أطماع أم مخاوف إقليمية من كردستان العراق

أمير المفرجي

Oct 09, 2017

أدخلت نتائج استفتاء الانفصال الذي أُجري في إقليم كردستان، العراق في دوامة جديدة من الأزمات الداخلية والدولية والمزايدات، التي تؤثر على خصوصيته كوطن متعدد القوميات والأديان في منطقة الشرق الأوسط.
وهو الأمر الذي ترفضه أغلبية العراقيين، خشية من احتمال وقوع حروب أهلية نتيجة لبدء انفصال المكونات الأخرى حال وقوعه. إلى جانب رفض واضح من حكومة حيدر العبادي لهذا الاستفتاء، خوفا من التأثير على المساعي المستمرة لمواجهة تنظيم «داعش»، ناهيك عن مخاوف القوى الإقليمية المجاورة للعراق، وعلى رأسها تركيا وإيران لهذا التصعيد الخطير من مطالبات أخرى بانفصال شبيه من الكرد داخل أراضيهما، في الوقت الذي رحبت حكومة نتنياهو بصورة علنية، مباركة حسب رأيها «الجهود المشروعة» للشعب الكردي، في إعلان الدولة الخاصة به.
وإذا كان خشية تركيا وإيران من أن يؤدي الاستفتاء إلى التحريض على عودة الحركة القومية الكردية، حيث يتواجد أكثر من 3 ملايين كردي في سوريا ونحو 7 ملايين في العراق و8 ملايين في إيران، وأكثر من 20 مليونا في تركيا، يبدو واضحا، أن الترحيب الإسرائيلي بقيام دولة كردية مستقلة غنية بالنفط والمياه، سيشجع مجال الاستثمار ويهدد في النهاية المصالح الاقتصادية لإيران وتركيا في شمال العراق. وهذا ما قد يغير طبيعة الاستفتاء بالانفصال وتطوره من حالة للفشل السياسي في مسار الدولة العراقية، بعد تقسيمها إثنيا وقوميا، إلى صراع إقليمي لتقاسم أرث الدولة العراقية المحتضرة بين القوى الرئيسية الثلاث في الشرق الأوسط من دون التصادم المباشر بينها.
وفي خضم هذه التطورات والمواقف الدولية والإقليمية الرافضة، يبقى الموقف الإسرائيلي وحيدا وصريحا في دعمه لمساعي الإقليم نحو الانفصال، ووقوفه بجانب دولة كردية منفصلة عن العراق، بما يخدم مصلحة الدولة العبرية، التي يدخل ضمن رغبتها تعزيز الكيانات السياسية المنفتحة عليها، واستعداد الزعماء الكرد لبناء علاقات معها، وصولا الى الهدف المرسوم، المتمثل في عزل العراق استراتيجيا واقتصاديا عن خطوط النفوذ التركي ـ الإيراني المتاخمة للجغرافيا الكردية في شمال العراق.
لقد كشفت أحداث المشهد السياسي الكردي الأخير، حجم الدعم السياسي لإسرائيل والشخصيات السياسية الغربية القريبة منها، لسياسة رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني، في سعيه للانفصال عن العراق، على الرغم من رفض الزعماء الكرد لفحوى هذه المؤشرات، من خلال المحاولة على تكذيبها والمراوغة على وقائعها، في الوقت الذي أبدى الجانبان التركي والإيراني، قناعتهما في أن تل أبيب لعبت دورا في تنظيم الاستفتاء، متوعدين سلطات الإقليم بأنها «ستدفع الثمن» بعد الاستفتاء.
لا شك في أن التواجد المشترك لهذه القوى الإقليمية القائم على جدلية الانسجام والتنافس، واستحالة الصدام المباشر، اعتمد على نقل التنافس الى ساحات ممزقة تتمتع بعناصر التأثير والتواجد كلما اقتضت الضرورة، كما هو الحال في كردستان العراق. لقد كان لغياب الدولة بمفهومها الوطني البعيد عن معيار المذهبية والقومية هو السبب الرئيسي في صراع الآخرين على العراق. فلو كان العراق في ظل نظام وطني، لما تجرأت هذه الدول الإقليمية على التلاعب بمقدراته، ولكان من الممكن إيجاد حل عادل للقضية الكردية. بالعكس، وفي الوقت الذي تصعد الدول الإقليمية في صراعها في شمال العراق، أظهرت الولايات المتحدة الأمريكية رفضها الاعتراف باستفتاء انفصال إقليم «كردستان العراق»، ووصف نتائجه على انها تفتقر للشرعية. حيث تستمر إدارة الرئيس دونالد ترامب في دعم «عراق موحد اتحادي وديمقراطي» داعية بغداد وأربيل إلى التحلي بالهدوء وإنهاء التهديدات المتبادلة، محذرة من ان انفصال الكرد قد يسبب زعزعة الاستقرار في عموم في المنطقة. وهنا لا بد من التأكيد على الموقف الفرنسي والعرض بالمساعدة الذي قدمه الرئيس إيمانويل ماكرون لتهدئة التوتر بين حكومة حيدر العبادي وحكومة إقليم كردستان، وحرص فرنسا الصديقة على وحدة العراق وعلى ضرورة «تجنب أي تصعيد» وبقاء العراقيون متحدون في ظل أولوية استقرار البلد.
وهذا ما قد يفسر طبيعة الموقف الأمريكي، الروسي والفرنسي الرسمي من خطورة تطور الصراع التركي ـ الإيراني ـ الإسرائيلي على المشهد السياسي العراقي، من خلال عدم الاعتراف بنتائج استفتاء انفصال إقليم «كردستان العراق»، والتشديد على استمرار دعم «عراق موحد اتحادي وديمقراطي، واستعداد الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون المساعدة لبحث الأزمة في باريس، عند لقائه برئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي. وهنا لا بد من التأكيد على أن النزعة القومية الكردية في العراق لا تتلاءم مع طبيعة السياسة الحالية للنظام الدولي في الشرق الأوسط، إذا اخذنا بالاعتبار حرص الغرب على دعم الأنظمة السياسية الفدرالية الجامعة للقوميات والإثنيات للمجتمعات المضطربة، واعتبارها استجابة ومطلبا رئيسيا لبناء نظام العولمة، الساعي إلى إعادة التوازن والحقوق الإنسانية في المجتمعات المتعددة القوميات.
من هنا ترجمت أزمة الاستفتاء الكردي للانفصال عن مدى شراسة الأطماع الإقليمية وعلاقتها بالوضع السياسي العراقي المنقسم، وتبعية أحزابه للقوى الإقليمية الثلاث، في الوقت الذي أثبت جيران العراق العرب عن غياب وتلاشي حدود تأثيرهم على مجرى المشهد السياسي العراقي، وانحسار التأثير في حدود إقليمية تركية ـ إيرانية ـ إسرائيلية، انسجاما مع طبيعة التكوين الاجتماعي للبلد وخصوصية بلاد الرافدين التاريخية في التنوع الديني والقومي.
كاتب عراقي

