إعلان حماس هل هو طريق للمصالحة أم عودة إلى المربع الأول؟

إبراهيم درويش

Sep 23, 2017

قدمت حركة المقاومة الإسلامية «حماس» هذا العام سلسلة من المفاجآت التي تعبر عن تحولات في التفكير والمواقف السياسية، فمن اللجنة الإدارية إلى تعديل ميثاق الحركة بحيث أصبحت لغته موائمة للظرف السياسي، إلى انتخاب قيادة جديدة ومن ثم ترتيب العلاقة مع الجارة مصر وأخيرا ما أعلنت عنه الأسبوع الماضي من حل اللجنة الإدارية أو حكومة الظل، كما تطلق عليها السلطة وموافقتها على انتخابات والمضي على طريق المصالحة مع حركة فتح، منافستها على الساحة السياسية الفلسطينية. وأثارت تحولات حماس تساؤلات حول ما تريد تحقيقه بعد عقد من السيطرة على القطاع وحصار إسرائيلي ومصري، وإن كانت الحركة تريد تخفيف الضغوط التي زادت في الأشهر الأخيرة بسبب توقف السلطة عن دفع فواتير الكهرباء وغيرها من الالتزامات. وعليه فالسؤال إن كان قرار حماس المفاجئ الذي جاء متزامنا مع رحلة رئيس السلطة محمود عباس إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة وبعد اسبوع من المحادثات في مصر، سيقود بالفعل للمصالحة الوطنية وانتخابات، أم أنه تعبير عن موقف براغماتي لقيادة حماس الجديدة ومحاولة منها لتخفيف حدة الحصار المفروض على القطاع الذي يسكنه 1.8 مليون نسمة. ويرى مهدي عبد الهادي، من جمعية «باسيا» في القدس الشرقية أن اسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي ويحيى السنوار، مسؤول القطاع راغبان بفتح شريان حياة والتخفيف عن القطاع. وقال لصحيفة «نيويورك تايمز» (19/9/2017): «رفع الحصار وفتح المجال للناس كي يتنفسوا» وتوفير «كهرباء وماء ورواتب وأدوية بدلا من المتفجرات». وتعلق الصحيفة أنه بدلا من دفع الفلسطينيين باتجاه مستقبل مليء بالأمل فمقامرة حماس ليست إلا إعادة عقارب الساعة للوراء. فمصالحة وطنية تمنح حياة لمحادثات التسوية تقتضي سلطة وطنية فاعلة وتحولا كبيرا من حماس وموقفا مرنا من إسرائيل والولايات المتحدة. وفي الوقت الحالي لا يتوفر أي من هذه العناصر. فعدم الثقة من جانب حماس مع عباس ونفاد صبرها هو ما قادها لتعيين اللجنة الإدارية في آذار (مارس). وكان رد رئيس السلطة حاسما، حيث توقف عن دفع فواتير الكهرباء لإسرائيل التي خفضت تزويد القطاع بالتيار الكهربائي لأربع ساعات يوميا وأوقف إرسال الأدوية إلى غزة ودفع رواتب الموظفين وأحال عددا كبيرا منهم على التقاعد المبكر.

ماذا بعد؟

ومن هنا يرى محللون في البيان الذي أصدره هنية يوم الأحد عودة للعبة بين حماس وفتح إلى ما كانت عليه بداية العام الحالي، أي إلى ما قبل تحرك حماس لتعيين «حكومة الظل». وتساءل ناثان ثرول، المحلل في شؤون الشرق الأوسط بمجموعة الأزمات الدولية ومؤلف كتاب «اللغة الوحيدة التي يفهمونها: إجبار إسرائيل وفلسطين على التنازل» إن كان تحرك حماس لجعل اللجنة الإدارية دائمة قد نجح بعد أن «تحول إلى تنازل كبير لتفكيكها». ورغم تطلع الفلسطينيين للمصالحة بين فتح وحماس إلا أنه لا يعرف ماذا سينتج عن العرض الأخير خاصة في ظل عدم تغير الموقف الإسرائيلي والأمريكي من الحركة التي لم تنبذ العنف أو تعترف بإسرائيل. ومن هنا فلن تسمحا لحماس بالمشاركة في السلطة في الضفة الغربية وفي السلطة الوطنية بشكل عام. ولم تشر حماس إلى السلاح ما يعني أنها ستظل المهيمنة على الأمن في القطاع حتى لو أرسل عباس قواته الأمنية. وبنفس المثابة لن يدعو إلى انتخابات جديدة خشية أن تفوز بها حماس كما فعلت في عام 2006. كما ولن تسارع السلطة لتحمل مسؤولية القطاع وتوفير الخدمات في وقت تقف فيه حماس جانبا. وكما يقول ثرول «من المنظور الخارجي، فلا يسيطرون (السلطة) على غزة اليوم ولهذا فستكون عودتهم أحسن من لا شيء» ولكن السلطة تنظر إليها من جانب آخر «لماذا أتحمل العبء واللوم في نفس الوقت».

