خواطرٌ في عيد ميلاد الشهبانو !

[1]

صادف يوم الرابع عشر من تشرين الأول/اكتوبر الذكرى التاسعة والسبعين لميلاد شهبانو إيران السابقة ، الجميلة فرح ديبا . أغمض عينيّ ، وأتخيل لو أن حكم الشاه قد أستمر في إيران ، المجاورة للعراق ، كيف كان سيبدو مشهد العراق ، والمنطقة العربية الآن . الخيال يأخذ بيدي ، ويقودني لأرى المشهد ، فإذا بي لا أرى إلا أضواء ملونةً ، غزيرةً ، كرذاذ مطر أشهبٍ ، خفيفٍ ، يتناثر براقاً ، لامعاً ، ملوناً بأطيافٍ متوهجةٍ ، ملونةٍ ، باهرةٍ ، تومض ، وتبرق ، وتخطف الأبصار لتأخذني بعيداً ، بعيداً جداً ، حتى لا أعد أسمع ، إلا قهقهاتِ الناسِ ، وأحاديثهم الجذلى ، ولهوهم ، وسعادتهم ، وأطفالهم يلهون حولهم ، وبين أرجلهم مرحاً ، وخدودهم متوردةً شبعاً ، ودفئاً ، وأمناً ، وشفاههم باسمةً ، فرحة .
ثم أمعن النظر ، فإذا بي لا أرى ، على المشهد المتخيل في خلفية رأسي ، إلا أناساً بملابسَ ملونةٍ ، زاهيةٍ ، بكلِّ ألوان الورد ، ليس الأسود من بينها . ثم أقرر أن أخفف البصر ، لأفسح الطريق لأذنيّ تلتقطان ما يصل لهما من وشوشات ، وهمسٍ ، وإيقاعٍ ، وأنباءٍ ، فإذا بسمعي لا يصل إليه صوتُ عويلِ ثكلى ، أو نواح من فقد حبيباً ، نواحٌ يُضرِّجُ سكونَ الليل ، و لا يصل إليه وقعُ لطمٍ على الصدور ، والرؤوس ، أو صراخُ هلعٍ من فاجعةٍ ، أو كارثةٍ ، أو فقدٍ ، أو خسارةٍ . فأقرر أن اتأكد أكثر ، وأزيد إمعاناً في التنصت لخيالِ عقلي ، فإذا به ينقلني لمشهدِ أفراحٍ عارمةٍ ، متناثرةٍ على طول خريطة العراق ، المتراميةِ الأطرافِ ، والجوانب ، فإذا بسمعي لا يصل إليه ، إلا أصواتِ موسيقى ملونةٍ ، تصدح جذلاً ، وبهجةً ، فَرِحَةً ، صاخبةً ، والناس حولها يتمايلون على أصداء أنغامها ، يسكرهم النغم الصادح ، نشوةً ، ومتعةً .
يحدثني مَنْ شَهِدَ العهد الملكي في العراق ، أن العراق ، كمجتمع مدني ، كان متقدماً ، مزدهراً بالأمن ، والسلام ، والعمل ، وإنشاء المشاريع ، والناس كانوا في شُغلٍ عن السياسة ومجرياتها ، تلهيهم حياة العملِ ، والدراسة ، وبناء النفسِ ، والأسرة ، والإهتمام بالموضة وصيحاتها في الملبس ، والعطور ، والسيارات ، والإهتمام بالسفر للسياحةِ ، والأطلاع ، والدراسة . لم يشغل الناس إختفاء المواد الاستهلاكية ، كالأغذية ، أو المحروقات ، فكلّ شيء كان متاحا ، ومتوفراً . ولم يكن أحد يعبأ بسلامتهِ أو أمنه ، لأن الأمن والسلام كانا حاضرين مقيمين بين الناس .
