أبعاد ما بعد الحداثة تأسيس معرفي ضد هيمنة الغرب الاستعماري

د. مصطفى عطية جمعة

Sep 23, 2017

يرى مفكرو ما بعد الحداثة أن قيم التنوير الأساسية: العقل، الطبيعة، الحقوق، الصدق، الأخلاق، الحرية والتقدم؛ لا فائدة منها. فهي لا تعدو أن تكون أغلفة للإمبريالية الغربية، سعت من خلالها إلى السيطرة على العالم، لتكون محصلة أعمالهم تحررا قاسيا وحضارة قاسية. وقد رفض مفكرو ما بعد الحداثة أن يكون التنوير تحريرا للعقل ورفعه فوق الدين، وهناك من اعتبر التنوير بمثابة النظام القديم الذي مهّد للجديد، المتمرد عليه وهو فكر ما بعد الحداثة، الذي رأى أن العقل الحداثي مستبد ويجنح إلى التفكير الشمولي، وهناك من رآه حركة اجتماعية بجانب كونه حركة عقلية، ويمكن فهمه من خلال الفحص الدقيق لديناميات الطبقات والمؤسسات والعلاقات الاجتماعية والقوى المادية التي تضافرت لتدمير النظام القديم، تمهيدا للثورة الفرنسية.
وفي ضوء ذلك، يمكن أن نحدد اتجاهات وأبعادا لما بعد الحداثة، تعيننا في فهم هذه الحركة الفكرية، وإدراك أطرها، والتي هي مراجعة حقيقية لمفاهيم حداثية ارتبطت بالاستعلاء الاستعماري في العالم، وذلك في أبعاد متعددة:
أولها: البعد المعرفي: ويتمثّل في مجتمع المعلوماتية، حيث اكتسبت المعرفة مشروعية وسلطة وقوة في آن واحد؛ وصارت سلعة تباع وتشترى، وسلطة متحكمة، من امتلكها بات غنيا قويا. وترى ما بعد الحداثة أن المعرفة هي القوة الرئيسية للإنتاج، وهي بالتالي عنق الزجاجة للدول النامية، إلا أن المعرفة صارت سلعة وسلطة في آن، وهذا ما وضح من خلال نشوء الشركات متعددة القوميات (الجنسيات)، والتطور الهائل في صناعة البرمجيات ووسائل الاتصال، وتطور الاقتصاد من الزراعة والصناعة، إلى مجال المعلومات ذاته، وتحوّل العالم إلى سوق دولية، وهذا يواكب العولمة وثورة الاتصالات، حيث انفتحت الأسواق العالمية للشركات العملاقة، وازدهرت تجارة الخدمات والاتصالات والمعلومات، متخطية المجتمع الصناعي، مدشنة ما بعد الصناعي.
ثانيها: البعد الاجتماعي: ويبدو في تحوّل وظيفة الدولة، وصورة المجتمع، ويكفي القول إن وظائف الضبط وإعادة الإنتاج، تُسحَب من البشر، وتوكل إلى الآلات، ويكون السؤال المحوري: من سيكون له حق الوصول إلى المعلومات اللازمة لاتخاذ القرارات الصحيحة؟ والإجابة ستكون للخبراء والطبقة الحاكمة الآن، وهؤلاء سيظلون محتكرين لصناعة القرار، كما تغيرت الطبقة السياسية فباتت شريحة مركبة من رؤساء الشركات والمديرين رفيعي المستوى ورؤساء المنظمات المهنية والعمالية والسياسية والدينية، وتراجعت أقطاب الجذب القديمة في الدول القومية مثل قادة الأحزاب والطوائف والقبائل، في الوقت نفسه تراجعت الروابط العائلية والقبلية والعرقية، وانتشرت الأسر الصغرى وتعاظمت الفردية.
البعد الثالث: تحطيم الأنساق الفكرية القاهرة والمغلقة: والتي تأخذ عادة شكل الإيديولوجيات، على أساس أنها تقدّم تفسيرا كليا للظواهر، وقد ألغت في ذلك التنوّع الإنساني، وانطلقت من قناعة وهمية، تجعل العالم يدور في فلك ايديولوجيتها.
لذا؛ فإن مفكري ما بعد الحداثة يشددون على أهمية انفتاح أي نص/كتاب لقراءات متعددة، ويدّعون أن المؤلف قد مات بانتهاء إنشائه النص، ويبقى النص منفتحا على عشرات التفسيرات والتأويلات.
والبعد الرابع: يتمثل في تحطيم مفهوم الذات والموضوع الحداثي، فلا سلطة فكرية للمؤلف أو المفكر، هو فقط يبدع ويضع فكره، وعلى الجميع أن يقرأوا هذا الفكر، ولهم الحق في قبوله أو رفضه، دون هيمنة من المؤلف، لأن المؤلف ببساطة ليس سوى عنصر يخضع لوقع النسق الاقتصادي والسياسي والثقافي، فقد انتهى الزمن الذي كان يقوم فيه نسق فكري مغلق وحيد في صياغة أهداف المجتمع وغاياته. فحركة ما بعد الحداثة تنادي بتقليص دور النظرية، وتركز على ديناميات التفاعل في المجتمعات المحلية تلافيا لعملية التعميمات الجارفة التي تلجأ إليها النظريات، مما يؤدي إلى الاعتراف بالفروق النوعية، وصور التعددية الثقافية والاجتماعية والسياسية. فنحن نحيا في عصر التنوع والانفتاح، وقبول مختلف الثقافات المحلية والعالمية، وبالتالي لا مجال لحصر فكر أو إلغاء هذا الفكر بحجة الاستقرار.
إن مختلف الإيديولوجيات التي سادت العقل الحداثي، إنما انتشرت وتدعمت بإرادة السلطة، فلابد من تشخيص الواقع كما هو، وليس كما يتخيله العقل، فالواقع المسجل من قبل، لا يعدو أن يكون صدى لانهيار العقل الكلاسيكي.
أما البعد الخامس فيبدو في دراسة تأثيرات الجمالي: ويعني أن الأطر الجمالية التي تقدّم لنا الشخصيات والمثل والقيم، تخدع الجماهير، وتزيف وعيهم، حيث يعاد بناء الشخصية ـ وإن ضعفت قدراتها ـ في وسائل الإعلام، ويتم تعليبها وتصديرها والترويج لها، فهي خداع على خداع، أي اللعب بتقنيات السوق في الترويج لما هو فكري وسياسي واجتماعي، دون النظر إلى الرسالة الثقافية التي تسطح العقول، وتجعل الفضاء الاجتماعي متشبعا تماما بثقافة الصورة أو ما يسمى بتسليع الفن، وإن تميزت ما بعد الحداثة بقبولها واستيعابها لجميع أشكال الفن الراقي والشعبي، ضمن اعترافها الإيجابي بالثقافات المختلفة، سواء كانت رسمية أم شعبية، أساسية أو هامشية .
لقد سعت المؤسسات الثقافية في الغرب عامة، والولايات المتحدة خاصة إلى إبعاد الثقافة والفن عن ميدان السياسة، لينحصر الفن في طرح ما هو جمالي، بعيدا عن مناقشة القضايا السياسية، خاصة قهر الشعوب الضعيفة، والحالة الواضحة لذلك تتمثل في تجاهل الفن الأمريكي ـ عدة سنوات ـ لمأساة فيتنام، وتورط الولايات المتحدة الأمريكية فيها بقتل مئات الآلاف من الفيتناميين، في الوقت الذي كانت تتغنى فيه بقيم الديمقراطية، حتى جاءت الشرارة من الإبداع المسرحي.

