموضوع؟ هو كيف حل «أهل اليسار» هذه المشكلة في سالف العصر والأوان؟ لقد أشهر «نبيل زكي»، و»موسى جندي»، إسلامهما ليتزوجا من مسلمتين، وأشهرت «فريدة الشوباشي» إسلامها لتتزوج من «علي الشوباشي»، عندما كان الدين عند اليسار، قضية خاصة!
غاية ما في الأمر أنه لم يكن بوسع «لميس وصاحبتها» مناقشة هذه الأبعاد، فقد جاءت «لميس» بـ «الأديبة الكبيرة» في مهمة إطلاق قنابل الغاز، على أنها ضرورة تقدر بقدرها، وهذا القدر كان في بعد مفتعلا، للفت انتباه الناس بعيداً عن سلطة فاشلة ومتآمرة، لا يشغلها «الأدب»، وإنما هي مشغولة بـ «قلته»!
ولو فعلتوا «البدع» فلا فائدة، ففشل السيسي أكبر من إخفائه بأفلام «بوجي وطمطم»!

صحافي من مصر

قنابل العسكر وأفلام «بوجي وطمطم»!

سليم عزوز

- -

6 تعليقات

  1. أصبحت بعض أخبار القنوات المصرية مقرفة للغاية
    الظاهر هو أن خسرت متابعة الشعب المصري لها
    وبما أن الغاية تبرر الوسيلة بحثت عن الإثارة !
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. أستاذ سليم انت كاتب بالفطرة ….أتابعك وأحب مقالاتك التى تعبر عن مصر اليوم بإسلوبك الصادق والعميق.
    بارك الله فى أناملك وفى امثالك ممن يصدعون بالحق فى زمن ندر فيه صدق من كتب عن احوال الأمة.

  3. فتاوي علماء السلطه المشبوهين سواء كانوا ذكوراً,ولا أقول رجالاً,كالمدعو صبري عبدالرؤوف أو إناثاً,ولا أقول سيدات,كالبائسه سعاد صالح الغرض منها أن يكره الناس الأزهر ويحتقروه فيسهل عليهم تقبل دعوة السيسي لما يطلق عليه,زورا,تجديد الخطاب الديني وهو تزوير للخطاب الديني.

  4. صدقت أستاذ سليم في كل ما ذهبت اليه.واصبحنا نرى الان اعلاما سعوديا وإماراتيا يحذو حذو إعلام العسكر بممارسة السفاهة الاعلاميه.
    ولكن نحمد على على نعمة قناة الجزيره والقنوات الحرة الشريفه رغم قلتها وكذلك شبكات التواصل الاجتماعي

  5. والله انا اسمع الشيخ صبري عبد الرؤوف في اذاعة القران الكريم منذ اكثر من 20 سنة وهو قليل الظهور في التلفاز ولا يجري وراء شهرة او منصب كغيره ولا اعلم عنه الا كل خير وربما كان الامر كما يقول الشيخ انه سئل ان كان جماع الزوج لزوجته الميتة زنا يستوجب اقامة الحد فقال لا فرفقا به ياجماعة الخير ثم هناك سؤال اولي بالاجابة هل يقام في مصر الحد علي الزاني والزانية من الاحياء؟؟؟ وهل تقام اي حدود في مصر؟؟؟

  6. تحياتي القلبية من كفر طهرمس ..الأوضتين وعفشة الميه وذكريات الزمن اللي فات.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left