كبلينغ وحكايات الغاب المتأثرة بالثقافات الهندية والإغريقية والعربية

أديب الإمبراطورية البريطانية:

عبد الواحد لؤلؤة

Sep 23, 2017

رديارد كبلينغ شاعر قصصي بريطاني ولد في بمباي/ممباي في الهند أيام الاستعمار البريطاني، عام 1865 وتوفي في لندن عام 1936 ودفن في زاوية الشعراء في كنيسة وستمنستر.
كان يكتب الشعر والقصص القصيرة والروايات عن خبرته في الهند التي عاش فيها شبابه، فجاءت قصصه ورواياته تحمل أجواء الهند في
أيام الإمبراطورية التي «لا تغرب الشمس عن أرجائها». وربما كانت حكايات الوحش والحيوان أكثر ما جلب له الشهرة وخاصة في كتب للأطفال، مثل «كتاب الغاب» 1894 و «كتاب الغاب الثاني»1895.
وربما كانت روايته «كيم» أدق وصف للحياة في الهند في عهد الإمبراطورية البريطانية: أهل البلاد، الأسواق، رجال الدين الهنود ورجال الجيش البريطاني. وأسلوب الروائي يتميز باستعمال المصطلحات الهندية التي يترجمها لتقريب الصورة للقارئ.
و»كتاب الغاب « قصص على السنة الوحش والحيوان، تنتهي بحكمة أو خلاصة تجربة ليقتدي بها القارئ، طفلاً كان أو بالغاً. وهذا النوع من القصص الهادفة له سوابق أمثلة عند الإغريق والهنود والعرب.
فعند الإغريق ثمة حكايات الوحش المنسوبة الى «آيسوب» الذي اختلف الرواة حول مولده وموطنه ونسبه. لكن حكاياته تتصف بالحكمة والموعظة، ألّفها أو رُوِيَت عنه في القرن السادس قبل الميلاد. ويروى أن سقراط قد نظم بعضا منها شعرا، وهو في مَحبِسه بانتظار إصدار الحكم عليه موتاً بتجرُّع السُّم بتهمه إفساد الشباب بفلسفته. وقد جُمِعَت تلك القصص بنصّها الإغريقي وبترجمة إلى اللاتينية وإلى عدد من اللغات الأوروبية، وقد وصلت إلى العربية عن ترجمة فرنسية من عمل الشاعر الفرنسي لافونتين (1621-1695) الذي عاصر موليير وراسين، في عهد لويس الرابع عشر، أبرز عصور الأدب الفرنسي.
ويشبه الحكايات على ألسنة الوحش والحيوان ما نجده في «كليلة ودمنة» حيث جمع ابن المقفّع حكايات من الهند وفارس وبلاد الإغريق، حيث نجد بعض حكايات «آيسوب» ذات أصول بابلية رافدينية، إذ أن التواريخ تسجل أن رحلات «آيسوب» حملته إلى بابل أيام حكم الملك نبو خذ نصر (605-502) ق.م. ويؤكد لافونتين في الحكايات التي استقاها من «آيسوب» ومن مصادر عربية، بالإشارة إلى قصص الحكيم بيدَبا في «كليلة ودمنة» الذي نُقِل إلى الفرنسية بصورة مختصرة عام 1664. والتوجه العام في جميع تلك الحكايات، سواء وردت عن الحيوانات أو عن الآلهة هو تقديم المتعة والحكمة والمثال الذي يجب اقتداؤه.
تدور حكايات «كتاب الغاب» الأول (1894) والثاني (1895) في الهند أيام الحكم البريطاني، في أواخر القرن التاسع عشر. وقد أنجزهما كبلينغ أثناء إقامته في براتلبورو بولاية فيرمونت الأمريكية. وهذه القصص القصيرة تهدف إلى تقديم دروس في العدالة، والاخلاص واحترام قوانين المجتمع، مجتمع الحيوان في هذه الحال، لكنه يشير إلى مجتمع البشر كذلك. وقد كانت هذه القصص تستهوي الأطفال، وربما الكبار كذلك، منذ نشرها في أواخر القرن التاسع عشر، ولكني لست واثقا أنها ما تزال على جاذبيتها في عصرنا الحاضر.. لكن هذه المقالة قد تفيد في تذكير القارئ العربي المعاصر بالتغيُّر الكبير الذي حصل في الذائقة الأدبية عبر السنين.
في هذه القصص شخصيات عديدة: الفتى الهندي «ماوغلي»، الذئب، الذئبة، النمر، «شيري خان» زعيم عصبة الذئاب، «باغيرا»، الفهد الأسود «بالو» الدب «كاآ» الأفعوان، عصابة القرود، «هاثي»، الفيل «ميسوا» المرأة التي تبنَّت الفتى «ماوغلى» لفترة من الزمن، ثم «بلديو» صيّاد القرية.
اصطحب الذئبُ الفتى إلى مجلس وحوش الغاب حيث اعترفوا به ذئبا، فصار يتكلم لغة الذئاب، وطلبوا منه الحصول على «الزهرة الحمراء» ليحمي نفسه بها، وليهاجم الأعداء بعصا النار. وانسجم الفتى في مجتمعه الجديد. وذات يوم ضل طريقه إلى القرية في الجوار، حيث تبنته «ميسوا» التي كانت قد فقدت ابنها منذ سنين، فغدا الفتى حارسا لقطعان القرية.