أبعاد ما بعد الحداثة تأسيس معرفي ضد هيمنة الغرب الاستعماري

د. مصطفى عطية جمعة

- -

7 تعليقات

  1. مقال تحليلي هام جدا وفيه نظرة تدعو للتأمل وإعادة تقويم الواقع الأني والماضي القريب والبعيد، ولكن نهاية المقال تركتنا في حيرة وترقب كونه يختتم بنهاية مبهمة ” حتى جاءت الشرارة من الإبداع المسرحي..” تركنا الدكتور مصطفى عطية جمعة متشوقين لنعرف ماهية هذه الشرارة الإبداعية وكيف وقفت في وجه التجاهل الأمريكي للفن، فالفنون السبعة التقليدية هي وحدة متكاملة حسب معرفتي المتواضعة فكيف جاء الابداع من المسرح ولم يأت من السينما مثلا أو الموسيقى او الفن التشكيلي مثلا…

    • فعلا بحاجه لتوضيح – لماذا جاءت الشراره بالذات من المسرح؟ متى كان ذلك وكيف؟؟
      لماذا لم تكن السينما هي الشرارة؟؟
      باعتقادي السينما وليس المسرح.

  2. لقد أثبت النظام الإقطاعي الذي مرت به أوروبا مدى هشاشة المجتمع الأوروبي رغم أنه قامت ثورة فرنسية تأثرا بحضارة العرب في غرب أوروبا ، إسبانيا ، ومع ذلك فلو تعرضت شعوب أوروبا لما يتعرض له الآن العرب لأبيدت أوروبا عللى بكرة أبيها.
    الوضع الحالي لأوروبا يشجع على تقسيمها ثم إضعافها حتى تعتل أنظمتها لترفع يدها عن العرب كذلك الشأن بالنسبة لأمريكا بعد تفكيك ولاياتها ثم تجزئة تلك الولايات ما ادامت الأرضية مناسبة لتقسيمها.
    العرب سوف لن يستحقوا قوات عسكرية لتفتيت من يستولون على ثرواتهم وعلى من يجثمون على وطنهم بل يتطلب الأمر توعية.

