«النبأ الذهبي» الذي أنقذ إسرائيل من الهزيمة في حرب أكتوبر

ياريف بيلغ

Sep 30, 2017

في «12 تشرين الأول/ أكتوبر 1973 ينعقد الكابينيت الأمني مع قيادة الجيش الإسرائيلي ورئيس الموساد تسفي زمير في ساعات الظهيرة، في بحث مصيري عن خيار اجتياز القناة. قائد الجبهة الجنوبية، الفريق احتياط حاييم بارليف، الذي يمثل رأي كبار رجالات قيادة المنطقة الجنوبية، يؤيد الاجتياز ويقترح إجراءه كما هو مخطط له في الغداة.
قائد سلاح الجو، اللواء بني بيلد يؤيده. بالمقابل، نائب رئيس الأركان اللواء إسرائيل طل يعارض بشدة ويدّعي أن الاجتياز في مواجهة جيشين مصريين مدرعين وجاهزين، معناه فشل ذريع على نحو شبه مؤكد.
في هذه المرحلة، عندما يكون من الصعب على رئيسة الوزراء غولدا مئير، الوزراء وقيادة الجيش، بمن فيهم رئيس الأركان دافيد العزار (دادو) اتخاذ القرار، يُستدعى زمير على عجل، مثلما في الدراما المسرحية، إلى الهاتف. فيتلقى نبأ لا يمكن التقليل من شأنه ـ «النبأ الذهبي».
بعد 44 سنة من ذاك اليوم المصيري، يتذكر هذا الأسبوع زمير ابن الـ 92 تلك اللحظات الدراماتيكية عند تلقي النبأ، ويستعيد الذكرى فيقول: «كان وضع الجيش الإسرائيلي في الجبهة الجنوبية مقلقًا جدَا.
وقال ديان عندها: إذا فشلنا في هجوم آخر فسنضطر إلى القتال على مشارف تل أبيب. وكانت الصورة قاتمة وصعبة. طلبت غولدا من الحاضرين كلهم أن يكتبوا رأيهم على ورقة ويوقعوا عليها، وذلك لأنه كنا بحاجة في تلك اللحظة إلى اتخاذ قرار تاريخي. «وعندها فُتح الباب واستدعيت على عجل. وعلى الهاتف تحدث معي رئيس مكتبي باردي عيني، المسؤول عن الأنباء التي يتلقاها في الموساد يوئيل سولومون. بلغوني بالمصدر الذي لم أكن أعرفه شخصيا، لكن أعرف وجوده، الذي نقل نبأ يقول: إن المصريين يعتزمون أن يُنزلوا في الأيام المقبلة المظليين من المروحيات على الهدف الذي أرادوا أن يهاجموه، خلف الجدي والمتلة. وكنت أعرف أن المصدر ذو مصداقية، وقدرت بأن المصريين لن ينفذوا مثل هذه الخطوة فقط بقوات تنزل بالمروحيات، بل ستترافق واجتياز قوات مدرعات تهاجم خط المعابر أيضا.
«بلغت ما سمعت وأضفت: انظروا، خطة المصريين معروفة للموساد، وقد نقلناها إلى شعبة الاستخبارات أيضا. فهم يريدون تنفيذ هجوم آخر بعد أسبوع من اندلاع الحرب لاحتلال مناطق مهمة في عمق سيناء. أقترح أن ننتظر عدة أيام لنرى إذا كانوا سينفذون الخطة بإنزال القوات. أنا لا أؤيد هجومنا واجتياز القناة، فهجمات كهذه سبق أن فشلت، ولا أرى أي احتمال لنجاح أي هجوم آخر. فأخذت غولدا ورئيس الأركان دادو برأيي، وقالت غولدا، يا رفاق، تسفيكا أنهى لنا النقاش».
لفهم الأهمية الحاسمة للنبأ، من المهم العودة إلى الأيام التي سبقت وصوله. في 8 تشرين الأول 1973، بعد يومين من اندلاع الحرب، يتكبد الهجوم المضاد المتسرع من الجيش الإسرائيلي في سيناء بالفشل. وبالتوازي، فإن الجهود لاقتلاع استحكامات المصريين شرق القناة لا تنجح. وكان الوضع في الجبهة الجنوبية في أسوأ حال، والجمود في هذه الجبهة مقلق.
في 10 تشرين الأول بحثت قيادات المنطقة الجنوبية مع رئيس الأركان دادو في المسألة المصيرية وكيفية تغيير وجه المعركة. وكانت الخيارات على الطاولة صعبة. واحد ـ الجهد لاقتلاع المصريين من شرق القناة، الذي سيجبي من قواتنا ثمنا باهظا بالقوى البشرية والمعدات، في الوقت الذي تآكل فيه الجيش في المعارك، ولا سيما بالطائرات والطيارين؛ الثاني، اجتياز القناة، وهو رهان خطير وإمكانية للفشل ـ ولا سيما في مواجهة فرقتين مصريتين مدرعتين توجدان خلفها؛ والثالث، إبقاء الوضع القائم ما يعني جمودا عسكريا. حرب استنزاف في خطوط صعبة وتجنيد طويل للاحتياط لا يمكن أن تتعايش إسرائيل معه.