الدور المصري

ربطت حماس إعلانها أنه جاء تلبية للدور المصري، حيث شكرت القيادة المصرية واهتمامها بالوحدة الوطنية الفلسطينية وأثنت على جهود المخابرات العامة. وبالتأكيد فحماس تعتمد على مصر بشكل كبير من ناحية المعبر الوحيد لها على العالم الخارجي وحركة السكان وتريد علاقة جيدة مع حكومة عبد الفتاح السيسي التي قامت بحملة تضييق على الحدود وتدمير للأنفاق بعد الانقلاب على حكومة محمد مرسي عام 2013. وتقدمت الحركة هذا العام بسلسلة من التحركات، ففي أيار (مايو) نشرت الحركة وثيقة مهمة حذفت منها البند في الميثاق الذي يشير لعلاقتها مع الإخوان المسلمين. ووافقت على الطلب المصري لإقامة منطقة عازلة على الحدود المصرية مع غزة لغرض احتواء تحركات الجهاديين من وإلى سيناء. ويرى محللون أن سبب تدخل مصر نابع من النظرة التي ترى انها متواطئة مع إسرائيل في حصار غزة ومعاناة سكانه. وهي لا تريد أن تتحمل المسؤولية حال اندلع العنف فيه. بل على العكس يقول المراقبون إن مساعدة القاهرة في تخفيف الحصار سيعيدها للدور السابق وهو الدفاع عن القضية الفلسطينية. وبدأت جهود التقارب المصرية من حماس بشكل متسارع في عام 2014 كجزء من الجهود لتحقيق الاستقرار في سيناء حيث يخوض الجيش حربا دموية هناك مع فرع «الدولة الإسلامية» أو ما يعرف بولاية سيناء. وساعد في تسريع الجهود أيضا الأزمة الخليجية التي اندلعت في حزيران (يونيو) وقادتها السعودية والإمارات ضد قطر. وانضمت مصر إلى الحملة، حيث اتهمت الدوحة بتمويل حماس من ضمن أشياء أخرى. وكانت قطر هي الممول الرئيسي للمشاريع في قطاع غزة.
ومن هنا وجدت مصر والإمارات في خسارة حماس الراعية فرصة للدخول. وفي هذا الصيف فتحت مصر معبر رفح أكثر من مرة بشكل دفع حماس لتقديم معلومات عن نشاطات الجهاديين في سيناء. ولم يكن التعاون بدون ثمن، فقد عانت الحركة من عمليات انتقامية أدت لمقتل أربعة من عناصرها. وكما يقول أورلاندو كروكروفت في «نيوزويك» (17/9/2017) فقد وجدت حماس نفسها أمام تحد ليس من مصر وإسرائيل وفتح ولكن من المتشددين الإسلاميين الذين تأثروا بتنظيم «الدولة» في العراق وسوريا و«ولاية سيناء» أيضا. وشن هؤلاء هجمات صاروخية على إسرائيل حملت حماس مسؤوليتها. ومع تدهور الأوضاع أبدى السنوار لهجة تصالحية، ووصف الانقسام بداية هذا العام بأنه «انتحار لمشروع حركة التحرير الوطني». ووعد بحل اللجنة الإدارية وهو وعد أوفى به يوم الأحد بشكل وضع الكرة في ملعب عباس الذي لو وافق على عقد انتخابات فسيضع حركته والمناطق الفلسطينية أمام أزمة سياسية. فلو فازت حماس فستقوم إسرائيل والولايات المتحدة بتجميد الدعم كما حصل عام 2006 لأنهما تعتبران الحركة كيانا إرهابيا.
ولكن هناك أسبابا شخصية، منها الدور الذي لعبه محمد دحلان القيادي المفصول من حركة فتح والذي أصبح الشخصية المفضلة لدى كل من مصر والإمارات ويعتبر العدو الرئيسي لعباس. واتهمه الأخير بالفساد. وتحضر هذه الأطراف دحلان، 55 عاما، للعب دور مهم بعد رحيل عباس، 81 عاما. ومع أن شعبيته ليست كبيرة في غزة ويتذكر الإسلاميون قمعه لهم عندما كان مسؤولا عن أمن غزة. وبعد سيطرة حماس على القطاع عام 2007 وخروج فتح وتحميله مسؤولية خروج غزة عن سيطرة السلطة عاش في المنفى متنقلا بين أبو ظبي والقاهرة. وفي ظرف الضائقة المالية التي تعيشها حماس ونتيجة لتداعيات حصار قطر، فربما كانت الحركة مستعدة لتناسي الماضي وفتح الباب أمام عودة أنصاره إلى القطاع مقابل الحصول على دعم مالي من الإمارات. ويعني هذا خروجا من العزلة المفروضة عليها. ولكن هل يعني هذا أن الفلسطينيين في طريقهم للمصالحة؟ كما أشرنا أعلاه فالرغبة لتحقيقها عامة بين الفلسطينيين، لكن المحاولات التي جرت منذ عام 2007- 2014 لم تنجح. وتقول مجلة «تايم» (19/9/2017) إن الفلسطينيين اليوم موزعون بين غزة تحت حكم حماس والضفة الغربية حيث يدير عباس أرخبيلا من المدن والبلدات التي قطعها التوسع الاستيطاني. أما فلسطينيو الشتات في الأردن ولبنان وسوريا فتمثلهم منظمة التحرير الوطني من الناحية النظرية. ويقول ثرول إن حل اللجنة الإدارية قد يؤدي لتخفيف الإجراءات العقابية التي اتخذتها السلطة.

