في العشيرة والدولة والتاريخ المتوثب

سامح المحاريق

Oct 20, 2017

حسمت التوضيحات التي قدمها فريق عمل رئيس مجلس الأعيان الأردني فيصل الفايز، مشفوعة بتسجيلات صوتية، الجدل الذي أثير حول تصريحاته المتعلقة بالعشيرة ودورها في المجتمع الأردني.
ومع ذلك شهدت الأردن يومين من التراشق بين فريقين، الأول، كان عاتباً وغاضباً من تصريحات تصورها تهاجم دور العشيرة. والثاني، كان مستبشراً ومؤيداً. وفي الحقيقة فإن التصريحات لم تقدم شيئاً جديداً، وإنما عبرت أولاً عن قناعات الفايز، وثانياً وصفت واقع الحال، الدولة ثم العشيرة.
الدولة ثم العشيرة، معادلة تبعد مؤسسات كثيرة يفترض أن تجد مكانها في بنية الأردن الاجتماعية والسياسية، وما أعطى الأمر زخماً في الجدل هو تزامن ندوة الفايز مع القرار الذي اتخذه حزب عبد الهادي المجالي، أو التيار الوطني، كما يرد في سجلات الحكومة بإنهاء تواجده من الساحة، وهو الحزب الذي قام بترويج العديد من الادعاءات الصاخبة قبل سنوات، ويطوي الحزب، وهو حزب شخصي آخر في الأردن، مسيرته القصيرة بصورة مقلقة تبقي فقط على الأحزاب الأيديولوجية تتصدر المشهد، في زمن يشهد أفول الأيديولوجيات، وعلى الأقل، دخولها في مرحلة الشيخوخة.
وسط الجدل الدائر، تناسى كثيرون، ضرورة تعريف العشيرة، ومعالجة المصطلح من شوائبه الجهوية والإقليمية، فالعشيرة في الأردن تدلل على أمرين متباينين للغاية، فهي القبيلة الصغيرة، أو المتفرعة عن قبائل عابرة للحدود الوطنية، ومنها قبيلة بني صخر التي ينتمي لها الفايز، بل يشكل رأس القبيلة من ناحية التراتبية العشائرية، وهي أيضاً، العائلة الفلاحية الممتدة التي تفرعت من قبائل عربية مرتحلة، ولكنها توطنت وعملت في الزراعة وشكلت كيانات إنتاجية محلية صغيرة، والفرق يشبه، ولو من طرف بعيد، ما يقيمه أهل الجزيرة العربية بين القبيلي (البدوي) والخضيري (الحضري)، على الرغم طبعاً من أن الاثنين ينتميان لأصول قبيلية واحدة، إلا أنهما يعبران في المقابل عن نمطين مختلفين في الحياة، وكذلك في النظرة للحياة.
القبيلة دخلت في طور العشيرة نظراً لقربها من المراعي الخصبة في منطقتي حوران والبلقاء، وزاحمت قبائل أخرى أكثر عدداً معتمدة على شراسة أبنائها، والعائلة الفلاحية اضطرت لغايات حماية الأرض والثروة الصغيرة أن تتخذ الصفة الجمعية، وأن تبقي علاقة الأبناء والفروع متشابكة ومتمركزة، وأخذت تضع صيغ الجمع في ألقابها، وبذلك تشكل المشهد العشائري في الأردن.
لم تتشكل الأردن على أساس العشيرة، وكانت في المرحلة الأولى نواة مشروع أكثر اتساعاً يتماهى مع مشروع مملكة عربية هاشمية كبرى، وكان أول رئيس وزراء للمملكة، مما يمكن وصفه بالبوتقة العشائرية هو هزاع المجالي، وبعد ثلاثة عقود من تأسيس المملكة، كما أن رئيس الوزراء الوحيد من أصول بدوية (قبلية) كان نفسه فيصل الفايز عن قبيلة بني صخر المتجانسة إلى حد كبير، وصاحبة المكانة الوطيدة في تاريخ المنطقة شرق نهر الأردن، واستطاعت هذه القبيلة أن تشكل حائطاً للصد ضد هجمات بدوية كثيرة وحملات وهابية متعددة في تاريخ المملكة، إلا أنها لم تكن بالضرورة تمتلك علاقات طيبة مع جيرانها في المناطق الحضرية القريبة، فالعلاقة بين القبائل البدوية والعائلات الفلاحية كانت تشهد فصولاً من العلاقات الطيبة وأخرى من الصراعات الملتهبة، والدولة أسهمت إلى حد بعيد في تخفيض حدة التماس بين أهل البادية والريف إلى حدودها الدنيا، بينما بقيت سوريا مثلاً تشهد موجات من الصدام بين القبائل وأهل الريف، ما زالت فصول واحدة منها ساخنة بين البدو والدروز.
