عن كلارا وحكايتها التي لا تُنسى

حسن داوود

Oct 19, 2017

أُبلغتُ بذلك الخبر عبر هاتفي المحمول، ذاك الذي ينقل لي ما يستجدّ من أحداث طارئة في الغالب. كان مُرسلاً من «نيويورك تايمز» التي اختارته من بين مستجدّات كثيرة لتعمّمه على متابعيها.
أما عنوانه، وهو ليس خبريا ولا حدثيا بأيّ حال، فهو I have a message for you. (لدي رسالة لك) وفي التعريف الموجز بفحواه قرأتُ أن سيدة ناجية من أوشفيتز كانت قد تلقّت رسالة من أبيها بعد تأخير بلغ عشرين سنة.
وحين رجعتُ إلى الصحيفة لأقف على تفاصيل ذلك الخبر رأيت أنه شريط سينمائي يحتوي مقابلة مع السيدة كلارا، وهي الآن في الثانية والتسعين، لأتبيّن أن لا شيء خبريا فيه. أولا لأن أكثر من نصف قرن قد انقضى على حدوثه، حيث في 1962 كانت قد نقلته امرأة التقت كلارا في تل أبيب، وقالت لها تلك الجملة المنصوصة أعلاه: «لديّ رسالة لكِ». ذاك أن المرأة هذه، ناقلة الخبر، كانت هناك في القطار الذاهب من ألمانيا إلى بولندا، عابرا بلجيكا في طريقه. كان القطار ذاهبا بحمولته من اليهود الألمان إلى أوشفيتز. بين هؤلاء كانت كلارا وزوجها فيليب، وكذلك والدها الذي لم يستطع أن يقفز هاربا من القطار بسبب مرضه. كلارا وفيليب فعلا ذلك حين وصلا إلى بلجيكا، حيث كان يمكن لهما أن يجدا فيها من يساعدهما على الاختباء. الوالد بقي في القطار بين الآخرين الذين كانوا ينتظرون الموت المتربّص بهم عند نهاية الرحلة. وفي الحصيلة وصل القطار بهؤلاء إلى أوشفيتز، لكن والد كلارا لم يكن حيّا بينهم إذ كان قد قضى نحبه وهم في الطريق.
أما الخبر الذي تلقّته كلارا، متأخّرا عشرين سنة، فهو أن والدها قال لمن بقوا معه في القطار: «إن صادف أن رأى أحدكم ابنتي فليبلغها أن فرارها من القطار جعلني أسعد الآباء». وها هي الجُملة تتأخّر خمسا وخمسين سنة أخرى لتُذاع على العالم، ولنتعرّف أيضا على السيدة كلارا التي ذكرت أنها، هي أيضا، أحست بالارتياح لأن والدها، بحسب ما علمتْ من تلك المرأة، لم يصل إلى أوشفيتز ويعيش أهوالها. لكن ما نحن بصدده هنا هو إبلاغنا، نحن القرّاء، بتلك الحكاية عن طريق الصدمة. لقد اختيرت من بين ما صدر في الصحيفة لذلك اليوم، لكي تكون خبر الحدث، أو الخبر العاجل. ولم يبد أن ذلك يتعلّق بالإبلاغ عن فيلم الفيديو ذاك، أو عن قيمته الفنيةّ وجِدّته الظاهرة في استخدام الخطوط المتحوّلة إلى رسوم، وتمثيل الوجوه والأجسام بالأقّل القليل منها، بل يتعلّق بالحكاية ذاتها. تلك الحكاية التي كأنها استُدركت الآن، بعد انقضاء كل ذلك الزمن، وكان يمكن، لولا ذلك، أن تُهمل ويأكلها النسيان.
كان يُمكن لتلك الحكاية إذن ان تبقى خارج إرشيف أوشفيتز، الذي ينبغي له أن لا يغفل عن شيء. ربما كانت السيدة كلارا تظنّ أن حكايتها تلك تتعلّق بها شخصيا وأنها، إن أعلنتها، لن تزيد شيئا كثيرا على هول المحرقة الضخم. متأخّرة أدركت أن تلك المأساة التي هي في حجم جبل لا تعني شيئا إن لم يجر تقسيمها إلى وحدات صغرى، إلى وحدات هي أصغر فأصغر، وذلك حتى تروي كل عائلة حكايتها، بل حتى يروي كل فرد حكايته. بهذا تظلّ المحرقة مُتذكَّرة ومُعاشة في الوقت نفسه، وحيّة طالما أنها مفتوحة على كل ما سيجري استنقاذه من الفوات والنسيان.
هي حكايات صغيرة، أو مآس صغيرة لكن ينبغي لها ألا تنفصل عن المأساة العامة الكبرى. على كل حكاية إذن أن تحكي وجعها الخاص وأن تستدعي الوجع العام في الوقت نفسه. لا يتعلق ذلك بحكاية كلارا وحدها، إذ دائما ما تُعاد الحكاية، في نهايتها، إلى الجبل الضخم الذي أُخذت منه أو أُضيفت إليه. لهذا كنت متوقّعا أن يرد ذلك السطر الأخير من فيلم كلارا، سطر الخاتمة أو ما بعد الخاتمة، الذي يقول: «من أُخذوا إلى ذاك المخيّم، كازيرن ديسان، بين 1942 و1944 هم 25834 شخصا لم ينجُ منهم إلا 1395»، كما أن يُضاف إلى ذلك السطر سطر آخر يقول إن المرأة التي أبلغت كلارا بذلك الخبر لم تُعرف هويتها أبدا. لا أرى أن المهم في إطلاق تلك الحكايات هو توقيتها، كأن يمكن أن يقول البعض إنها عمّمت في هذا الوقت لتكون ردّا على تحرّكات يقوم بها ناشطون في العالم ضد اعتقال اسرائيل للأطفال الفلسطينيين. ألمهم هو ألا تُغلَب تلك المأساة، أو أن تتراجع فتصير شيئا من تاريخ انقضى.
الشريط أخرجه ماتان روشليتز ويقع في حوالى 14 دقيقة، وهو موجود، بعنوانه المدوّن أعلاه، بين شرائط الفيديو التي يحفظها موقع الصحيفة في أحد أبوابه، كما يمكن أن يشاهد على موقع غوغل.
روائي لبناني