كانت العمائم ، في عهد الملكية في العراق ، جالسةً في دور العبادة ، للنصح والإرشاد ، لا للتمرد على الدولة ، أو للعصيان لنظام المجتمع ; عمائم مسالمة تنشد الخير ، وتنشره ، لا تنشر دماً ، وقتلاً ، وخطفاً ، وخراباً . وكان مجتمع العراق مجتمعاً مدنياً ، بلا مظاهر مسلحة ، وبلا عسكرة للمواطنين ، وبلا ميليشياتٍ تخطف ، وتقتل ، وتخرّب ، وبلا أحزاب دموية ، سلطوية ، قمعية ، تلاحق المواطن كظلّه ، وتجبره على الانضمام لها عنوةً وقسراً ، إن أراد العيش بسلامٍ والحفاظ على رزقه . كان مجتمعاً مدنياً لا تحكمه أجهزة أمن تلاحق المواطن ، حتى في عقر داره ، وتراقبه حتى في فراشه ، بل وحتى في أحلامه . حتى الملك ، نفسه ، لم يكن مقيماً في التلفزيون ، أو المذياع ، ولم تكن صورته مبثوثةً في كل مدينةٍ ، وشارعٍ ، أو على كلّ ناصيةٍ ، أو عمودِ كهرباءٍ ، كسلعةٍ رخيصةٍ ، متاحةٍ للجميع . لم يكن يراه الناس ، إلا في ذكرى عيد ميلاده ، حيث كان يصطف طلاب المدارس ، على جانبي الطرقات ، لتحية الموكب الملكي بمركباته ، دون أية إجراءاتِ أمنٍ مشددةٍ ، لأن ما يسمى بالإرهاب الديني لم يكن قد ولد بعد . ولد الإرهاب الديني ، بعد ذلك ، وأرتدى جبةً وعمامةً ، وأدعى أنه من نسل الأنبياء ، وبدأ حفلته الماجنة ، الصاخبة ، المسلية له ، القائمة على خراب دولنا ، وسفك دمائنا ، وملاحقتنا في أدق خصوصياتنا ، وكلّ تفاصيل حياتنا ، بدءاً من ممارسةِ الجنس ، وحتى دخول الحمام ، وكيفية النوم في السرير، وطريقة الأكل والشرب . تدخلت العمامة في حياتنا طولاً ، وعرضاً ، حتى بتنا نمقتها مقتاً ، ولا نطيق رؤية أي شكل ، أو شيء يماثلها ، ويشبهها ، فما بالك بها ، هي نفسها .
مراقبة العالم تظهر أن النظم الملكية ، الدستورية ، البرلمانية تفسح المجال لبلدان أكثر استقراراً ، وازدهاراً ، لأن الملوك ينحدرون من أسر نبيلةٍ ، إمتلأت بطونها شبعاً ، تربي أبناءها على أخلاق الشبع ، بدلاً من أخلاق الجوع ، وأخلاق الشريف ، بدلاً من أخلاق اللص ، وأخلاق السادة ، بدلاً من أخلاق العبيد ، وأخلاق الثقافة ، بدلاً من أخلاق الجهل . وبالإضافة لذلك ، فإنّ كلّ ملك يحرص على استمرار حكم عائلته ، وهذا ما يجعله يضطر اضطراراً ، لأن يعمل جاهداً ، دون كللٍ ، أو مللٍ لكي يسلّم تركةً حكمٍ يسيرةٍ ، ناجحةٍ ، خاليةٍ من المعضلات ، والخناجر المسمومة ، وسكاكين الخاصرة لأولاده ، وأحفاده ، وبالتالي تعّم التنمية ، ويسود السلام . أرجو عودة الملكية لإيران ، والعراق على النمط البريطاني ، بصيغة ملكيات دستورية ، برلمانية يكون التاج فيها ضماناً لوحدة البلاد ، وأمنها ، واستقرارها !

كاتبة من العراق

خواطرٌ في عيد ميلاد الشهبانو !

شهباء شهاب