الدولة دخلت في فصول متعددة هي الأخرى مع العشيرة، فالعشيرة التي استقبلت الثورة العربية الكبرى، وجدت نفسها في علاقة حذرة مع كيان سياسي جديد ينشأ في العشرينيات، ولكن بعد فترة وجيزة تمكن الجيش العربي من ترويض روح العشيرة وبث المعتقد البطولي، الذي يعوض تقاليد تاريخية من الفروسية والفتوة، وأمام بنية العمل السياسي في الحواضر المدينية الأردنية وتجربة الحكومة الحزبية مع سليمان النابلسي، وجدت العشيرة فرصتها لتقدم نفسها بديلاً يمكن التعويل عليه، ولكن ضمن فكرة التحاصص، التي كانت تحفظ التوازن في مشهد الحياة العشائرية في الأردن، ومع الصدمة العميقة التي خلفتها سلوكيات غير ضرورية وغير مسؤولة من أجنحة متطرفة من الثورة الفلسطينية، نكصت آخر الفئات التي يمكن أن تتعلق بمشروع سياسي حقيقي إلى جذورها العشائرية واستحكمت ثنائية العشيرة والدولة.
بالرجوع لمحاضرة الفايز، فقناعته تتمثل في أن الولاء للدولة والعشيرة غير متعارض من حيث المبدأ، ويجب ألا يطرح التعارض من الأساس، إلا أن تاريخه الشخصي وموقعه السياسي يجعله يعطي الأولوية للدولة المرادفة والمطابقة تماماً وبالكامل للوطن، ضمن رؤية الفايز، والغالبية العظمى في الأردن تتقاسم هذه القناعات وتؤمن بها، ولكنها في المقابل لا يمكن أن تقبل مساساً بالعشيرة، لأن مشاريع الإصلاح السياسي البديلة في مجملها غائمة ومتعثرة ومترنحة، فما الذي يمكن أن يدفع قطاعاً واسعاً من الأردنيين للخروج من حاضنة العشيرة، وما توفره من مزايا مادية وأخرى معنوية.
الردة للممارسات العشائرية تفاقمت في العقود الأربعة الأخيرة، تعبيراً عن القنوط من قدرة المنظومة الحكومية أو منظومة الدولة على تحقيق العدالة، وتجاوز عيوب الفساد وطقوس الإفساد، والأردن يتحول إلى مجموعة من الجاهات المتصلة بين الأفراح والأتراح، وأصبحت عادة التنافس في الجاهات، وفي تطبيق تقاليد وأعراف العشائرية مادة دسمة للصحافة، مع أن أردن الستينيات والسبعينيات كان يسجل قفزات واسعة نحو الحداثة بمفهوم ذلك الوقت، ويبدو أن جانباً كبيراً من التمسك بالعشيرة وصورتها يأتي في ظل التعويض النفسي والبحث عن الهوية من ناحية، والاستعراض للوزن والتأثير، مع لفت انتباه من يحملون سكين التحاصص من ناحية أخرى.
وأد البيان الذي أصدره رئيس مجلس الأعيان كثيراً من الجدل المبني على التوظيف المغلوط لتصريحاته، بعكس المعنى المقصود منها، ومع ذلك، فالمطلوب أن يفتح الباب أمام الفريقين اللذين توزعا على جانبي هذه التصريحات وأظهرا مواقفهما من العشيرة، في وقت يراوح فيه الإصلاح مكانه، ويتسع الفراغ الذي يخلفه انسحاب وانكشاف الكثير من القوى، التي زعمت لنفسها مشروعات سياسية، والغاية ليست بالتأكيد القضاء على العشيرة، التي هي ظاهرة اجتماعية ونمط حياة ومكون هوية، وإنما إعادة صياغة العلاقة لبناء دولة تتجاوز أي اعتبارات جزئية، من أجل تأكيد سيادة حقيقية للقانون واطمئنان لتطبيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما سيجعل العشيرة دعامة لفكرة الدولة، بدون أن ترتدي بين الوقت والآخر تلك العباءة الثقيلة التي يمكن أن تمنح من يرتديها الدفء الذي يحتاجه، ولكنها ستبقى عائقاً أمام تقدمه وقدرته على التعامل مع المعطيات المتسارعة من حوله، في عالم يخطو حثيثاً تجاه مغادرة النموذج التقليدي للدولة كما عرفه العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر.
كاتب أردني

في العشيرة والدولة والتاريخ المتوثب

سامح المحاريق

- -

2 تعليقات

  1. تحية طيبة ..
    وددنا لو تواصل البحث و التحقيب في هذا السياق الأنثربولوجي المهم و غير المطروق بالشكل الوافي ، حول علاقات العشيرة و السلطة ، وعلاقات العشيرة و المدينة في الأردن بإعتباره مثالاً مهما للمجتمعات العشائرية و القبيلية المتماسكة عرقياًً في الشرق.

  2. القبلية والعشائرية تمثل التخلف والجهل والرجوع للوراء قرون عديدة وتعني غياب القانون وفرض الاعراف العشائرية عليع باختصار شديد يجب على الدول والحكومات المحترمة ان تفرض قوانينها على الجميع

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left