بارليف، والجنرالان شموئيل غورديش غونين، قائد المنطقة الجنوبية، واريك شارون، قائد الفرقة 143، يؤيدان بحزم اجتياز القناة ويدعيان بأن من الواجب تغيير الوضع العسكري، وتحقيق مبدأ القتال الإسرائيلي لنقل الحرب إلى أرض العدو وتحقيق انجازات استراتيجية. دادو يتردد، ولكن يريد أن يصل في أقرب وقت ممكن إلى وقف إطلاق نار، وإلى «إعادة التنظيم» ومعني بأن تأخذ القيادة السياسية نصيبها من القرار الحاسم في ذلك. وزير الدفاع موشيه ديان غير مستعد لقبول فكرة وقف النار، بل ويرى فيها نوعا من الاستسلام. ولكن هو أيضا يتردد في موضوع الخيار العسكري المفضل ـ فينتقل النقاش إلى طاولة الحكومة.
في إطار هذا كله، فإن الأجواء العامة في القيادة العسكرية والسياسية متكدرة. وكما يذكر، عندما عاد ديان في 7 تشرين الأول من جولة في الجبهتين الشمالية والجنوبية، بدا كمن خرب عالمه، يتحدث عن إمكانية انسحاب في سيناء وضياع ذخائر حيوية، واقتبس كمن يقول لغولدا: «أخطأت، نحن عرضة لكارثة، قد يكون هذا خراب البيت الثالث». غولدا نفسها يقتبس عنها كمن قالت «إذا كان ديان محقا، فسأنتحر». في هذه الأجواء الصعبة تنعقد، كما أسلفنا، القيادة السياسية والأمنية في 12 تشرين الأول وتتردد بالأساس، وعندها يأتي النبأ المصيري ـ النبأ الذهبي.
زمير يقول «دادو قال إنه يعد لواء المدرعات للصد، على افتراض أنه بعد إنزال المظليين ستجتاز الفرق المدرعة المصرية القناة وتهاجمنا. وبالفعل، بعد وقت قصير اجتازت المدرعات المصرية القناة وهاجمت، ولكن الجيش الإسرائيلي ضربها صدمة على الركبة بشكل حطم المصريين معنويا أيضا. هذا النصر سمح لنا بالخروج إلى هجوم خاص بنا وأن يتم اجتياز القناة بسهولة نسبية أكبر. هذا لم يكن بالطبع هجوما سهلا، ولكن وصول النبأ والاستعدادات التي نفذت في أعقابه، حسنت بالتأكيد الوضع بالنسبة لنا».
كما أن النبأ الذي تلقاه زمير تداخل أيضا مع الضغط السوري على المصريين لتشديد قوة الحرب في الجنوب للتخفيف من الضغط الإسرائيلي في الشمال، الذي شكل منذ ذلك الحين تهديدا خطيرا لدمشق.
لم يكن المصدر هو أشرف مروان، بل مصدر آخر في مصر. وكان العميد احتياط اهارون لبران (85 سنة) رجل سلاح الاستخبارات الحاصل على وسام الشرف، كان في الحرب نائب رئيس دائرة البحوث في شعبة الاستخبارات، ويعرف عن كثب المصدر، وكان له الحق الأول لوجوده وأدائه. لبران، يحلل هنا لأول مرة الأهمية الحاسمة للنبأ فيقول: «النبأ الذهبي وصل بيقين فقط من ذاك «المصدر الآخر». أتذكر أنه في ذاك اليوم الذي وصل فيه النبأ كنت في الكرياه. وعندما عاد دادو من البحث مسح جبينه وقال: «أنا الآن اعرف ما العمل»».
وبالفعل، في 14 تشرين الأول اجتازت قوات مدرعة مصرية القناة نحو الشرق. القوات، التي تضمنت فرقة المدرعات 21، على الأقل لواء مدرعات واحد من فرقة المدرعات 4 ولواء مؤلف من الفرقة 23، ضربها الجيش الإسرائيلي في إحدى معارك المدرعات الأكبر في حروب إسرائيل. وحسب قائد الجيش المصري، سعد الشاذلي، في ذاك اليوم دمرت 250 دبابة مصرية، واعترف المصريون لأول مرة بتدمير 100 دبابة لهم. وهكذا انقلبت صورة المعركة في الجبهة الجنوبية رأسا على عقب بفضل النبأ الذهبي.

إسرائيل اليوم 29/9/2017

«النبأ الذهبي» الذي أنقذ إسرائيل من الهزيمة في حرب أكتوبر

ياريف بيلغ

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left