السلطات الأمنية في السودان تعاود حملة قمع الصحافة

بعد هدنة استمرت لفترة قصيرة

صلاح الدين مصطفى

Sep 23, 2017

الخرطوم ـ «القدس العربي»: شهد السودان هذا الشهر عودة حملة قمع الصحافة، ، وتعرضت فيه صحيفتا «آخر لحظة» و»التيار» للإيقاف والمصادرة من جهتين مختلفتين، كما تعرضت الصحافية هنادي الصديق للضرب عند تغطيتها احتجاجات في ضاحية الجريف، وعانى عدد من الصحافيين من البلاغات بسبب موضوعات تم نشرها.

الرقابة القبلية

ورغم توصيات مؤتمر الحوار الوطني الذي تم على إثره تشكيل حكومة جديدة، لم يتوقف قمع الصحافة السودانية، فقد جاء في التوصيات التي لم يتم تنفيذها: حماية الحريات العامة والحقوق المدنية، وبسط الحريات الأساسية وصون كرامة الإنسان بالنص عليها في الدستور والقوانين وتطبيقها، وحماية الحريات العامة والحقوق المدنية، والالتزام التام بحقوق الإنسان كما وردت في المعاهدات والمواثيق الدولية. وجاء بخصوص حرية التعبير والإعلام أن لكل شخص حق التعبير الحر عبر وسائل الخطاب المعلن والنشر المكتوب والمسموع والمرئي، وإلغاء الرقابة المسبقة للصحف، واستبدال عقوبة السجن للصحافي بالحرمان من الكتابة لفترة يحددها القانون.
وظل جهاز الأمن يقوم بممارسة الرقابة (قبل النشر) وذلك بتحديد قضايا محظورة من النشر، حيث تُرسل الأوامر والتوجيهات والتعليمات الأمنية للصُحف (شفاهة) تحذّرها من تناول قضايا معينة، أو الخوض في مواضيع محددة، وإلّا فإنّ النشر (غير المأذون) في الممنوع من النشر، سيُعرّض الصحيفة للمصادرة، ويُعرّض قيادتها للمساءلة الأمنية، وعادة ما تطلب السلطات الأمنية من الصحف اعتماد الرواية الحكومية، وأخذها من مصدر واحد فقط.

تجاوزات شهر أيلول

وفي رصدها للتجاوزات التي حدثت تورد «الشبكة العربية لإعلام الأزمات» بعض الانتهاكات التي وقعت خلال الفترة الماضية ومنها التحذيرات الصارمة التي أطلقتها السلطات الأمنية لرؤساء تحرير الصحف، بعدم نشر أي حوار أو تصريح لحملة السلاح، أو المتحالفين معهم، أو تلميع أو تعظيم لأي أحد منهم بأي صورة من الصور، أو الحديث عنهم بصفتهم أو رتبهم عن حركاتهم.
إضافة لمصادرة الصحف بعد الطبع كعقوبة إدارية بأثر رجعي وهو ما حدث مع صحيفتي «آخر لحظة» و»التيار» فقد تم تعليق صدور صحيفة «آخر لحظة» لمدة ثلاثة أيام (الجمعة، السبت، الأحد 7ـ 9/9/ 2017) بقرار من المجلس القومي للصحافة والمطبوعات على خلفية مقال للكاتب عبد الله الشيخ، الذي حث خلاله السلطات السودانية، على تعويض ضحايا تفجيري السفارة الأمريكية في كل من دار السلام ونيروبي 1998م، وسبق أن تمت معاقبة الصحيفة في حينها في آب/أغسطس الماضي بالمصادرة بعد الطبع.
وجرت مصادرة صحيفة «التيار» من المطبعة مرتين خلال 72 ساعة يومي 9 ـ 12/ 9/2017م بعد استدعاء رئيس التحرير بالإنابة والتحقيق معه لمدة ثلاث ساعات، حول نشر حوار مع رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان، ثم جاءت المصادرة الثانية دون أسباب.
وتعرضت الصحافية هنادي الصديق للضرب «الصفع على وجهها» والمضايقات من قبل نظاميين؛ وذلك خلال تغطيتها للاحتجاجات التي شهدتها منطقة الجريف الواقعة في الغرب.
وأصدر حزب المؤتمر السوداني بيانا بهذه الحادثة قال فيه: «يجيء هذا الاعتقال والاعتداء الجسدي على الصحافية هنادي الصديق ليؤكد مرة أخرى أن التنكيل بالمعارضين والمواطنين رغم أنف القانون أصبح وسيلة معتمدة لجهاز الأمن، يمارسه فى اطمئنان من المساءلة والعقاب رغم أنف القانون والدستور».
ويخضع الصحافي الهادي محمد الأمين (المتخصص في الجماعات الإسلامية) لمحاكمة عبر بلاغ قديم منذ عام 2012 تم تحريكه مؤخرا والشاكي هو جهاز الأمن والمخابرات، وتجدر الإشارة إلى أن الهادي ظل زبونا دائما لنيابة الصحافة والمطبوعات في بلاغات متعلقة بالنشر الصحافي.