عن كلارا وحكايتها التي لا تُنسى

حسن داوود

- -

1 COMMENT

  1. كانت سنة 1999 حين فاز الممثل الإيطالي روبرتو بينيني بي أوسكار احسن ممثل عن فيلم الحياة جميلة وقبلها فاز الفيلم بي أوسكار احسن فيلم أجنبي وأحسن موسيقي يتناول الفيلم كالعادة إبادة اليهود من طرف النازيين لاكن بطريقة هزلية كان جميع الحاضرين يتظاهرون بالرضا إلا الممثل ماك كلاين الانجليزي المرشح عن فيلم آلهة وشياطين ولم يشعر عندما استجابته صحفية the wrap إلا وهو يقول المرة القادمة سأتملق لليهود حتي احصل على أوسكار لاكن بعد المغادرة أحدهم نبهه فعاد مسرعا ويبدو عليه الاضطراب سيدتي اقصد حتي لا تفهم غلط تصريحاتي انها فكرة عظيمة أن نضهر معاناة اليهود وساعمل علي اضهار ذالك مستقبلا.
    ورغم أنه مثل في أفلام عالمية مثل سيد الخواتم شيفرة دا فينشي لم يحصل ابدا علي أوسكار .
    ماذا لو اسثمرو العرب واحد بالمئة من ثروتهم لخلق جائزة لأحسن فيلم أو كتاب يظهر المعاناة الفلسطينية ؟
    لاكن هناك مثل يقول إذا أردت شيئا من الأموات فلذيهم الكثير من الصمت.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left