أطماع أم مخاوف إقليمية من كردستان العراق

أمير المفرجي

- -

3 تعليقات

  1. لا توجد وطنية عند أغلب السياسيين بالعراق
    فالشيعة منهم ولاؤهم لإيران والأكراد لدولة كردستان والسُنة للدولار
    حتى كلمة الوطنية كرهها الشعب العراقي بسبب إزدياد إنقطاعات كهرباء الوطنية !!
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. مما يؤسف له اندثار الوعي الحقيقي بسيادة حكومة عراقية وطنية بحق وعدل تمثل أطياف المجتمع العراقي بروح نظيفة. ولعل احد اسباب ذلك انتشار أمراض الحزبية وتشرذمها والقومية بأمراضها والدينية بانقساماتها والمذهبية بتاويلاتها والعمالة الخفية والمعلنة لمن يستغل جهل العقول المريضة باوهام المناصب والمكاسب بلا مُحاسب وضمير مُراقب وتربية مشرذمة بين التَّدَّيُّنْ المُنافق للمصدر القران والسنة بتأويلات ما أنزل الله بها من سلطان في كتابه وسنة نبيه وعقل راجح ونفس تقيَّة مُهذَّبة في أداء واجبها لخدمة المجتمع والارض جذره. فأطماع السُلطة والتسلط بتأويلات مُخادعة تفتح أبواب الحروب الداخلية بدعم خارجي يُدمِّر الحاضر والمستقبل تبت أديَّ الظلمة لأنفسهم وبلدهم لأجيال قادمة ستسبح في أنفاق الخلافات الكاذبة ومعالم الاوهام في حُكم البلاد بعقل غير سياسيى وغير واعٍ نظيف يقود المجتمع بإدعاءآت وهمية لتخدير عقول الناس باوهام التأريخ والجغرافية وتلبيس العقول بما هو غير معقول. قفوا أنكم مسؤولون في كُلٍّ أمام الله والمجتمع والتاريخ وضمائر المحاكم في أنفسكم. أمراض الحاكم والمحكوم المكلوم. ولله في عباده شؤؤوون لمن يعقلون. وأغلبهم يلعبون بما هم يتوهمون.

  3. ليس كل السنة بل السياسيين من الحزب الاسلامي ( من جماعة الاخوان المسلمين ).الذين وضعوا ايديهم بأيدي الاحتلال قبل غيرهم.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left