أفول زمن الإمبراطوريات واندحار شرطي العالم

لطفي العبيدي

Oct 20, 2017

ما يهمّ صانعي القرار في واشنطن خلال القرن الماضي أن يجعلوا الشعب الأمريكي يؤمن بفكرة التفوّق العسكري والهيمنة على العالم، وهو ما يُبرّر السياسة التي تسلكها واشنطن من حروب وتدخّل في البلدان، والإطاحة بالحكومات وتنصيب أخرى موالية للعمّ «سام».
ولكن التوازنات الدولية تغيّرت بدون أدنى شكّ، ولا يمكن لأمريكا أن تفرض سيطرتها على العالم، كما كان الأمر في السابق، وما تمتلكه الولايات المتحدة من تفوّق عسكري اصطدم بالكبرياء الكوري الشمالي، والآلة الحربية عالية التقنية تقف عاجزة أمام التحدّي الواضح الذي فرضه زعيم كوريا الشمالية. ووفق هذا المعنى تُشير كلّ المعطيات على الساحة الدولية، في السنوات الأخيرة، إلى أنّه لم يعد هناك مجال لهيمنة امبراطورية تفعل ما تشاء وفق عنجهية متغطرسة، ولغة حرب مجنونة، لا تُعير شأنا لاستقلال الدّول وسلامة ترابها وكرامة شعوبها.
العالم كلّه لم ينعم بالسّلام منذ سنة 1914 تاريخ اندلاع الحرب الكونية الأولى وحتّى الآن، إنّه الامتداد التاريخي للنّزاعات، وهي مسافة من الزّمن مليئة بالعنف والحروب في أوروبا وإفريقيا وآسيا.
وأبرز ما شهده العالم منذ سقوط جدار برلين تزايد عدد اللاجئين والمهجّرين الذي فاق، حسب إحصائيات أممية، الأعداد الهائلة التي وقع تهجيرها في أعقاب الحرب العالمية الأولى. والحروب التي شهدتها الألفية الثالثة خلّفت نكبات كبرى والحرب على العراق أبرز مثال على ذلك، وهي شهادة للتاريخ تحفظ عمق الديمقراطية الأمريكية ونزاهة القيم التي تتشدّق بها. وإنّ دولا مثل أمريكا، وكيانات مصطنعة مثل إسرائيل اعتمدت على آلتها الحربية لتُخلّ بكلّ المعاهدات التي يتّكئ عليها النظام العالمي، وبدا ذلك واضحا مع أمريكا منذ 2002، التاريخ الذي قطعت فيه التزاماتها باتفاقيات الهيئات الأممية، واعتقدت أنها ستسير مغرورة للسيطرة عسكريا على أيّ جزء من العالم، بالاعتماد على التقنية الحربية العالية التي تمتلكها، ولكن مثل هذا المجد الذاتي المغرور، وإن تجاهل النظام الدولي الأعرج والمهترئ بطبعه، فإنّه سرعان ما اصطدم بمعطيات جديدة، وهي تعافي روسيا وبروز الصين كقوتين كبريين غيّرتا الموازنات الدولية. ولم تعد أمريكا ذات يد عُليا تمدّها لإسرائيل متى شاءت بعثا لأسباب البقاء، وانتهى فعليّا مشروع سيطرة دولة واحدة على العالم .
أمّا خطر نشوب حرب عالمية كبرى فيبقى مبعثها الرئيس تنافس القوى الكبرى، وعدم رغبة الولايات المتحدة في الانحدار إلى درجة ثالثة بعد روسيا والصين. ويظلّ اندلاع مثل هذه الحرب احتمالا حقيقيا قائما، وإن كان الآن يتّخذ أشكالا أخرى هي أساسا الحرب بالوكالة، بحثا عن مزيد الهيمنة وتحصيل المكاسب الاستراتيجية، وإن كان الأمر يتمّ على حساب الدول الصغيرة.
اتّسم القرن الواحد والعشرين بتسارع مذهل للأحداث، وأصبحت كلّ المجتمعات تقريبا تحت تأثير البيئة العالمية، ولكنّ الأمر الأهم في عالمنا اليوم أنّ النظام الدولي سوف يبقى جماعيا، ولن تستفرد الولايات المتحدة بعد الآن بالقرارات الدولية أحادية الجانب، ولن تستطيع فرض نظام عالمي جديد ترغب فيه، فقد انتهى عصر الامبراطوريات بصرف النظر عن مبلغ القوّة العسكرية، ويتعيّن على الجميع الدفع باتّجاه السلام العالمي، وإيجاد سبل أخرى أكثر نجاعة لتنظيم العالم المتعولم في القرن الواحد والعشرين.
كاتب تونسي

أفول زمن الإمبراطوريات واندحار شرطي العالم

لطفي العبيدي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left