التحولات في السعودية… فتش عن الاقتصاد

ثائر ابوراس

Oct 20, 2017

كثر الحديث عن الاصلاحات الجذرية في السعودية التي يقودها ولي العهد السعودي والحاكم الفعلي للملكة، الأمير محمد بن سلمان.
أبرز هذه الاصلاحات هي تحجيم نفوذ هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي كانت بمثابة شرطة دينية منذ قيام المملكة والسماح للمرأة السعودية بالحصول على رخصة قيادة السيارة والتي ستدخل حيز التنفيذ في شهر حزيران/يونيو المقبل. هذه الإصلاحات حسب الإعلام المقرب من الديوان الأميري هي بداية لإصلاحات اشمل تهدف لتحويل المملكة من دولة متشددة بقوانينها الدينية والاجتماعية لدولة أكثر انفتاحا واحتراما لإنسانية الانسان، لاسيما المرأة السعودية.
تحدث الإعلام عن تنشيط القطاع السياحي للملكة على شاطئ البحر الاحمر لمنافسة قطاع السياحة المصرية بالإضافة لبيع 5 في المئة من أسهم شركة أرامكو – الشركة الوطنية لإنتاج النفط التي تعتبر عماد الاقتصاد السعودي واحد اهم ركائز الاقتصاد العالمي.
أما على مستوى السياسة الخارجية فتحولت السعودية من دولة تعتمد على الغرب والولايات المتحدة تحديدا الى دولة تقوم «بتعويم» سياساتها الخارجية عبر تحالفات وثيقة مع الإمارات العربية ومصر بالإضافة للتقارب مع روسيا والتنين الصاعد بالشرق، الصين. فالتحالف الخليجي بقيادة السعودية هاجم اليمن وقاطع قطر سياسيا واقتصاديا. وبالرغم من الفشل الذريع في اليمن وقطر، يبدو أن السعودية مستمرة في عنادها بتبني سياسة هجومية تجاه من تعتبرهم خصومها، وبهذا تختلف سعودية بن سلمان عن مملكة أعمامه وجده المؤسس التي فضلت حل مشاكلها عن طريق الرشوة المالية والاعتماد على القوة الأمريكية.
وجزء يسير من التحليلات تعتبر هذه التغييرات في دولة معروف عنها التشدد الديني والاجتماعي و«طول النفس» في السياسات الاقتصادية والخارجية بداية لتحول اجتماعي يهدف لعلمنة الدولة والمجتمع. لكن الحقيقة هي أن أي حديث عن علمنة السعودية مبالغ به. الدول العربية (عدا تونس) بمجملها دول غير علمانية تلعب الشريعة الاسلامية، بدرجات متفاوتة، دورا محوريا بدساتيرها وبالإجماع الوطني والاجتماعي. السعودية لا تختلف بهذا المضمار، بل يعرف عنها الدور السياسي والحكم الذاتي المؤسساتي الذي يتمتع به رجال الدين الوهابيون بهذه الدولة. بكل تأكيد سيتم تحجيم المؤسسة الدينية أكثر لكن النظام لن يتنازل كليا عن هذه الورقة التي تضفي عليه شرعية سياسية، قبلية ودينية في الداخل السعودي. كما وأن الملك السعودي هو ايضا «خادم الحرمين الشريفين» وهذا المنصب يعزز المكانة الدينية للسعودية كدولة وللعائلة الحاكمة تحديدا، ولا يبدو أن السعودية على استعداد للتنازل عن هذا المنصب الذي يعزز القوة الناعمة للسعودية امام الدول الاسلامية. فالسؤال هو، ما هي اهداف السعودية من هذه التحولات؟ بكل بساطة الجواب هو: الحاجة الاقتصادية للتغيير. الحاجة للتغيير الاقتصادي نابع من كوننا في لحظة تاريخية فارقة بكل ما يتعلق باقتصاد النفط. الخبراء يتوقعون أن بحلول العام 2035 النفط لن يكون موردا أساسيا في العالم بسبب تكنولوجيا السيارات الكهربائية و«الثورة الإنتاجية الخضراء» التي تعتمد على بدائل للنفط كالطاقة الكهربائية البديلة لمقاومة الاحتباس الحراري ومشتقاته. وبدولة مثل السعودية التي تعتمد بشكل شبه كلي على تصدير النفط، المملكة ستكون بلا اقتصاد إذا ما نوعت اقتصادها وانتاجها. حينما كان النفط يسد كل الاحتياجات الاقتصادية للبلد كان بالإمكان ادارة الدولة بشكل محافظ والتركيز على الدين لإضفاء شرعية سياسية بدولة متدينة بالفطرة كالسعودية. لكن تحولات الاقتصاد العالمي تجبر قيادات المملكة بالتفكير بشكل عقلاني ومهني إن أرادوا أن يستمروا بالحياة.
لم يعد ممكننا إقصاء المرأة من الحياة الاقتصادية أو فرض وصاية دينية في عالم تسوده روح التنافس الاقتصادي. فالمرأة هي ليست فقط نصف المجتمع وحسب، هي ايضا نصف الطاقة الانتاجية الاقتصادية لأي بلد وما دامت المرأة خارج التنافس الاقتصادي، الدولة تخسر نصف امكانياتها المادية مما يؤدي بشكل طبيعي لضعف الدولة بباقي النواحي ومنها السياسية والقدرة على الاستمرار ككيان موحد.  السعودية أعلنت قبل عدة سنوات عن «رؤية 2030» الذي يهدف لتعويم الاقتصاد السعودي والكف من الاعتماد على النفط. والقرار بالسماح للمرأة بالسياقة هو جزء من هذه الرؤية.
ففي السعودية أكثر من ثلاثة ملايين سائق أجنبي هدفهم نقل النساء من مكان لآخر والدولة معنية بتخفيض نسبة العمال الأجانب فبدأت بسائقي السيارات وتنوي تبديلهم بمواطنات البلد. كما وأعلنت عن فتح الباب امام القطاع السياحي لاستغلال وجود ملايين المعتمرين والحجاج والسماح لهم بالتمتع بشواطئ البحر الاحمر، حتى وإن لم تتمش روح السياحة مع الثقافة الدينية السائدة بهدف ادخال مليارات إضافية لخزينة الدولة.   بعيدا عن إمكانية نجاح «رؤية 2030» التي تواجه الكثير من التحديات، تعتبر اصلاحات بن سلمان اللبنة الأولى لهذه الرؤية.فالسعودية بالحقيقة بوضع استراتيجي حساس، أما أن تنجح هذه الإصلاحات وتتمكن المملكة من الحفاظ على اقتصاد متين في عالم ما بعد النفط او مواجهة تحديات وجودية لم تتحضر لها المملكة بشكل لائق. بالإضافة لمغامراتها العسكرية والديبلوماسية التي لم تعود عليها بالفائدة حتى الآن.
يبدو أن التاريخ سيذكر محمد ابن سلمان كالرجل الذي أنقذ السعودية وأدخلها العالم الحديث أو ستلقبه كتب التاريخ «لويس السادس عشر العربي» أي الأمير الصغير ذو الاحلام الكبيرة الذي دمر بلاده وأنهى ملك عائلته، والسنوات المقبلة ستجيب على هذا السؤال.

طالب دكتوراه في العلوم السياسية في جامعة مريلاند

التحولات في السعودية… فتش عن الاقتصاد

ثائر ابوراس

- -

1 COMMENT

  1. تحليل ممتاز . نعم الاقتصاد هو الدافع الرءيسى للاصلاح. كنت لاقول ان خطة الامير الشاب ستنجح لولا تاييده التام لصفقة الاسلحه الجنونيه هذا العام. اعتقد ان الصفقه المتهوره لا تصب بمصلحة الاقتصاد السعودى.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left