مصالحة أم خصام؟

ومن ناحية المصالحة ترى «تايم» أن هناك سجلا متقلبا فيها بين النجاح والفشل. فلم تعمر حكومة الوحدة الوطنية التي شكلت عام 2007 حيث سيطرت حماس على القطاع. وفي عام 2014 قامت إسرائيل بضرب قطاع غزة مدة 52 يوما وقام عباس في نهاية ذلك العام بحل حكومة الوحدة. وتقول المجلة إن هناك القليل الذي يقترح أن السلطة الوطنية قد غيرت موقفها من حماس. ويرفض مسؤولو فتح فكرة بقاء السلطة الأمنية بيد حماس في القطاع. ولهذا فمن المستبعد أن تتخلى الحركة عنها لأنها تمثل مصدرا للنفوذ لها. ورغم ترحيب عباس بالخطوة الأخيرة واتصاله بهنية، إلا أن فكرة المشاركة مع منافسيه في حكومة جديدة قد لا تلبي طموحاته. ويقول المحللون إن قرار الرئيس الفلسطيني فرض عقوبات على شعبه لدليل على انه لا يريد التنازل. ويقول معين رباني، من معهد الدراسات الفلسطينية إن «محمود عباس لن يقبل أي شيء غير تنازل حماس بدون شروط» و «هو مستعد لحرق غزة ومراقبة تجويع كل واحد داخلها حتى يحصل على تنازل غير مشروط». وتعلق المجلة، أن الخطوات الأخيرة التي اتخذتها حماس تأتي في «موسم التغير للحركة الإسلامية» مشيرة إلى ورقة «المبادئ والسياسات العامة» التي تبنت فيها موقفا براغماتيا من ناحية الحل السياسي والقبول بحدود عام 1967 والخطوات الأخرى لإصلاح العلاقة مع مصر وإيران التي توترت العلاقة معها بسبب موقف الحركة من سوريا. وتظل هذه الخطوات سهلة أكثر من حل الخلافات العالقة بين الأخوين. ولن تتحقق المصالحة كما يقول عبد الستار قاسم، استاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح لموقع الجزيرة الإنكليزية (21/9/2017) بحل اللجنة الإدارية «وحتى لو حلت فيجب أن تكون هناك لجنة أخرى لمتابعة الشؤون اليومية لسكان قطاع غزة»، وما فعلته حماس هو أنها رمت الكرة في ملعب السلطة، والسؤال فيما إن كان عباس سيبلع الطعم أم لا؟ وفي النهاية تشي التطورات على الساحة الفلسطينية عن مدى الضغوط التي يتعرض لها كل لاعب من حماس إلى السلطة ودحلان وإسرائيل ومصر، ومحاولة كل طرف المناورة ولعب ما بيده من أوراق وفي داخل هذه المناورات يظل حلم المصالحة عالقا في انتظار غودو.

إعلان حماس هل هو طريق للمصالحة أم عودة إلى المربع الأول؟

إبراهيم درويش

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left