  3. نقال جميل جدا وشكرا اخي الماتب مصطفى على هذا المقال. لمن برايي هناك بعض او نوع من التداخل بين الحداثة ومابعد الداثة في المقال، وبحسب فهمي للحداثة فان البع الاول والثالث هي من ابعاد الحداثة. بينما الاول والرابع هي من ابعاد مابعد الحداثة او بالمفهوم التاريخي العصر المعاصر اما بالتسبة للبعد الخامس فقد اوضحه الكاتب باختصار بمثال الثقافة الامريكية ولكن الفن والجماليات لها طابع مختلف بين الثقافات المختلفة. وعلى جنيع الاحوال المقال ممتع ويحتوي على معلومات جيدة جدا وتسمح لنقاش واسع وكلي امل ان اقرا مزبدا من التعليقات.عن هذا الموضوع وان يكون للموضوع مقالات تالية في المستقبل.

    • فعلا مقال جميل وامل ان يتحفنا الكاتب المزيد في هذا المجال.

  4. باعتقادي ان التفسير لعدم معالجة الفن في أمريكيا للمسألة الفيتناميه يكمن في ان أمريكيا لم تستوعب ان الضحيه هم الفيتناميين وانما أمريكا فهمت هذه الحرب او بالأحرى سوقت للامريكيين بانها حرب عادله. الأمريكيين تعاملوا مع هذه الحرب على انها هزيمه وصدمه نفسيه مرغت انوفهم في التراب. ردة الفعل المتأخره هي طبيعيه في هذه الحاله لهول الصدمه. كل صدمه تمر في فترة سبات وقهر قبل ان تعاود الظهور بشكل قهري كما ظهر في السينما الامريكيه بصورة أفلام رامبو وغيرها وهي بمثابة حالة تعويص عن الخسارة.
    ولكن ربما الكاتب اخبر منا في انها ظهرت في المسرح أولا.

  5. أعتقد أنّ الكاتب قدّم تعريفا صحيحا لمفهومي الحداثة و ‘ما بعد-الحداثة’. انخرطت الأولى _أي الحداثة_ في مسار حركة قامت من صلب قوى التّاريخ للإطاحة بالنّظام القتيق لمنظومات ما قبل عصر الأنوار’ و هي منظومات تبرّر و تزكّي العلاقات الإقتصاديّة و السّياسيّة ببراهين ميتافيزيقيّة حتّى أنّ التّجرّؤ على نقدها أو خدشها كان يعدّ هرطقة و كفرا. لكنّ قراءة نقديّة لمفهوم الحداثة الغربيّة يبيّن بجلاء لا غبار عليه كيف أنّ منظّرين غربيين من أمثال فرانسيس فوكوياما و برنار هنري لفي المنتحل لشخصيّة فياسوف الحركات التّحرّريّة في العالم العربي (ليبيا’ تونس’ سوريا إلخ…) ما هم إلّا أمثلة عن الحداثة الغربيّة هي بالدّرجة أداة استعماريّة بيد الغرب الّذي استخدم كلّ المؤسّسات العالميّة لإحكام سيطرته على ثروات و مصائر الجغرافيا العربيّة محوّلا إيّاها إلى ‘جغرافيات’ ذات حدود مؤقّتة في انتظار الإنفجارات و التّقسيمات المقبلة. أمّا مفهوم ‘ما بعد-الحداثة’ فجذوره ثابتة في حركات التّمرّد لسنة ثمان و ستّين و تسعمائة و ألف من القرن الماضي. فهي سعت إلى ربط مصائب الأمم الواقعة خارج الغرب الإستعماري بالحداثة الغربيّة الّذي أتّهموه بما اصطلح غليه بعبارة الأوروسنتريسم’. و معناه أنّه لا يصحّ إسقاط أفكار و تمثّلات الغرب على الآخر الّي يقع خارج مجالاته الثقافيّة. هذا الشّرخ بين الغرب المتتمترس في سياساته البربريّة و المتسلّح بأنانيته و غطرسته لن يكةن في عوز فلسفي عندا يرتبط الأمر بالسّلطة و الثّروات التي ترصدها مؤسّساته التّنقيبيّة و البحثيّة…و على سبيل المثال’ فحتّى طبق الكسكسيّ المغاربيّ الّذي تناوله مسؤول في هرم الحزب اليميني الفرنسيّ (معطي ثقافي بامتياز) كان حجّة كافية لإحداث زلزال سياسيّ صلب المبنى الفكريّ لحزب ‘الجبهة الوطنيّة الّذي تقوده مارن لوبان في فرنسا. ألغرب يسعده أن يصدّر انتاجاته إلى خارج حدوده’ و في نفس اللّحزة يثير غضبه و سخطه رءية الآخر يتسلّل إلى داخل دائرة فضائه الحميميّ… مع هذا كلّه أحتفي ب ديكارت و فيكتور هوقو و فولتير و سارتر و جان جناي و لامارتين و غيرهم…

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left