استهداف الصحافيين

ورفضت «الشبكة العربية لإعلام الأزمات» عبر بيان لها محاولات جهاز الأمن ترهيب الصحافيين والصحافيات واستهدافهم وتكميم أفواههم وتخويفهم، سواء بالاستدعاءات المتكررة أو الملاحقات القضائية أو استخدام العنف ضدهم، لمنعهم من الحصول على المعلومة.
ودعت الصحافيين والمحامين والقيادات السياسية والمدافعين عن الحريات، للتصدي لكل ممارسات جهاز الأمن ضد الصحف والصحافيين، والعمل على تشكيل جبهة واسعة للدفاع عن الحريات العامة وحرية الرأي والتعبير والنشر الصحافي. واستهجنت «شبكة الصحافيين السودانيين» (منظمة غير حكومية) ما وصفته بالتطاول المشين الذي طالما أظهرته أجهزة القمع السلطوية، للحط من قدر الصحافة كقوة مؤثرة وقطع الطريق أمام انحيازها للحقيقة والجماهير، كما ظلت على الدوام تفعل.
وطالبت بعدم الاستهانة بحملة السلطة الشعواء ضد الصحافة الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي لأجل السيطرة عليها من خلال تعديلات جوهرية على قانون المعلوماتية، لتتمكن من النفاذ إلى ما تريد بفرض سيطرتها على «الفضاء الالكتروني» بعد ان سيطرت فعليا على «الورق».

أسلوب قديم جديد

ويرى فيصل الباقر، الصحافي والمدافع عن حقوق الإنسان، والمنسق العام لمنظمة «صحافيون لحقوق الإنسان- جهر» أن الحملة الأمنية «الجديدة» على حرية الصحافة والتعبير، والعودة إلى أسلوب مصادرة الصُحف بعد الطباعة، واستهداف الصحافيين والصحافيات، بمختلف الأشكال، سواء بتحريك بلاغات قديمة «كيدية» أو بالإعتداء الجسدي والمعنوي هو أسلوب أمني «جديد، قديم» القصد منه فرض المزيد من التضييق على حرية الصحافة، بغرض انهاك الصحافيين في المحاكم، وإضاعة وقتهم في النيابات، مُضافاً إلى الإستدعاء والإعتقال الأمني، مّا يجعل البعض يُفكّر في إيثار السلامة، بممارسة « الرقابة الذاتية».
ويقول لـ «القدس العربي» إن «هذا من أخطر أنواع الرقابة، لأنّها تُحوّل الصحافي إلى رقيب أمني على منتوجه الفكري والصحافي، فتتمكّن في المجتمع الصحافي ثقافة الرقابة الذاتية، وهي ثقافة مُدمّرة، تنزع من الصحافي الجرأة والإقدام على الفعل الصحافي، وتُعيق المهنيّة والاحترافية التي يجب أن يتمتّع بها الصحافيون والصحافيات».
ويضيف: «بهذه الأساليب، وبغيرها، يسعى جهاز الأمن لفرض الإظلام الإعلامي الكُلّي، ليواصل انتهاكاته للحريّات، بعيداً عن رقابة الصحافة». ويصف الباقر مُصادرة الصُحف بعد الطباعة، بأنها رقابة «بعديّة» تحرم الصُحف من الوصول للجمهور «وفي الوقت ذاته، هي عقوبة قاسية، كونها تحرم الصُحف من العائد المادّي، المُفترض من التوزيع، كما تحرمها من عائد الإعلان. وحينما تتعرّض الصُحف لخسارة ماديّة، بسبب المُصادرة الأمنية، تضعف اقتصاديات الصحافة، وتضطر غالبية إدارات الصحف للمساومة في حرية الصحافة والتعبير، إيثاراً للنجاة من التنكيل الأمني».

