«سوالف» خليجية: الانتقال من السياسي إلى السيكولوجي

توفيق رباحي

Oct 17, 2017

يذهب أبنائي إلى مدرسة بريطانية في الدوحة. تصنَّف المدرسة بين الأفضل في البلد، إن لم تكن الأفضل على الإطلاق. تعوَّدت المدرسة على المشاركة في دورة رياضية بين تلاميذ المدارس البريطانية في الشرق الأوسط والخليج، تُنظم سنويا في دبي.
ينظم الدورة «المدارس البريطانية في الشرق الأوسط»، تحت رعاية «مجلس المدارس البريطانية الدولية». وينتظرها التلاميذ، الرياضيون منهم على وجه الخصوص، بالكثير من الصبر والحلم لأنها تشكل محطة تُنقش في ذاكرتهم الطفولية.
قبل أيام بعثت إدارة المدرسة رسالة لأولياء الأمور تُبلغهم باستحالة المشاركة هذه السنة، بسبب الأزمة بين قطر من جهة والسعودية والإمارات والبحرين من جهة أخرى.
اعتذرت الإدارة بحرقة عن هذا القرار الذي يشمل مدرستنا وأخرى في نفس مقامها وانتمائها (لن أذكر أسماء المدارس لأنني أكتب من دون استشارة أحد).
رسالة إدارة المدرسة كشفت عن أمر أشد إثارة للحزن والأسى، وهو أن حكومة البحرين، حيث مقر «المدارس البريطانية في الشرق الأوسط»، هددت القائمين على هذه الهيئة بالحل في حال تجرأوا على خرق الحظر وأشركوا مدارس قطر (البريطانية) في منافسات العام الدراسي الجاري بدبي (التي تُنظم في الربيع المقبل، ما يعني أن النوايا مبيّتة لحصار طويل الأمد).
هذه مدارس بريطانية يرتادها أطفال ويافعون عجم لا ناقة لهم ولا جمل في الأزمة. ويعمل فيها بريطانيون وأجانب، صلتهم ببريطانيا والعواصم الغربية أقوى مما هي بقطر. ورغم ذلك، نالها هذا العقاب الشديد.
ليس هناك تفسير سوى أن الأزمة الخليجية خرجت من السياسي والاقتصادي إلى النفسي والعقلي، وأصبحت حالة مَرَضية جديرة بأن تُدرَّس في كليات السيكولوجيا.
لا أذكر انني آمنت يوما ما بشيء اسمه الأمة العربية والمصير الواحد والعمل العربي المشترك وغيره من هذه الشعارات. كل ما هنالك، في نظري، جيران شاءت الأقدار أن بعض أوجه الشبه والقواسم المشتركة تجمعهم، لكنهم لا يطيق أحدهم الآخر ولا يتوقفون عن الكيد بعضهم لبعض.
انتخابات اليونسكو الأسبوع الماضي هي آخر فصل من مسلسل الكيد المفتوح.
في السنوات الأخيرة تنافس مرشحون عرب في انتخابات اليونسكو، ودخلوها متفرقين (كعادتهم) فانهزموا. غير أنهم لم يصلوا إلى هذا: دبلوماسي مصري يقف وسط حضور مرموق ليصيح «تحيا فرنسا.. تسقط قطر»، ابتهاجا بفوز سيّدة فرنسية برئاسة المنظمة الدولية، أمام منافس قطري.
مرة أخرى لا تفسير سوى أن هذا التصرف إشارة على خروج الأزمة الخليجية من الاختلاف السياسي إلى الانحراف السيكولوجي. فوجب التنويه.
أصبح من المستحيل استيعاب كل هذا السقوط الذي أصاب مصر. حال «أم الدنيا» باتت مثيرة للشفقة.
جميل الذيابي، صحافي سعودي هو مخترع نظرية «المعدة القطرية تتضرر من المنتوجات التركية».
الأربعاء الماضي كتب في «عكاظ» السعودية مقالا يتهم الكويت بالانحياز لقطر في الأزمة الخليجية. المقال مبني حول تكهنات عن مصير القمة السنوية لقادة دول مجلس التعاون الخليجي (من المفروض أن تُعقد في الكويت في كانون الأول/ديسمبر المقبل).
بعد سرد لما اعتقدَ أنها علامات على انحياز الكويت إلى صف قطر، يقترح الذيابي أن تبحث الكويت إمكانية دعوة «المعارضة» القطرية للقمة الخليجية.
هذا اقتراح يُبيّن عن حكمة ثاقبة ورؤية خارقة. يمكن للكويت أن تستجيب، وبالمناسبة، تدعو كذلك المعارضة السعودية والمعارضة البحرينية والمعارضة الإماراتية والعُمانية. ولنا أن نتخيّل طائرات تنزل بمطار الكويت تخرج منها وفود «المعارضات» وفي استقبالهم مندوب «المعارضة» الكويتية. ثم تعزف الأناشيد الوطنية وموسيقى الشرف للنجم غانم الدوسري ورفاقه، قبل أن يقودهم مندوب الكويت إلى القمة حيث سيكتشف الخليجيون والعالم مَن مِن «المعارضات» جاد وجدير بالاحترام.
في الأسبوع الأول من تشرين الأول (أكتوبر) 2016 نفذ التحالف السعودي غارة جوية على مجلس عزاء في صنعاء أسفر عن سقوط أكثر من 600 بين قتيل وجريح.
استهدفت الغارة يومذاك الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح. ونُفِّذت بناءً على معلومات استخباراتية عن وجوده في ذلك العزاء. لكن اتضح أن العملية ضرب من العمى.
بعد عام بالضبط، في الأسبوع الأول من تشرين الأول (أكتوبر) 2017، تباهت السعودية بأنها أنقذت حياة صالح من خلال السماح لفريق طبي روسي بالنزول في صنعاء وإخضاعه لعملية جراحية حاسمة.
السعودية التي قتلت نصف الشعب اليمني وجوَّعت نصفه الآخر في حرب عبثية بسبب صالح، تُنقذ هذا «الصالح» في تصرف لا يستوعبه عقل عاقل.
لا بد أن شيئا ما يسير بالمقلوب في السعودية، فقادَ إلى الشيء ونقيضه.. محاولة قتل صالح ثم إنقاذ حياته.
شيء لن يجد تفسيره سوى في الخروج من السياسي إلى السيكولوجي.

٭ كاتب صحافي جزائري

«سوالف» خليجية: الانتقال من السياسي إلى السيكولوجي

توفيق رباحي

- -

3 تعليقات

  1. سيد توفيق..
    لماذا سكتم عن جرائم السعودية يومها وقررتم اليوم فضحها وإدانتها؟؟؟؟

  2. قال الشاعر :
    ( أحبُّ مـكارمَ الأخلاق جَهدي *** وأكـره أن أَعـيب وأن أُعابا
    وأصفح عن سِباب الناس حِلماً *** وشرُّ اللناس من يهوى السبابا
    ومـن هـاب الرجـال تهيّبوه *** ومـن حقّر الرجالَ فلن يُهابا )
    صدق من قال بأن الحلم سيد الأخلاق
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  3. «تحيا فرنسا.. تسقط قطر»،
    ” نتخيّل طائرات تنزل بمطار الكويت تخرج منها وفود «المعارضات» وفي استقبالهم مندوب «المعارضة» الكويتية.”

    أخ توفيق، يسْلم لسانك … ما أتْفهَ سياسيي هؤلاء القوم…

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left