سمع الفتى أن «ميسوا» وزوجها قد سُجِنا في الدار، فتجرَّد لإنقاذهما، لمّا علم أن القرويين كانوا طامعين بقطعانهما. فلما أنقذهما هجمت وحوش الغاب فدمرت المزارع والقطعان دون أن يصاب البشر بأي أذى، لأن الفتى ما كان يريد إيذاء الناس. جاء الأفعوان لاصطحاب الفتى لزيارة زعيم الأفاعي الذي كان يحرس كنوز الملك، فسرق الفتى جوهرة، رغم ما قيل له ان الاحتفاظ بتلك الجوهرة يجلب الشؤم، فما لبث ان رمى بها بعيدا فالتقطها أحدهم. ولما ذهب مع الفهد الأسود بحثا عن الجوهرة المسروقة وجدا ان ستة ممن احتفظوا بها قد ماتوا. ثم أعاد الفتى تلك الجوهرة إلى كنزها.
وبعد سنة من موت زعيم عصبة الذئاب، كان الفتى قد بلغ السابعة عشرة من العمر، فقرر العودة إلى الغاب، وفي الطريق التقى بفتاة، فتوارى عنها بين الأدغال وراح يراقبها، فقرر ان حياة الغاب ليست تناسبه، فعاد إلى مجتمع البشر ليعيش عيشة طبيعية.
أما كم من الحكمة والموعظة الحسنة استطاع القراء من الأطفال والبالغين ان يجدوا في قصص الحيوان وحياة الغاب، فهي مسألة متروكة لخيال القارئ المعاصر. فهذه حكايات من عهد ليس ببعيد عن الزمن المعاصر، لا يمكن مقارنتها بحكايات تعود للقرن السادس ق.م. ولا بحكايات مما نقل شاعر فرنسي من القرن السادس عشر.
والكتاب الثاني الذي أقام سمعة كبلينغ هو «كيم» رواية المغامرات التي نشرت عام1901، وتقع أحداثها في أواخر القرن التاسع عشر، وتقدم صورة بارعة للحياة في الهند تحت الحكم البريطاني «الذي أعطاهم لعبة الكركيت وأخذ منهم الشاي وسماه الشاي الإنكليزي» كما يقول أحد الظرفاء.
فتى تائه في الشوارع اسمه كِمبل أوهارا يختصر إلى كيم، يلتقطه لاما وهو راهب بوذي من التبت ويتخذه تلميذا له. وثمة محبوب علي وهو تاجر خيول، وهناك الكولونيل كريتن، مدير الاستخبارات البريطانية، وهرّي جندارموكرجي وهو هندي شبه متعلم. والرواية صورة متعددة الجوانب للحياة في الهند: المتدينون في الأسواق، أهل البلاد، أفراد الجيش البريطاني، كل ذلك بلغة تستمد من العبارات والمصطلحات الهندية التي يتقنها كبلينغ من طول ما خبر الحياة في أرض مولده، ما يعطي الرواية نكهة خاصة، لا أحسب ان أصالتها تروق كثيرا من القراء في عصرنا الحاضر. لكنها نافذة تطل على زمان مضى قبل أكثر من مئة عام.
ولد كيم في شوارع لاهور لأب عريف في الفرقة الايرلندية، توفي من الإدمان على الكحول والمخدرات، وترك الطفل في عهدة امرأة من المنبوذين الهنود، ومن تعرّض الطفل لشموس لاهور صار داكن البشرة فلا يحسبه الناس من أصل ايرلندي. وقد قدم إلى لاهور راهب بوذي فالتحق به الفتى، وما لبث تاجر الخيول أن طلب من كيم أن يحمل رسالة إلى ضابط بريطاني، فتخفّى الفتى بين الأعشاب ليطّلع على فحواها، فأدرك أن تاجر الخيول عميل استخبارات بريطاني. وتصادف أن اجتمع كيم مع قسيس اسمه بينيت اكتشف ان الفتى يحمل تميمة بداخلها ورقة تطلب ممن يجدها ان يعنى بالفتى، فأرسل كيم إلى المدرسة وانفصل عن الراهب البوذي الذي طلب من القس المسيحي اسمه وعنوانه ومقدار مصاريف مدرسة كيم، ثم اختفى ليعود بعد عام ويدفع مبلغا عن تعليم كيم. وما لبث الكولونيل أن علم من محبوب علي ان الفتى سيصبح عضوا بارزا في الاستخبارات البريطانية، وما لبث كيم حتى التحق بالراهب البوذي من جديد وذهبا معا إلى دلهي. ونعلم من تطور الحكايات ان كيم قد نجح في أعمال تجسسية، مع الراهب البوذي والهندي شبه المتعلم، وتاجر الخيول، غير ان البوذي لم يكن يدرك ما يجري حوله سوى انه بمساعدة كيم استطاع الوصول إلى «نهر المعرفة».
في عام 1907 قررت لجنة «جائزة نوبل» منح كبلينغ تلك الجائزة تقديرا «لمنزلة الأدب الإنكليزي» فكان بذلك أول بريطاني يمنح تلك الجائزة. كان كبلينغ موضع إعجاب أدباء كبار مثل هنري جيمس وجوج اورويل الذي سماه «نبي الاستعمار» الذي رفض منصب «شاعر البلاط» ومرتبة «الفارس» البريطانية.
ويبقى علينا اليوم ان نعيد النظر في ابداع هذا الكاتب البريطاني لنرى كيف تقيس الإبداع جائزة نوبل.

كبلينغ وحكايات الغاب المتأثرة بالثقافات الهندية والإغريقية والعربية
أديب الإمبراطورية البريطانية:
عبد الواحد لؤلؤة
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left