آليات حماية الصحافيين

ويضيف ان المجتمع الصحافي يستطيع مقاومة الحملات الأمنية، بالعمل المُنظّم، والتنسيق المُشترك، وبأساليب وأشكال مختلفة منها التقاضي، بتحدّي الصلف الأمني قانونيّاً، وكذلك عبر إعلاء قيم التضامن بين الصحافيين. ويقول: «حتماً، ان المزيد من التضامن والمناصرة، يحقق وحدة بين المتضررين من الاعتداء الأمني على الصحافة والصحافيين».
ووفقا لتقدير الباقر فإن ما تقوم به منظمات الصحافيين «يُشكّل آلية من آليات الحماية للصحافيين إذ تقوم هذه المنظمات برصد الانتهاكات وتوثيقها ونشرها، واستخدام هذه المواد في عملية المناصرة الداخلية والخارجية، وهي عملية طويلة، ستحقّق أهدافها في المنظور الاستراتيجي، كما أنّها، أي المنظمات، تقوم بتدريب الصحافيين والصحافيات، على أشكال مقاومة الرقابة الأمنية، وتُكسبهم معارف نوعية في التغلُّب على داء الرقابة الذاتية».
ويرصد عددا من النجاحات التي تحقّقت، في جبهة مقاومة الرقابة الأمنية، ومنها التحدّي عبر التقاضي في المحاكم السودانية، وهناك الضغط الدولي على الحكومة، عبر آليات الأمم المتحدة، لاحترام وتعزيز حرية التعبير، والإدانات التي تصدر من مجلس حقوق الإنسان، وتجديد ولاية الخبير المستقل على السودان. ويقول الباقر إن المجتمع الصحافي والسوداني بأكمله أصبح أكثر حساسية تجاه مسألة حرية الصحافة والتعبير، وهذه النجاحات جعلت أيدي جهاز الأمن مغلولة بعض الشيء.

انهيار الهدنة!

وتقول الصحافية شمائل النور التي تسبب حوارها مع رئيس الحركة الشعبية عبد العزيز الحلو في مصادرة صحيفة «التيار» بعد الطبع، إن الهدنة التي سادت الوسط الصحافي لم تستمر كثيرا.
وتضيف لـ «القدس العربي»: «معلوم لكل الوسط الصحافي أن الهجمة الشرسة على الصحافة التي ظلت تنتهجها السلطة الأمنية، تراجعت منذ إعلان الرئيس الأمريكي السابق باراك اوباما رفع العقوبات الأمريكية على السودان مع وضع ستة أشهر تجريبية» مضيفة أن جهاز الأمن رفع يده عن الصحافة بأساليبه المباشرة، وتوقفت فعلياً المصادرات العقابية.
وتضيف، إن ذلك الوضع لم يستمر طويلاً حتى عاود الجهاز هجمته رغم أن المؤشرات تسير في اتجاه رفع كلي للعقوبات. وهي ترفض ربط حرية الصحافة بمخرجات الحوار الوطني وتعتبر ذلك غير مجد، «لأن كل مخرجات الحوار ذهبت أدراج الريح» وفي تقديرها أن قضية حرية الصحافة سوف تظل هكذا، لأن هناك قانونا للأمن الوطني يُخول لهذه السلطة أن تفعل ما تراه مناسباً وفقا لقوانينها.
وتضيف شمائل قائلة:» لا يوجد قانون في الصحافة يمنع الصحيفة من نشر حوار مع قائد متمرد، ما يوجد هو أن هناك حظرا أمنيا على نشر تصريحات قادة الحركات المسلحة، تُجدده السلطة وقتما رأت ذلك مناسباً، وإذا نشرت صحيفة حوارا مع قائد مسلح سوف تقع عليها عقوبة المصادرة، ليوم أو يومين، وفقا لما يقرره جهاز الأمن، في حين أن صحيفة ما يمكنها نشر أحاديث قادة التمرد وقت جولات التفاوض، لكن ما أن تنهار هذه الجولات، تقع على هذه الصحيفة العقوبة». مضيفة أن الحكومة تحاورالذين يحملون السلاح ضدها لكن لا ترغب أن ترى صورهم على صفحات الصحف.
وتضرب مثالا لحديثها وتقول:» قبل أيام صودرت صحيفة التيار عقابا على نشر حوار مع عبد العزيز الحلو، رئيس الحركة الشعبية شمال، والذي حدث أن السلطات الأمنية استدعت رئيس التحرير الذي تقع عليه مسؤولية النشر، وأبدت غضبها إزاء نشر الحوار وإبراز قضية تقرير المصير، لكن بعد يومين من هذا، امتلأت صفحات الصحف بأخبار صراعات الحركة الشعبية رغم ان الحظر الأمني يحذر من نشر الأخبار الموجبة أو السالبة التي تخص الحركات المسلحة».

خيارات محدودة

وترى أن الصحافيين خياراتهم محدودة إذا ما أرادوا اتخاذ خطوات جريئة، فالجرائد مثلا غير مملوكة لهم، والغالبية العظمى من الناشرين لا يريدون خوض معارك مع السلطة. وتضيف: «إذا أردنا الحديث عن مستقبل الصحافة في السودان فلا يمكن فصل ذلك من مستقبل السودان نفسه، فالوضع يُقرأ في كلياته وأن الحاجة ماسة لوضع سياسي جديد كلياً يضع الأمور في نصابها. من العسير أن تستقر الصحافة بينما الأمواج تتلاطم من حولها».
وأوضح أمين عام مجلس الصحافة عبد العظيم عوض في ورشة عمل سابقة أن عدد الصحف في السودان حاليا يبلغ 44 صحيفة منها 25 سياسية و11 رياضية و8 صحف اجتماعية منوها إلى أنها تطبع حوالي 116مليون نسخة في العام وتوزع حوالي 72مليون نسخة، مبينا أن التوزيع تراجع في عام 2016 بنسبة 21٪.
وقطع عوض بأن الحرية المتوفرة للصحافة السودانية لا توجد في الكثير من البلدان وقال إن بعض رؤساء التحرير طالبوا بإعادة الرقابة المسبقة لتجنيبهم الكثير من الحرج.
ويعتبر البعض أن حرب الإعلانات تقع ضمن حملة تأديب الصحف في السودان إذ يقول مزمل أبو القاسم وهو رئيس تحرير وناشر، إن إعلانات الحكومة تحتكرها شركة واحدة وتعطى للصحف وفقا لتصنيف سياسي، مؤكدا أن الحكومة تفرض رسوما على الإعلان تصل في بعض الأحيان إلى 27 في المئة.
وظل ترتيب السودان متأخرا في التصنيف السنوي لمنظمة «مراسلون بلا حدود» الخاص بحرية الصحافة حيث نال المركز 174 من 180 دولة في العالم والمركز قبل الأخير بالنسبة للدول العربية.

السلطات الأمنية في السودان تعاود حملة قمع الصحافة
بعد هدنة استمرت لفترة قصيرة
صلاح الدين مصطفى
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left